Logo
Logo
بلا فلتر
رقم الاسبوع
المدرسة السياسية
AM+ CHECK
AM+ LAB
AM+ TALK
DIGEST

المغرب يطالب بقاصريه وبروكسيل تدفع نحو إعادتهم ومدريد تسبح عكس التيار وتنقل 500 فتاة للداخل الإسباني

المغرب يطالب بقاصريه وبروكسيل تدفع نحو إعادتهم ومدريد تسبح عكس التيار وتنقل 500 فتاة للداخل الإسباني
خولة اجعيفري
مشاركة:

تحولت أزمة سبتة من ملف حدودي بين المغرب وإسبانيا إلى اختبار سياسي وقانوني لحكومة بيدرو سانشيز داخل إسبانيا وأمام الاتحاد الأوروبي نفسه، فبعدما بنت مدريد خطابها منذ موجة العبور الجماعي في 30 يوليوز على إعادة الوافدين بطريقة غير نظامية إلى المغرب ومنع انتقالهم إلى شبه الجزيرة، تستعد الحكومة الإسبانية اليوم لنقل نحو 500 فتاة قاصر غير مصحوبة من سبتة إلى البر الإسباني، في خطوة تأتي بينما تطالب الرباط باستعادة قاصريها وتدفع بروكسيل بدورها نحو تسريع عمليات العودة في إطار القانون الأوروبي.

ويعني نقل 500 قاصرة إلى شبه الجزيرة كما قررته الحكومة الإسبانية، أن الأزمة التي حرصت مدريد منذ البداية على إبقائها داخل حدود سبتة ستعبر فعليا إلى الداخل الإسباني، ولو تحت مظلة حماية الطفولة، كما يكشف عن تعدد مراكز القرار داخل الحكومة نفسها، فوزارة الخارجية تتحدث عن العودة إلى المغرب وحماية فضاء شنغن، بينما تبني وزارة الشباب والطفولة مسارا آخر أساسه استقبال القاصرين وتوزيعهم على الأقاليم وتقييم وضعية كل طفل على حدة.

وتعمل وزارة الشباب والطفولة الاسبانية، على نقل عاجل لنحو 500 فتاة مع بحث صيغ مختلفة لاستقبالهن، بينها التوزيع على الأقاليم ذاتية الحكم والإيواء الأسري والاستعانة بمنظمات حماية الطفولة لتدبير الحالات الأكثر هشاشة في مرافق متخصصة بالبر الرئيسي، من دون اشتراط نقل الوصاية في جميع الحالات إلى الإقليم المستضيف.

وتجد مدريد نفسها أمام معادلة دقيقة، فالمغرب يعرض التعاون لاستعادة القاصرين المغاربة، وطالب في أكثر من مناسبة بذلك وبنبرة شديدة على لسان وزير العدل عبد اللطيف وهبي، كما أن بروكسيل تؤيد بدورها تفعيل العودة بالنسبة إلى الموجودين بصورة غير قانونية، فضلا عن حكومة سبتة التي تتمسك بالمسار نفسه.

وكل ذلك، بينما تتحرك الحكومة الاسبانية المركزية لنقل مئات القاصرات في الاتجاه المعاكس جغرافيا، من الحدود مع المغرب إلى عمق الأراضي الإسبانية.

وعد بالعودة لم يصمد طويلا

قبل أيام فقط، كان خطاب مدريد أكثر حسما ويبرز جليا هذا التناقض، ففي 11 غشت انتقل وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى سبتة المحتلة، وبعد اجتماعه برئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس، أكد أن جميع من دخلوا الأراضي الإسبانية بصورة غير نظامية سيعودون إلى المغرب.

وربط ألباريس هذا الموقف بما وصفه بـ”الإرادة الصريحة” التي أبدتها الرباط لاستعادة مواطنيها، كما شدد على أن أحدا من المهاجرين لم يصل إلى شبه الجزيرة، في رسالة أراد من خلالها تأكيد حماية حدود شنغن وعدم تحول سبتة إلى ممر نحو أوروبا.

وفي الحكومة نفسها، ذهب وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع البرلمان فيليكس بولانيوس إلى أن الأولوية بالنسبة إلى القاصرين الذين عبروا إلى سبتة هي عودتهم إلى أسرهم في المغرب.

لكن هذا الخط اصطدم سريعا بحقيقة مختلفة على الأرض، فالقاصر غير المصحوب لا يخضع للمسار نفسه الذي يخضع له المهاجر البالغ، ولا تكفي وضعيته الإدارية غير النظامية لاتخاذ قرار فوري بإعادته.

وبمجرد تحديده باعتباره قاصرا غير مصحوب، تدخل منظومة حماية الطفولة إلى جانب قانون الهجرة، وتصبح المصلحة الفضلى للطفل ووضعه الأسري، وضمانات استقباله عناصر حاسمة في تحديد مصيره، ومن هنا بدأ خطاب مدريد يتشعب.

الرباط تضع استعادة القاصرين على الطاولة

المغرب، في المقابل، لم يكتف بإعلان استعداده لقبول عمليات إعادة البالغين، بل وضع ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين في صدارة مطالبه.

في 6 غشت، أعلن المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا وباقي الدول الأوروبية لتحديد هوية القاصرين المغاربة الموجودين لديها والعمل على إعادتهم، في موقف جاء تنفيذا لتعليمات ملكية سامية لوزارتي الداخلية والشؤون الخارجية لتسهيل هذه العملية.

وبعد أربعة أيام، رفع وزير العدل عبد اللطيف وهبي سقف الموقف المغربي، مؤكدا تمسك المملكة باستعادة الأطفال والقاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا، بمن فيهم الذين عبروا حديثا إلى سبتة، وأن المغرب سيتحرك في هذا الملف عبر القنوات القانونية والسياسية.

وقال وهبي إن المغرب “لن يتخلى” عن أطفاله وشبابه ومراهقيه، بينما ربطت الرباط تعثر عمليات الإعادة بوجود عراقيل قضائية وإدارية في الجانب الإسباني.

الموقف ليس جديدا بالكامل، ففي 2024 خلال زيارة رئيس حكومة جزر الكناري فرناندو كلافيخو إلى الرباط، أبدى وزير الخارجية ناصر بوريطة استعداد المغرب لاستعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين، مع الإشارة آنذاك أيضا إلى صعوبات قانونية مرتبطة بتنفيذ عمليات العودة.

الجديد هذه المرة هو السياق والحجم، فالمطلب المغربي جاء مباشرة بعد أكبر موجة عبور عرفتها سبتة وتردد مرارا بشكل رسمي، وفي الوقت الذي تواجه فيه المدينة ضغطا غير مسبوق على مرافق استقبال الأطفال.

من 1100 إلى أكثر من ألفي قاصر

الأرقام نفسها تكشف سرعة تحول الملف، ففي 6 غشت، كانت التقديرات تشير إلى وجود نحو 1100 قاصر غير مصحوب في سبتة، بعضهم وصل خلال موجة نهاية يوليوز وبعضهم كان موجودا قبلها.

وفي 7 غشت، تحدثت المعطيات الإسبانية عن تسجيل 1342 قاصرا، بينما كانت مرافق مخصصة أصلا لاستقبال نحو 90 طفلا تستوعب أعدادا تفوق قدرتها بكثير.

وبحلول الثلاثاء 18 غشت، ارتفع عدد القاصرين الذين حددت الشرطة الوطنية هوياتهم وسلمتهم إلى حكومة سبتة إلى 2168 قاصرا، وفق المعطيات التي أوردتها “يورونيوز”.

هذا الارتفاع السريع نقل المشكلة من تدبير مجموعة محدودة من الأطفال إلى أزمة حماية اجتماعية وقانونية واسعة داخل مدينة صغيرة المساحة والإمكانات.

ولهذا بدأت مدريد، منذ الأيام الأولى للأزمة، إعداد سيناريو لنقل القاصرين إلى شبه الجزيرة، وفي 7 غشت قالت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية سيرا ريغو إن الحكومة تأمل تنفيذ عمليات النقل خلال أسابيع مع إعطاء الأولوية للفتيات والأطفال دون 13 سنة، ودراسة كل حالة بصورة فردية.

الفتيات أولا

ولا يشكل اختيار 500 فتاة تحديدا تفصيلا في الخطة، فالأزمة الإنسانية داخل سبتة أظهرت أن الفتيات والنساء من أكثر الفئات هشاشة في ظروف الاستقبال التي أعقبت موجة العبور.

ولهذا وضعت السلطات القاصرات في فضاءات آمنة ومنفصلة بعد الإبلاغ عن اعتداءات جنسية، بينما أصبحت حمايتهن إحدى الأولويات المعلنة للحكومة.

وتستند مدريد إلى هذه الوضعية لتبرير إخراجهن بصورة عاجلة من سبتة، ومن وجهة نظر وزارة الشباب والطفولة لا يتعلق الأمر بفتح طريق للمهاجرين نحو شبه الجزيرة بل بنقل أطفال خاضعين لحماية الدولة من فضاءات وصلت إلى حدود قدرتها الاستيعابية إلى مرافق تستطيع توفير شروط أفضل للرعاية.

سياسيا، نقل 500 قاصر إلى البر الرئيسي يناقض الصورة التي حاولت مدريد تثبيتها بعد الأزمة، ومفادها أن سبتة لن تكون جسرا نحو شبه الجزيرة.

أما قانونيا، فتستطيع الحكومة الاستناد إلى قواعد حماية الطفولة لتقول إن وضع القاصر لا يمكن اختزاله في طريقة دخوله الأراضي الإسبانية.

المصلحة الفضلى للطفل” تغير قواعد الأزمة

في 8 غشت، حددت سيرا ريغو المبدأ الذي ستتعامل به وزارتها مع القاصرين، فالأولوية بحسبها، هي لم الشمل العائلي كلما كان ذلك ممكنا ومتوافقا مع المصلحة الفضلى للطفل.

واللافت أن لم الشمل الذي تحدثت عنه الوزيرة لا يعني بالضرورة البقاء في إسبانيا، فقد أوضحت الحكومة رسميا أن الأسرة قد تكون موجودة في بلد الأصل أو في إقليم إسباني آخر أو في دولة أوروبية، وأن مكان الأسرة ووضع الطفل هما اللذان يحددان المسار.

أما الأطفال الذين لا تتوفر لهم أسر يمكن إسنادهم إليها، فتتحمل السلطات المختصة مسؤولية الوصاية عليهم وضمان حقوقهم، وهذه القاعدة تجعل عرض المغرب لاستعادة القاصرين عنصرا مهما، لكنه لا يحسم الملفات بصورة جماعية.

فوجود استعداد رسمي من بلد الأصل لاستقبال مواطنيه يزيل عقبة سياسية كانت تعقد عمليات العودة، لكنه لا يلغي المسطرة التي تفرض على السلطات الإسبانية التحقق من هوية الطفل ووضع أسرته وشروط استقباله، ومدى توافق إعادته مع مصلحته الفضلى.

25 مليون يورو و”استقبال تضامني

مع اتساع الأزمة، انتقلت الحكومة الإسبانية من تدبير الطوارئ داخل سبتة إلى توزيع العبء على بقية البلاد، ففي 10 غشت، أعلنت سيرا ريغو عن عقد اجتماع عاجل مع الأقاليم ذاتية الحكم، وعن اعتماد استثنائي بقيمة 25 مليون يورو لفائدة سبتة، إضافة إلى إرسال فريق تقني من الوزارة للمساعدة على تسريع إجراءات ما تسميه مدريد “الاستقبال التضامني” للقاصرين غير المصحوبين.

وقد أعلنت عدة أقاليم رفضها استقبال القاصرين القادمين من موجة سبتة، فيما اتهمتها الحكومة المركزية بنقص التضامن، ووصل الخلاف إلى النيابة العامة.

ففي 7 غشت، أصدرت المدعية العامة للدولة تيريزا بيراماتو توجيهات لضمان حماية القاصرين الموجودين في سبتة، وأمرت المدعين المختصين بشؤون القاصرين بالتحرك إذا رفضت الأقاليم تنفيذ ترتيبات توزيعهم واستقبالهم.

ولم تعد أزمة القاصرين بهذا المعنى مواجهة بين الرباط ومدريد فقط، بل أصبحت أيضا مواجهة داخل إسبانيا حول الجهة التي ستتحمل مسؤولية الأطفال وكلفة استقبالهم.

بروكسيل تدفع نحو العودة

وسط هذا التعقيد الداخلي، دخل الاتحاد الأوروبي على الخط بموقف زاد من حدة التناقض، ففي 18 غشت، قالت المفوضية الأوروبية إن الأولوية تتمثل في أن تعمل السلطات الإسبانية والمغربية على إبقاء الوضع تحت السيطرة وضمان العودة السريعة للأشخاص، الذين ما زالوا موجودين بصورة غير قانونية في سبتة.

المتحدث باسم المفوضية ماركوس لامرت وضع عمليات العودة ضمن الإطار القانوني الأوروبي، وأشار إلى “توجيه العودة” وإلى النظام الأوروبي الجديد الذي سيؤطر عمليات الإعادة مستقبلا، لكن وبعد يوم واحد، كانت وزارة الشباب والطفولة الإسبانية تدفع نحو خطة لنقل 500 قاصرة في الاتجاه المعاكس إلى شبه الجزيرة.

حكومة واحدة بخطابين

هذا الوضع أظهر انقساما في الأولويات داخل الجهاز التنفيذي الإسباني نفسه، فوزارة الخارجية تتعامل مع الأزمة باعتبارها ملف حدود وهجرة وعلاقة مع المغرب وأمن فضاء شنغن، وعلى هذا الأساس جاءت تصريحات وزير الخارجية ألباريس بأن جميع من دخلوا بصورة غير نظامية سيعودون، وأن أحدا لم ينتقل إلى شبه الجزيرة.

أما وزارة الشباب والطفولة فتتعامل مع جزء من الأشخاص أنفسهم باعتبارهم أطفالا تحت الحماية القانونية للدولة، لا مجرد مهاجرين في وضعية غير نظامية.

حكومة سبتة من جانبها، التقطت هذا التحول مبكرا، ولذلك رفضت إعطاء الانطباع بأنها وافقت على خطة نقل 500 فتاة، كما أن إدارة خوان خيسوس فيفاس تتمسك بأن الأولوية هي عودة من دخلوا خلال موجة نهاية يوليوز إلى المغرب، بمن فيهم القاصرون متى سمحت المساطر بذلك.

يذكر، أن هذا الموقف يجد دعما في المعارضة اليمينية، فالحزب الشعبي يطالب مدريد بتفعيل الاتفاقات مع الرباط وتسريع عمليات العودة، ويستند إلى استعداد المغرب لاستقبال قاصريه ليجادل بأن لم الشمل العائلي داخل بلد الأصل يمكن أن يكون، في الحالات التي تسمح بذلك، أكثر اتساقا مع المصلحة الفضلى للطفل من نقله إلى مركز آخر داخل إسبانيا.


اقرأ أيضا

شارك برأيك

التعليقات 0

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!