على بعد كيلومترات قليلة من إفران، اختار حزب الأصالة والمعاصرة مدينة أزرو ليضع واحدا من أكثر ملفات حملته الانتخابية حساسية في واجهة النقاش وهي الفوارق المجالية، حول من يستفيد من الاستثمار والتنمية ومن ينتظر وصولهما ومن قلب الأطلس المتوسط، رفعت قيادات “البام” سقف خطابها الانتخابي،واضعة القدرة الشرائية والتعليم والصحة والشغل والشباب والعدالة المجالية في صلب معركة 23 شتنبر.
وخلال التجمع الانتخابي الذي احتضنته أزرو، اليوم الجمعة بحضور فاطمة السعدي، عضو القيادة الجماعية للحزب، وعدد من أعضاء المكتب السياسي والوزراء والمنتخبين والمسؤولين الحزبيين، تقاطعت مداخلات قيادات الأصالة والمعاصرة عند رسالة واحدة، لا يمكن الحديث عن مغرب صاعد بينما تختلف فرص المواطن باختلاف المكان الذي ولد أو يعيش فيه، ولا يمكن خوض الانتخابات بالوعود نفسها وانتظار نتائج مختلفة.
وحولت قيادات الحزب التقارب الجغرافي بين أزرو وإفران إلى صورة مباشرة للفوارق المجالية التي يقول “البام” إنه يريد مواجهتها، فيما استُحضر برنامج “من أجل تغيير المسار.. كْلمة وحْدة” باعتباره جواب الحزب عن ملفات المعيشة والتشغيل والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة وتأهيل الشباب.
وبين دفاع فاطمة السعدي عن حصيلة وزراء الحزب مع الإقرار بأن “البام” لم يكن يقود الحكومة، ودعوة فوزي لقجع إلى الانتقال من “سرعة الوعود” إلى “سرعة الـTGV” وتركيز يونس السكوري على كلفة إدماج الشباب واستمرارهم في التكوين، ووضع هشام عيروض الفارق بين أزرو وإفران تحت مجهر العدالة المجالية، حمل لقاء أزرو رسائل انتخابية مباشرة مع اشتداد التنافس على أصوات 23 شتنبر.
السعدي: لم نكن نقود الحكومة.. وما لم نستطع تنزيله حملناه إلى برنامجنا
اختارت فاطمة السعدي عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، أن تنطلق من تجربة الحزب خلال الولاية الحكومية، مدافعة عن أداء وزرائه ومؤكدة أنهم حاولوا من داخل القطاعات التي تولوا مسؤوليتها توجيه قراراتهم نحو خدمة المواطن والاستجابة المباشرة لانتظاراته.
وقالت السعدي إن وزراء “البام” “اشتغلوا وانتصروا للمواطن في جميع قراراتهم طيلة الفترة الحكومية” مؤكدة أنه عند استعراض عمل وزراء الحزب كل في القطاع الذي أشرف عليه، يتضح أن خدمة المواطن ظلت حاضرة في توجهاتهم واختياراتهم.
لكن عضو القيادة الجماعية ربطت حدود ما تمكن الحزب من تنفيذه بموقعه داخل التحالف الحكومي، مشددة على أن الأصالة والمعاصرة لم يكن الحزب الذي يقود الحكومة، وبالتالي كانت هناك اختيارات لم يتمكن من تنزيلها.
وقالت في هذا السياق إن “البام” وإن لم يرأس الحكومة وكانت هناك أمور لم يستطع تنزيلها، حاول داخل القطاعات التي كان يدبرها أن يوجه أهدافه بالشكل الذي يخدم المواطن ويلمسه بصورة مباشرة.
ولم تقدم السعدي حصيلة المشاركة الحكومية باعتبارها جوابا نهائيا عن مختلف الإشكالات، بل أقرت باستمرار عدد من الأسئلة المطروحة أمام الحزب، مؤكدة أن “البام” حاول الإجابة عنها في برنامجه الانتخابي للاستحقاقات الحالية.
وفي مقدمة تلك الأسئلة، وضعت السعدي تقوية الاقتصاد وربط الاستثمار بخلق فرص الشغل والثروة، ثم ضمان وصول التنمية إلى مختلف المجالات، وليس فقط إلى المراكز الأكثر جذبا للاستثمار.
وأوضحت أن البرنامج يحاول تقديم أجوبة عن كيفية توجيه الاستثمار لخلق فرص العمل والثروة، وكيف يمكن إيصال التنمية إلى المجالات الجبلية والقروية والمناطق التي تسجل مؤشرات مرتفعة للهشاشة.
ومن أزرو، وجدت السعدي في المجال نفسه نموذجا لما تعتبره اختلالا يستوجب التصحيح، مستحضرة الفارق بين المدينة وإفران المجاورة.
وقالت إن المقارنة بين إفران، التي لا تبعد سوى ببضعة كيلومترات، وأزرو تجعل الفوارق محسوسة بشكل مباشر، معتبرة أنه “غير مقبول” استمرار هذه التفاوتات أو أن يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وشددت على أنه لا ينبغي أن تختلف فرص المغربي باختلاف المنطقة التي يعيش فيها، وأن المواطن في أزرو أو المناطق الجبلية والقروية ينبغي أن تصل إليه الفرص نفسها التي تصل إلى سكان المدن والمراكز الأخرى.
ووضعت السعدي “إعادة التوازنات” في قلب رهان الحزب، قائلة إن الهدف هو أن تصل التنمية إلى المواطن المغربي وأن يستفيد منها ويلمس أثرها، وليس أن تبقى مجرد مؤشرات أو مشاريع بعيدة عن حياته اليومية.
وربطت هذا التوجه بالاختيارات الاجتماعية الواردة في البرنامج الانتخابي، وفي مقدمتها القدرة الشرائية وتكوين وتأهيل الشباب والنساء، مشددة على أن “البام” ظل منذ نشأته ينتصر لهاتين الفئتين.
لقجع: نريد مغربا بسرعة الـTGV لا بسرعة وعود تتجدد كل خمس سنوات
من جانبه حمل فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المنتدب المكلف بالميزانية، خطابا انتخابيا مباشرا إلى الحاضرين، جامعا بين الدعوة إلى المشاركة في اقتراع 23 شتنبر والدفاع عن الالتزامات التي يتضمنها برنامج الحزب في ملفات التعليم والصحة والقدرة الشرائية والتقاعد والشباب.
واستهل لقجع كلمته بالتأكيد على وحدة المغاربة، قائلا إن المغرب من طنجة إلى الكويرة يجمع أبناءه داخل أسرة واحدة، وإن ما يوحدهم هو “النية والعمل والإخلاص للوطن وللملك محمد السادس”
ودعا المواطنين إلى المشاركة بقوة في انتخابات 23 شتنبر وممارسة حقهم الدستوري، مؤكدا أن لكل مواطن ومواطنة حرية الاختيار بين البرامج المعروضة عليهم.
وفي المقابل، دعاهم إلى قراءة برنامج حزب الأصالة والمعاصرة والاستماع إلى مرشحيه قبل اتخاذ القرار، معتبرا أن الحزب وضع أمام المغاربة برنامجا واضحا مبنيا على أرقام والتزامات لمعالجة قضايا تمس حياتهم اليومية.
ووضع لقجع المدرسة والصحة والمعيشة والشغل في مقدمة هذه القضايا، رافعا سقف طموح الحزب بشأن قطاعي التعليم والصحة إلى بلوغ مراتب عالمية متقدمة، ومتحدثا عن طموح الوصول إلى المرتبة السادسة عالميا.
وفي ملف القدرة الشرائية، أكد أن كلفة المعيشة أصبحت من القضايا التي تستوجب تدخلا، مشيرا إلى أن البرنامج الانتخابي يقترح استعمال الآليات القانونية والاختيارات المتاحة حتى تستعيد معيشة المغاربة توازنها.
كما توقف عند وضعية المتقاعدين، مؤكدا أن الحزب يقترح رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم شهريا، حتى يتمكن المتقاعد من العيش بكرامة داخل بلده.
وحضر الشباب بدوره في كلمة لقجع، إذ دافع عن تصور يقوم على عدم انتظار وصول الشاب إلى سوق الشغل قبل مواكبته، وإنما تتبعه منذ سنوات الدراسة والتكوين إلى حين اندماجه المهني أو تأسيس مقاولته.
وأكد أن الغاية هي توفير الظروف التي تجعل المغرب الخيار الأول للشاب المغربي لبناء مستقبله، معتبرا أن الشباب أثبت قدرته على النجاح والإبداع في مختلف المجالات، وأن المطلوب هو توفير البيئة التي تسمح له بإظهار قدراته داخل بلده.
وفي قطاع الصحة، قال لقجع إن “البام” يريد مستشفى يحفظ كرامة المواطن والمواطنة، رابطا هذا الهدف بانخراط الحزب في المشروع الملكي لبناء مغرب لا يعيش فيه المواطنون بسرعتين مختلفتين.
ورفع لقجع واحدة من أبرز رسائل خطابه في أزرو، قائلا إن الحزب يريد مغربا يسير “بسرعة الـTGV، ماشي بسرعة الوعود” في إشارة إلى الوعود التي تستمر لخمس سنوات ثم تعود مجددا عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وشدد على أن الأصالة والمعاصرة يريد تغيير هذا المنطق بالعمل والإخلاص والاجتهاد في خدمة المواطنين والوطن، وأن يتحول برنامجه الانتخابي إلى عقد مع المغاربة يمكن محاسبة الحزب على أساسه.
ودعا لقجع الحاضرين إلى قراءة البرنامج وفهم التزاماته والاستماع إلى مرشحي الحزب قبل التصويت، مطالبا إياهم في الوقت نفسه بما وصفه بـ”الخيار الصحيح” يوم 23 شتنبر.
واختتم كلمته برسالة انتخابية استعارها من رمز الحزب، قائلا وسط الحاضرين: “التراكتور ركبوا فيه بزاف، ومازال فيه البلايص، واللي بغا يركب مرحبا به”
السكوري: تكوين الشباب لا يكفي إذا كانت كلفة الطريق والأكل تدفعهم إلى الانقطاع
أما يونس السكوري، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ووزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، فاختار التركيز على الحلقة التي قد تسقط من سياسات إدماج الشباب الظروف الاجتماعية والمادية التي تسمح لهم بالاستمرار في مسارات التعليم والتكوين إلى حين الوصول إلى سوق الشغل.
ووضع السكوري محاربة الهدر المدرسي ودعم الشباب خلال مسارات التكوين وتقوية الطبقة المتوسطة، إلى جانب مواكبة المقاولات وتحسين أوضاع عدد من الفئات الاجتماعية، ضمن الأولويات التي يحملها الحزب للمرحلة المقبلة.
وأكد أن مواكبة الشباب لا ينبغي أن تعني فقط توفير فرصة للتكوين، بل يجب أن تمتد إلى توفير الشروط التي تسمح للشاب بالاستفادة الفعلية منها وعدم الانقطاع عنها.
وأوضح أن تكاليف التنقل والأكل وغيرها من المصاريف يمكن أن تتحول إلى عائق أمام الشباب، وهو ما يستدعي، وفق التصور الذي قدمه، توفير منح ومواكبة اجتماعية تساعدهم على إتمام تكوينهم.
وبهذا المعنى، ربط السكوري نجاح سياسات التكوين بما يحدث خارج قاعات ومراكز التكوين أيضا، أي بقدرة الشاب على تحمل تكاليف الوصول إليها والاستمرار فيها إلى أن يصبح مؤهلا للاندماج في سوق الشغل.
وربط عضو المكتب السياسي مختلف هذه الالتزامات بشعار “تغيير المسار” معتبرا أن الانتقال من الشعار إلى تغيير فعلي يمر عبر الاستثمار في الشباب، وتقوية الطبقة المتوسطة، ومعالجة الأسباب التي تعيق الاندماج في التعليم والتكوين والعمل.
وأكد أن تنزيل هذه الرؤية يظل مرتبطا بالكفاءة والعمل الجاد والقرب من انتظارات المواطنين، باعتبارها شروطا لترجمة الالتزامات إلى نتائج ملموسة.
عيروض: لماذا تصل الاستثمارات إلى إفران وتتوقف قبل أزرو؟
وحول هشام عيروض، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، التقارب الجغرافي بين أزرو وإفران إلى عنوان مباشر للفوارق المجالية، متسائلا عن أسباب اختلاف نصيب مدينتين داخل الإقليم نفسه من الاستثمار والتنمية.
وانطلق عيروض من معادلة “الكرامة والأمان” معتبرا أنه من دون اجتماعهما لا يمكن تحقيق العيش الكريم للمغاربة.
وربط الكرامة بتعليم في المستوى ومرافق صحية في المستوى، وبمنح الشباب المغربي الظروف والحظوظ نفسها أينما وجد في مختلف ربوع المملكة.
وقال إن “البام” يؤمن بـ”مغرب الاستحقاق” وإنه لا يمكن أن تستمر الفوارق المجالية على النحو نفسه، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن تجربته بين إفران وأزرو.
وأوضح أنه كان، قبل يوم من لقاء أزرو في مدينة إفران ووجدها مدينة جميلة، لكنه عبر عن صدمته عند المقارنة بينها وبين أزرو، متسائلا عن أسباب توجيه الاستثمارات إلى إفران وعدم وصولها بالمستوى نفسه إلى أزرو رغم وجود المركزين الحضريين داخل الإقليم ذاته.
وقال عيروض إن إفران تظل “مدينة عزيزة على جميع المغاربة” مستعيدا عبارة “ما أحلى إفران وما أحلى جمالها” لكنه شدد في المقابل على أن أزرو بدورها مدينة جميلة وتستحق فرصها في الاستثمار والتنمية.
واعتبر أن المسألة تتجاوز المفاضلة بين مدينتين إلى سؤال يتعلق بكيفية ترتيب الأولويات وتوجيه الاستثمار، مؤكدا أن ذلك يحتاج إلى مسؤولين يمارسون سياسة وطنية تجاه المغاربة جميعا.
وشدد على أن المسؤول السياسي أو الحكومي، بمجرد وصوله إلى مركز القرار، يصبح مطالبا بخدمة المواطنين بغض النظر عن ألوانهم السياسية، لأن تدبير الشأن العام، وفق طرحه، لا ينبغي أن يخضع لمنطق الانتماء الحزبي.
وفي ختام مداخلته، رفع عيروض نبرة خطابه السياسي، مقدما حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره “الحل والبديل” في مواجهة مشهد سياسي قال إنه “يقترب من الانحطاط”
واعتبر أن دخول الحزب إلى الساحة السياسية سنة 2008 كان بهدف زعزعة أنماط تقليدية في الممارسة السياسية، مؤكدا أنه مستمر في “زعزعة عروش الفاعلين السياسيين التقليديين الذين يتشبثون بالكراسي ويتناسون مهامهم الأصلية وخدمة المواطن المغربي أينما كان”











