لأول مرة في تاريخ المغرب، انتقلت المرأة المغربية من الحضور داخل السلطة التنفيذية إلى قيادتها، وذلك بتعيين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها، أمس الثلاثاء، لتدخل بذلك المملكة محطة سياسية غير مسبوقة، توّجت مسارا امتد لأكثر من ستة عقود من صعود المغربيات في مواقع القرار، من القضاء والدبلوماسية والبرلمان، إلى الوزارة ورئاسة المؤسسات الدستورية والإدارة الترابية، وصولا اليوم إلى أعلى مسؤولية حكومية.
ولا تختزل سابقة المنصوري في إضافة اسم نسائي إلى سجل رؤساء الحكومات، بقدر ما تؤشر على انتقال نوعي في موقع المرأة داخل هرم القرار السياسي، فمن أول قاضية سنة 1961 وأول سفيرة سنة 1965، إلى أول نائبتين برلمانيتين سنة 1993، ثم أول أربع نساء داخل الحكومة سنة 1997، احتاج المسار عقودا قبل أن تصل امرأة، للمرة الأولى، إلى رئاسة الحكومة وتُكلّف بقيادة عملية تشكيلها.
وأصبحت فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رسميا أول امرأة تُعيّن رئيسة للحكومة في تاريخ المغرب، بعدما استقبلها الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط وعينها، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
وتحمل المحطة دلالة إضافية بالنظر إلى المسار الشخصي للمنصوري نفسها، التي وصلت إلى رئاسة الحكومة بعد تجربة جمعت بين التدبير المحلي والعمل البرلماني والمسؤولية الحكومية والقيادة الحزبية، وكانت قد صنعت سنة 2009 إحدى محطاتها السياسية البارزة بانتخابها على رأس المجلس الجماعي لمراكش، قبل أن تعود إلى رئاسة المدينة عقب انتخابات 2021، وتتولى بالتوازي مسؤولية وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ثم تنسيق القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة منذ 2024.
من 1997 إلى 2026.. ثلاثة عقود غيرت موقع النساء داخل الحكومة
تكشف العودة إلى تاريخ الحكومات المغربية حجم المسافة التي قطعتها المشاركة النسائية قبل الوصول إلى محطة 2026.
ففي 13 غشت 1997، دخلت النساء الحكومة المغربية للمرة الأولى، عندما عيّن الملك الراحل الحسن الثاني أربع نساء كاتبات للدولة ضمن حكومة عبد اللطيف الفيلالي وهن عزيزة بناني، كاتبة للدولة مكلفة بالثقافة، ونوال المتوكل، كاتبة للدولة مكلفة بالشباب والرياضة؛ وأمينة بنخضرة، كاتبة للدولة مكلفة بتنمية القطاع المعدني؛ وزليخة نصري، كاتبة للدولة مكلفة بالتعاون الوطني. ووثقت الصحافة الدولية حينها الحدث باعتباره أول دخول للنساء إلى الحكومة المغربية.
ومن تلك البداية، انتقل الحضور النسائي تدريجيا من كتابات الدولة إلى حقائب وزارية وقطاعات ذات وزن اقتصادي واجتماعي وسياسي، ثم اتسعت دائرة المسؤولية لتشمل قطاعات كانت لفترات طويلة حكرا على الرجال.
وشكلت حكومة عباس الفاسي التي تشكلت سنة 2007، محطة بارزة في هذا المسار، مع تولي نساء حقائب وزارية كاملة، من بينها الصحة والطاقة والمعادن والماء والبيئة والشباب والرياضة والثقافة، إلى جانب مسؤوليات حكومية أخرى.
وتواصل المسار وصولا إلى الحكومة التي ترأسها عزيز أخنوش، حيث تولت نساء حقائب مركزية من بينها الاقتصاد والمالية، والانتقال الطاقي والتنمية المستدامة وإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والسياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، والتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة.
لكن الفارق بين جميع تلك المحطات ومحطة 29 شتنبر 2026 أن الحضور النسائي لم يعد هذه المرة داخل الحكومة فقط؛ بل انتقل إلى رئاستها.
قبل الحكومة.. المرأة دخلت البرلمان من مقعدين
وكانت المؤسسة التشريعية قد شهدت بدورها تحولا مبكرا في بداية التسعينيات، ففي انتخابات 1993 دخلت بديعة الصقلي ولطيفة بناني سميرس مجلس النواب، لتصبحا أول امرأتين تصلان إلى المؤسسة التشريعية عبر الانتخابات المباشرة، وهي محطة يوثقها مجلس النواب نفسه في سجله الخاص بتاريخ التمثيلية النسائية.
ومن مقعدين فقط، توسعت التمثيلية النسائية خلال العقود اللاحقة، خصوصا بعد اعتماد آليات قانونية وانتخابية لتعزيز حضور النساء داخل المؤسسة التشريعية.
وهكذا، سبقت المرأة المغربية إلى البرلمان قبل أن يصبح حضورها في الحكومات منتظما، ثم انتقلت من موقع التمثيل النيابي إلى رئاسة جماعات ترابية كبرى وتولي حقائب وزارية ومناصب عليا، قبل أن تصل في 2026 إلى رئاسة الحكومة.
من الولاية إلى المجلس الأعلى للحسابات
ولم يقتصر صعود النساء إلى مواقع القرار على المجالين الحكومي والبرلماني، ففي يناير 2014 عيّن الملك محمد السادس زينب العدوي والية على جهة الغرب الشراردة بني حسن وعاملة على إقليم القنيطرة، لتصبح أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى منصب والٍ.
وبعد سبع سنوات، سجلت العدوي سابقة أخرى، حين عيّنها الملك في مارس 2021 رئيسة للمجلس الأعلى للحسابات، المؤسسة الدستورية التي تضطلع بمهمة المراقبة العليا للمالية العمومية ومهام مرتبطة بالحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويعطي مسار العدوي بدوره صورة عن التحول الذي طرأ على مواقع المسؤولية المفتوحة أمام النساء؛ من القضاء المالي إلى الإدارة الترابية ثم رئاسة إحدى المؤسسات الدستورية الكبرى في المملكة.
نساء على رأس مؤسسات دستورية
وتعزز هذا الحضور خلال السنوات الأخيرة بوصول نساء إلى رئاسة مؤسسات وطنية ذات أدوار دستورية ورقابية واستشارية.
فمنذ دجنبر 2018، تتولى لطيفة أخرباش رئاسة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، بعد مسار جمع بين التدريس الجامعي والإعلام والدبلوماسية والعمل الحكومي. ويؤكد الموقع الرسمي للهيئة أن تعيينها تم من طرف الملك محمد السادس في 3 دجنبر 2018.
وفي السنة نفسها، عُينت أمينة بوعياش رئيسة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، قبل أن يجدد الملك محمد السادس تعيينها في 28 مارس 2025 على رأس المؤسسة الدستورية نفسها.
وفي اليوم ذاته، 28 مارس 2025، عيّن الملك رحمة بورقية رئيسة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، لتنضم إلى دائرة النساء اللواتي يتولين رئاسة مؤسسات وطنية مركزية.
هذه المحطات تجعل تعيين المنصوري في 2026 جزءا من مسار أوسع اتسعت خلاله دائرة المسؤوليات العليا التي تتولاها النساء، لكن مع فارق دستوري وسياسي أساسي هذه المرة: الموقع الجديد هو رئاسة الحكومة نفسها.
حضور نسائي سبق السياسة إلى الدبلوماسية
وفي الدبلوماسية، يعود أحد أقدم الاختراقات النسائية لمواقع القرار إلى ستينيات القرن الماضي.
فقد عُينت الأميرة لالة عائشة سنة 1965 سفيرة للمغرب لدى المملكة المتحدة، لتكون أول امرأة مغربية تتولى منصب سفيرة. وتوثق وزارة الشؤون الخارجية المغربية توليها سفارة المملكة في لندن بين 1965 و1969، قبل أن تمثل المغرب في اليونان ثم إيطاليا.
وبعدها بعام واحد، صنعت الدبلوماسية المغربية حليمة الورزازي محطة أخرى على المستوى متعدد الأطراف، بانتخابها سنة 1966 رئيسة للجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة، المكلفة بالقضايا الاجتماعية والإنسانية والثقافية، وهي واقعة موثقة في أرشيف الأمم المتحدة.
القضاء.. حضور يعود إلى بداية الستينيات
أما في القضاء، فيعود حضور المرأة المغربية إلى السنوات الأولى بعد الاستقلال وتشير وثائق أممية تستند إلى المعطيات الرسمية المغربية إلى تعيين أول قاضية مغربية سنة 1961، قبل أن يتوسع حضور النساء تدريجيا داخل مختلف درجات القضاء ومواقع المسؤولية القضائية.
وفي القضاء المالي، شكل مسار زينب العدوي بدوره علامة بارزة؛ إذ كانت من أوائل النساء اللواتي اقتحمن هذا المجال، قبل أن تتدرج في المسؤوليات وصولا إلى رئاسة المجلس الأعلى للحسابات.
وهكذا لم يكن صعود النساء في مواقع القرار محصورا في قناة واحدة، بل جرى بالتوازي عبر القضاء والدبلوماسية والبرلمان والحكومة والإدارة الترابية والمؤسسات الدستورية.
من المشاركة إلى قيادة السلطة التنفيذية
وتمنح هذه المحطات تعيين 29 شتنبر بعده التاريخي الكامل. ففي سنة 1961 كان الحدث تعيين امرأة في القضاء، وفي 1965 وصول أول مغربية إلى منصب سفيرة، وفي 1993 دخول أول امرأتين إلى مجلس النواب، وفي 1997 دخول أول أربع نساء إلى الحكومة، ثم توالت خلال عهد الملك محمد السادس محطات وصول النساء إلى رئاسة مجالس جماعية ومؤسسات دستورية وإلى منصب والٍ وحقائب وزارية ذات وزن سياسي واقتصادي.
أما في 2026، فقد انتقل السقف إلى مستوى جديد، للمرة الأولى منذ تشكيل أول حكومة مغربية بعد الاستقلال، أصبحت امرأة رئيسة للحكومة ومكلفة بتشكيل أغلبيتها وفريقها الحكومي.
ولا تقف رمزية تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، لذلك، عند كونها “أول امرأة” تصل إلى المنصب، بل في كون المنصب نفسه يمثل مركز قيادة العمل الحكومي إذ يجعل الدستور رئيس الحكومة مسؤولا عن ممارسة السلطة التنفيذية، والعمل على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين والإشراف على الإدارة، إلى جانب ترؤس مجلس الحكومة.











