لم يكن الحديث عن الهجرة في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة مجرد عودة إلى ملف اعتاد أن يتصدر النقاش كلما شهدت الحدود أزمة. فحين يُعلن الملك أن نموذج التعاون القائم أصبح متجاوزاً، وحين تُربط الشراكة باحترام الالتزامات المتبادلة ورفض الضغط والتهديد والابتزاز، فإن المسألة تتجاوز تدبير تدفقات المهاجرين لتلامس سؤالاً أعمق: ما طبيعة العلاقة التي يريد المغرب بناءها مع شركائه الأوروبيين، وما حدود المسؤوليات التي يقبل بتحملها في ملف تتداخل فيه مصالح الدول وحقوق الأفراد؟
بهذا المعنى، يمكن قراءة الخطاب الملكي باعتباره دعوة إلى مراجعة منطق الشراكة، لا إلى التخلي عنها. فالمغرب لا ينفي أهمية التعاون مع إسبانيا، ولا يتجاهل ما تحقق في العلاقات الثنائية، لكنه يطرح ضمناً سؤال التوازن: هل ينبغي أن تظل قيمة الشراكة مرتبطة أساساً بما ينجزه المغرب في الحد من الهجرة غير النظامية، أم أن الوقت قد حان لتقييمها أيضاً بما يحققه التعاون من مصالح متبادلة، وتنمية مشتركة، واحترام للالتزامات؟
يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في لحظة سياسية جديدة، مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة. فالتحدي الذي يلوح في الأفق لا يتعلق بملف الهجرة وحده، بل بكيفية تموقع الحكومة المقبلة داخل علاقة استراتيجية تحتاج إلى أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية تتجاوز الاستجابة للأزمات.
من الشريك الموثوق إلى الشريك الذي يشارك في تحديد القواعد
لعل إحدى أهم دلالات الخطاب هي الانتقال من التأكيد على مسؤولية المغرب في تنفيذ التزاماته إلى التشديد على ضرورة أن يقابل ذلك تعامل مماثل من الشركاء. وهذه ليست مسألة لغوية فقط؛ إنها تمس جوهر العلاقة بين الطرفين.
فالشريك الموثوق ليس بالضرورة شريكاً يقبل تحمل الجزء الأكبر من الأعباء، بل شريك يشارك في تحديد الأولويات، وتقييم النتائج، وصياغة قواعد التعاون. وحين يصبح ضبط الحدود المعيار الأكثر حضوراً في تقييم العلاقة، تتراجع بقية الأبعاد، من فرص التنقل القانوني إلى التنمية والتبادل الاقتصادي وتقاسم المسؤولية.
لقد راكم المغرب موقعاً مهماً في التعاون المتوسطي بشأن الهجرة، لكن هذا الموقع يطرح اليوم سؤالاً حول كيفية تحويل الثقة التي اكتسبها إلى قدرة أكبر على التأثير في طبيعة الشراكة نفسها. فالمطلوب ليس فقط أن يُنظر إلى المغرب بوصفه طرفاً قادراً على تنفيذ التزاماته، بل أن تؤخذ مصالحه وأولوياته بعين الاعتبار عند تحديد السياسات التي تمس علاقته بأوروبا.
ومن هنا، فإن وصف النموذج الحالي بأنه متجاوز يمكن فهمه بوصفه إشارة إلى حدود مقاربة لم تعد كافية لمواجهة تعقيدات الهجرة. فالأزمات المتكررة لا تكشف بالضرورة فشل التعاون في جميع جوانبه، لكنها تكشف أن التعاون الأمني وحده لا يستطيع أن يحمل كل أعباء العلاقة.
إسبانيا: الجوار الجغرافي لا يلغي الحاجة إلى التوازن السياسي
تحتل إسبانيا موقعاً خاصاً في هذه المعادلة. فهي ليست مجرد دولة أوروبية تتعاون مع المغرب في ضبط الهجرة، بل جار تربطه بالمملكة مصالح اقتصادية واجتماعية وأمنية، وروابط بشرية وثقافية، وتداخلات يومية تجعل استقرار العلاقة بينهما مسألة تتجاوز ملف الحدود.
لكن الجوار، مهما بلغت أهميته، لا يلغي وجود اختلافات في المصالح أو في القواعد القانونية والمؤسساتية. وتظهر هذه الاختلافات بوضوح في الملفات المرتبطة بالقاصرين المغاربة، وإجراءات العودة، وقضايا اللجوء، حيث تتقاطع مطالب التعاون الثنائي مع التشريعات الوطنية والقرارات القضائية والالتزامات القانونية ذات الصلة.
وقد أشار الخطاب الملكي إلى الصعوبات المرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية في معالجة هذه الملفات. ومن ثم، فإن الرهان ليس تحويل الخلاف إلى مواجهة سياسية مع إسبانيا، وإنما إيجاد صيغة تعاون قادرة على التعامل مع اختلاف الأطر القانونية، وعلى جعل الالتزامات المتبادلة أكثر وضوحاً وفعالية.
فالعلاقة الناضجة لا تعني غياب الخلاف، بل القدرة على إدارته من دون أن يتحول كل ملف حساس إلى أزمة ثنائية. كما أن الشراكة الاستراتيجية لا تُختبر فقط في لحظات التوافق، بل في قدرة الطرفين على التعامل مع القضايا التي تختلف فيها رؤيتهما، مع احترام سيادة كل دولة وقواعدها القانونية.
أوروبا والهجرة: من إدارة الحدود الخارجية إلى مسؤولية أوسع
لا يمكن قراءة الرسالة الموجهة إلى إسبانيا بمعزل عن السياق الأوروبي. فالهجرة أصبحت جزءاً من النقاش حول الأمن، واللجوء، وسوق العمل، والعلاقات مع الدول المجاورة، كما أصبحت السياسات الأوروبية مطالبة بالتوفيق بين مراقبة الحدود والالتزامات القانونية والإنسانية.
ويأتي تطبيق ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء منذ 12 يونيو 2026 ليعكس مرحلة جديدة في تنظيم هذه السياسات، بما تتضمنه من قواعد مشتركة للفحص واللجوء والعودة والتضامن بين الدول الأعضاء. غير أن هذه التحولات تطرح بدورها سؤال العلاقة مع الدول الشريكة خارج الاتحاد: هل سيؤدي تطوير السياسة الأوروبية إلى تعاون أوسع ومتوازن، أم سيظل التركيز الأكبر على إبعاد الضغوط عن الحدود الأوروبية؟
لا يتعلق الأمر بوضع المغرب في مواجهة أوروبا، بل بفهم المصالح المتبادلة على نحو واقعي. فأوروبا تحتاج إلى تعاون مع دول الجوار، والمغرب معني بتدبير الهجرة وحماية حدوده ومصالحه، لكنه معني أيضاً بالتنمية وبالفرص القانونية للتنقل وبحماية مواطنيه في الخارج. ومن ثم، فإن مستقبل الشراكة لا ينبغي أن يقوم على نقل المسؤولية من ضفة إلى أخرى، بل على الاعتراف بأن الهجرة ظاهرة عابرة للحدود، وأن نتائجها لا يمكن تدبيرها بصورة مستدامة من خلال الإجراءات الأمنية وحدها. كما أن تقاسم المسؤولية لا يعني إعفاء أي طرف من التزاماته، وإنما تحديد ما يقع على عاتق كل طرف بوضوح.
المنصوري في واجهة مرحلة جديدة
في هذا السياق، يكتسب تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة أهمية سياسية تتجاوز شخص رئيس الحكومة. فالحكومة الجديدة ستعمل في سياق يطرح أسئلة متداخلة حول التنمية، والتشغيل، والعلاقات الخارجية، وموقع المغرب في محيطه الأوروبي والمتوسطي. ولا يعني ذلك أن ملف الهجرة سيصبح بالضرورة محور عمل الحكومة، أو أن نجاح الشراكة يتوقف على شخص واحد. لكن المرحلة تضع الحكومة المقبلة أمام مسؤولية التعامل مع ملف لا يمكن حصره في قطاع وزاري واحد، ولا يمكن فصله عن السياسة الخارجية وعن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية.
وإذا كانت المنصوري ستواجه تحديات داخلية تتعلق بتوقعات المواطنين وانتظارات التنمية، فإن العلاقة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي تمثل أحد المجالات التي تلتقي فيها السياسة الداخلية بالدبلوماسية. فالسياسات المتعلقة بالتشغيل والتكوين والتنمية المجالية تؤثر في خيارات الشباب، بينما تؤثر الاتفاقيات الثنائية في فرص التنقل والعمل والحماية بالنسبة إلى المغاربة.
هنا يكمن المعنى الأعمق لوجود رئيسة حكومة في واجهة هذه المرحلة: ليس في افتراض أن قيادة امرأة ستغير تلقائياً طبيعة السياسة، بل في مساءلة قدرة الحكومة الجديدة على تحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى موقع تفاوضي واضح، وعلى الربط بين ما تطلبه المملكة من شركائها وما تحتاج إليه داخلياً من تنمية وفرص وثقة في المستقبل.
ولا يمكن الحكم على هذا المسار قبل الإعلان عن التوجهات الحكومية وتحديد أولوياتها. لكن من المشروع القول إن الخطاب الملكي وضع إطاراً سياسياً ستُقرأ في ضوئه طريقة تعامل الحكومة المقبلة مع الشراكة الخارجية: هل ستظل الملفات الحساسة رهينة ردود الفعل عند وقوع الأزمات، أم ستصبح جزءاً من تصور أوسع للعلاقات المغربية الأوروبية؟
ما الذي يجعل الشراكة الجديدة مختلفة؟
الفرق بين نموذج قديم وشراكة متجددة لا يكمن في تغيير المفردات وحدها، ولا في توقيع اتفاق جديد يحمل عنواناً مختلفاً. إنه يكمن في تغيير طريقة فهم العلاقة. فإذا كانت الهجرة تُستخدم معياراً وحيداً لقياس نجاح التعاون، فإن كل ارتفاع في محاولات العبور قد يتحول إلى مصدر توتر، مهما كانت النتائج المحققة في المجالات الأخرى. أما إذا وُضعت الهجرة ضمن إطار أوسع للعلاقات الثنائية، فإن تقييم الشراكة يصبح أكثر شمولاً، ويشمل التعاون الاقتصادي، والتنقل القانوني، وحماية القاصرين، ومكافحة شبكات التهريب، والاستقرار الإقليمي، والتنمية المشتركة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية أمن الحدود أو من حق الدول في تطبيق قوانينها. بل يعني أن الأمن المستدام يحتاج إلى سياسة أكثر اتساعاً، وأن احترام القانون لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل التعاون، كما لا يجوز أن يصبح التعاون مبرراً لتجاوز الضمانات القانونية.
وتحتاج هذه الرؤية كذلك إلى خطاب عمومي متوازن. فالمهاجرون ليسوا جميعاً ضحايا، كما أنهم ليسوا جميعاً مخالفين للقانون. ولكل حالة ظروفها ومسارها القانوني. والقاصر الذي يحتاج إلى الحماية لا ينبغي أن يُختزل في رقم ضمن إحصاءات العبور، مثلما لا يمكن التعامل مع شبكات الاتجار بالبشر باعتبارها مجرد نتيجة جانبية للهجرة. التمييز بين هذه الحالات شرط لأي سياسة تجمع بين الفعالية والشرعية.
اختبار المرحلة: هل تتحول الرسالة إلى علاقة أكثر توازناً؟
قد يكون من السهل قراءة الخطاب باعتباره رسالة حازمة إلى إسبانيا، أو باعتباره موقفاً من طريقة تدبير الهجرة. لكن دلالته الأوسع تتمثل في طرح مسألة شروط الشراكة نفسها: ما الذي يجعل التعاون متوازناً؟ وكيف يمكن ضمان احترام الالتزامات؟ وما الذي يمنع الخلافات القانونية والسياسية من التحول إلى أزمات متكررة؟
هذه أسئلة تتجاوز الحكومة الجديدة، لأنها تمس استمرارية العلاقات المغربية الإسبانية والأوروبية على المدى الطويل. غير أن الحكومة المقبلة ستكون إحدى الجهات الأساسية المعنية بترجمة هذا التوجه في إطار سياساتها واختياراتها الدبلوماسية والاقتصادية. أما المنصوري، فتجد نفسها في واجهة مرحلة يُنتظر فيها أن تتقاطع السياسة الداخلية مع رهانات الشراكة الخارجية. وليس المطلوب أن تُقدَّم الهجرة بوصفها امتحاناً شخصياً لها، بل أن يُنظر إلى الملف باعتباره اختباراً لقدرة الحكومة على العمل ضمن رؤية استراتيجية واضحة، تجمع بين السيادة والتعاون، وبين المصالح الوطنية والالتزامات القانونية، وبين أمن الحدود والبعد الإنساني.
إن تجديد الشراكة لا يبدأ من سؤال: كيف نمنع الهجرة؟ بل من سؤال أوسع: كيف نبني علاقة تجعل تدبير الهجرة جزءاً من تعاون متوازن ومستدام؟
بهذا المعنى، لا يعلن الخطاب الملكي نهاية الشراكة مع إسبانيا وأوروبا، بل يفتح النقاش حول شكلها المقبل. وبين هذا التوجيه الاستراتيجي وتفاصيل تنفيذه، ستتحدد ملامح المرحلة الجديدة: مرحلة لا يُقاس فيها نجاح المغرب فقط بما يتحمله من مسؤوليات، بل أيضاً بقدرته على جعل التعاون أكثر توازناً، وأكثر ارتباطاً بالتنمية، وأكثر استجابة لتعقيدات الهجرة في عالم تتداخل فيه الحدود بالمصالح وبمصائر البشر.
أستاذة جامعية وباحثة في سياسات الهجرة واللجوء(*)











