ليست كل زيارة إلى مقبرة مجرد لحظة بروتوكولية، وليست كل وقفة صمت كافية لإنصاف الموتى، فحين يقف ملك إسبانيا أمام قبور مهاجرين فقدوا حياتهم في محاولة الوصول إلى سبتة، فإن المشهد يتجاوز رمزيته الإنسانية ليفتح سؤالا أكثر إلحاحا : ماذا فعلت السياسات التي تدير الهجرة حتى أصبح البحر والحدود مقبرة لأشخاص كانوا يبحثون عن مستقبل آخر؟
في 13 أكتوبر 2026، زار الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا المقبرة الإسلامية بسيدي أمبارك في سبتة، حيث دُفن ضحايا محاولة العبور الجماعي التي شهدتها المدينة في يوليو الماضي، وأشارت صحيفة البايس إلى أن عددا من القبور لا يحمل سوى أرقام، لا أسماء، وراء هذه الأرقام حكايات لم تكتمل، وعائلات لا تعرف دائما أين انتهى مصير أبنائها، وأمهات ما زلن ينتظرن خبرا يضع حدا لقلقهن، لم يكن هؤلاء مجرد أعداد في تقارير أمنية أو عناوين إخبارية، كانوا أشخاصا لهم أسماء وأسر وأحلام، وربما غادروا بيوتهم وهم يعتقدون أن الوصول إلى الضفة الأخرى سيمنحهم فرصة لحياة أفضل
وكما يقول المثل المغربي: “يقتلون الميت ويمشون في جنازته”.
إنه مثل قاسٍ، لكنه يعبّر عن مفارقة تستحق النقاش: كيف يمكن أن نكرّم ضحايا الهجرة بعد وفاتهم، بينما لا نفتح بالجدية نفسها نقاشا حول السياسات التي تجعل الوصول الآمن إلى أوروبا أمرا بالغ الصعوبة؟ لا يتعلق الأمر برفض تكريم الموتى أو التقليل من قيمة الوقوف أمام قبورهم، بل بالتساؤل عما إذا كان هذا التكريم سيظل مشهدا رمزيا أم سيتحول إلى التزام سياسي وأخلاقي يمنع تكرار المأساة.
حين تتحول الحدود إلى أولوية على حساب الإنسان
على مدى سنوات، اتجهت السياسات الأوروبية إلى تشديد مراقبة الحدود الخارجية، وتوسيع أنظمة التأشيرات والمراقبة البيومترية، وتعزيز التعاون الأمني مع دول العبور، وتطوير وسائل الرصد والمراقبة البحرية والبرية، وتؤدي وكالة فرونتكس دورا في إدارة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ضمن إطار قانوني يُلزمها باحترام الحقوق الأساسية.
لكن السؤال ليس ما إذا كانت الدول تملك حق تنظيم حدودها، فهذا حق قائم، السؤال هو: هل يمكن أن يصبح ضبط الحدود الهدف الذي تُقاس به السياسة كلها، فيما تتراجع حماية الأرواح إلى مرتبة ثانوية؟
عندما تضيق المسارات النظامية، وتصبح فرص التنقل القانوني محدودة بالنسبة إلى فئات واسعة من الشباب، لا تختفي الرغبة في الهجرة بالضرورة، وقد يجد بعض الأشخاص أنفسهم أمام طرق أكثر خطورة، تستغل فيها شبكات التهريب حاجتهم وآمالهم، لا يعني ذلك أن تشديد الحدود وحده يفسر كل وفاة، لكنه يفرض تقييم أثر هذه السياسات في خيارات المهاجرين والمخاطر التي يواجهونها.
إن المراقبة والتكنولوجيا والتعاون الأمني أدوات يمكن أن تستخدم في إدارة الحدود، لكنها لا تعوض الإنقاذ البحري، ولا البحث عن المفقودين، ولا توفير سبل فعلية للوصول إلى الحماية الدولية، كما أن احترام الحدود لا يلغي واجب احترام الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية
إسبانيا والاتحاد الأوروبي: مسؤولية لا تنتهي عند المقبرة
تتحمل إسبانيا، بصفتها الدولة التي تدير حدود سبتة وامليلية، مسؤولية سياسية ومؤسساتية في ضمان أن تتم إدارة الحدود بما يحمي الأرواح ويحترم الحقوق، وأن تُفحص حالات الوفاة والاختفاء بصورة جدية، وأن تُبذل الجهود اللازمة لتحديد هوية الضحايا وإبلاغ أسرهم ومساندتها.
ولا يعني ذلك افتراض مسؤولية قانونية مباشرة عن كل وفاة، فهذه مسألة تستلزم التحقيق في الوقائع، وتحديد ما حدث، وفحص القرارات والإجراءات المتخذة، لكن غياب حكم قانوني نهائي لا يعفي المؤسسات من واجب المساءلة السياسية، ولا من مراجعة السياسات التي قد تسهم في تعريض الناس للخطر.
أما الاتحاد الأوروبي، فلا يمكنه فصل مسؤولية حماية الحدود عن مسؤولية حماية الحقوق، فمنظومة الهجرة الأوروبية ليست مجرد قرارات تتخذها دولة واحدة، إنها تشمل تشريعات مشتركة، وتمويلا ، وتعاونا مع دول أخرى، وآليات للمراقبة والتدبير، ولذلك ينبغي أن تشمل المحاسبة أيضا نتائج هذه الخيارات، ومدى فعاليتها في حماية الأرواح، وليس فقط في منع الوصول.
وتزداد أهمية هذا السؤال حين تكشف البيانات حجم المأساة المستمرة، فوفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، سُجّلت خلال سنة 2025 وفاة أو حالات اختفاء لآلاف الأشخاص على طرق الهجرة نحو أوروبا، واستمرت هذه الخسائر خلال السنة الحالية، وهذه الأرقام لا تمثل حصيلة نهائية لكل من فُقدوا فبعض الحوادث لا يُبلّغ عنها، وبعض الضحايا لا يُعثر على جثامينهم.
إن الأرقام المعلنة لا تكشف حجم الألم كاملا ، فخلف كل حالة اختفاء أسرة قد تنتظر سنوات، وخلف كل جثمان مجهول هوية شخص قد لا تعرف عائلته أبدا أين انتهت رحلته.
لا يكفي أن نحصي الموتى، يجب أن نبحث عن المفقودين
من أكثر الجوانب إيلاما في مآسي الهجرة أن الموت لا ينتهي دائما عند فقدان الحياة، فقد تستمر معاناة الأسرة طويلا بسبب غياب الخبر، أو عدم تحديد هوية الجثمان، أو انعدام المعلومات التي تسمح بفهم ما حدث.
لذلك، فإن احترام الضحايا يبدأ من إجراءات ملموسة: البحث عن المفقودين، وتحديد هويات الموتى، وحفظ المعلومات التي تساعد على التعرف إليهم، والتواصل مع أسرهم، وضمان التحقيق في ظروف الوفاة عند وجود أسباب تستدعي ذلك.
ولا ينبغي أن تكون هذه الواجبات استجابة مؤقتة تفرضها أزمة إعلامية، بل جزءا دائما من سياسة الهجرة والإنقاذ والحماية، فحق الأسرة في معرفة مصير ابنها ليس تفصيلا إداريا ، بل مسألة إنسانية وحقوقية أساسية.
الهجرة ليست جريمة، والحلم بمستقبل أفضل ليس تهديدا
كثيرا ما يُختزل المهاجر في صورة شخص يحاول تجاوز الحدود، بينما تُهمَل الأسباب التي تدفعه إلى الرحيل: البطالة، والهشاشة الاجتماعية، وانعدام الفرص، والتفاوت الاقتصادي، أو الرغبة في التعليم والعمل وبناء حياة أكثر استقرارا
ولا تعني هذه الأسباب أن كل محاولة عبور آمنة أو قانونية، ولا أنها تلغي حق الدول في تنظيم الدخول، لكنها تذكّر بأن الهجرة ظاهرة إنسانية واجتماعية لا يمكن اختزالها في المقاربة الأمنية وحدها.
فإذا أرادت إسبانيا والاتحاد الأوروبي الحد من الوفيات، فلا يكفي الاستثمار في أجهزة المراقبة وتشديد إجراءات الدخول، لا بد أيضا من توسيع المسارات القانونية والآمنة، وتعزيز آليات الحماية، والوفاء بالتزامات الإنقاذ، والتعاون مع بلدان المنشأ والعبور على أساس تقاسم المسؤولية، لا نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود.
كما أن التعاون مع المغرب لا ينبغي أن يُختزل في مطالبة المملكة بمنع العبور أو احتواء الأزمات، فالمقاربة المتوازنة تقتضي النظر إلى الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للهجرة، وإلى حقوق المهاجرين، وإلى مسؤولية جميع الأطراف عن النتائج الإنسانية للسياسات المعتمدة.
التكريم الحقيقي هو منع تكرار المأساة
إن زيارة المقبرة قد تكون لحظة اعتراف بإنسانية الضحايا، لكنها لا تصبح ذات معنى كامل إلا إذا تبعتها مراجعة جدية لما أدى إلى هذه الخسائر، وإجراءات واضحة لحماية الأرواح، والتعامل مع المفقودين، ومساندة الأسر، وضمان احترام الحقوق على الحدود.
ليس المطلوب أن تتحول المقابر إلى ساحات لتبادل الاتهامات، ولا أن تُستغل معاناة المهاجرين في التجاذبات السياسية، المطلوب هو ألا يُنسى الإنسان وسط الحسابات الأمنية والدبلوماسية، وألا يصبح موته مناسبة للتأثر العابر قبل العودة إلى السياسات نفسها من دون تقييم أو تغيير.
فالوفاء الحقيقي للضحايا لا يكون بالوقوف أمام قبورهم فقط، بل بالعمل حتى لا تتحول قبور أخرى إلى نهاية لحلم الهجرة
وإذا كان المثل المغربي يقول: “يقتلون الميت ويمشون في جنازته”، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا أمام إسبانيا والاتحاد الأوروبي هو: هل ستكون هذه الزيارة بداية لمراجعة السياسات التي تحكم الحدود، أم ستظل لحظة صمت أمام قبور مجهولة الأسماء؟
لأن العدالة للضحايا لا تكتمل بالذكرى وحدها، إنها تبدأ حين تصبح حماية الحياة جزءا أساسيا من سياسة الهجرة، لا استثناء يُستحضر بعد وقوع المأساة.
أستاذة جامعية وباحثة في سياسات الهجرة واللجوء (*)











