تعتزم الحكومة، ضمن أولويات مشروع قانون المالية لسنة 2027، مواصلة دعم الصناعات الثقافية والإبداعية وهيكلة سلاسل إنتاج الكتاب والفنون والموسيقى والمحتوى الرقمي، بهدف تعزيز مساهمة الثقافة في خلق القيمة وفرص الشغل، مع العمل على استرجاع 100 ألف وثيقة تاريخية إضافية من الخارج، ورقمنة الأرشيف وتطوير وسائل إتاحته للباحثين والمستعملين.
وتشمل المشاريع المقررة للسنة المقبلة افتتاح موقع سجلماسة الأثري أمام العموم، ومواصلة أشغال المتحف الوطني للآثار وعلوم الأرض بالرباط، وتوسيع شبكة المؤسسات الثقافية، إلى جانب إحداث سبعة فضاءات جديدة للذاكرة التاريخية.
ويشير قانون مالية 2027 إلى هذه التدخلات مرتبطة بصون التراث، وتقليص الفوارق في الولوج إلى الثقافة، ونقل الذاكرة الوطنية إلى الأجيال الشابة، مع مواصلة العناية الاجتماعية بأسرة المقاومة وجيش التحرير.
الصناعات الثقافية.. هيكلة الإنتاج ومواكبة المبدعين
في محور الصناعات الثقافية والإبداعية، تعتزم الحكومة تطوير صناعات وطنية مبتكرة وتنافسية، وهيكلة سلاسل الإنتاج في مجالات الكتاب والنشر والفنون والموسيقى والإنتاج الرقمي وغيرها من الأنشطة الإبداعية، بما يعزز مكانة الثقافة قطاعاً منتجاً للقيمة وفرص الشغل.
وتشمل التدابير دعم المبدعين والفنانين والمقاولات والجمعيات والفاعلين الثقافيين، وتطوير التكوين والكفاءات المرتبطة بالمهن الثقافية الجديدة، وتحسين الظروف الاقتصادية والمهنية للفنانين والمبدعين، مع إيلاء عناية خاصة لمواكبة الشباب، ودعم إنتاج المحتوى الثقافي والرقمي المغربي وترويجه.
وفي مجال الكتاب والنشر، تتضمن مشاريع سنة 2027 تنظيم الدورة الثانية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب.
استرجاع 100 ألف وثيقة ورقمنة الأرشيف التاريخي
في ملف الذاكرة التاريخية، تعتزم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير مواصلة استرجاع الأرشيف الوطني المتعلق بالحقبة الاستعمارية من الخارج، من خلال استرجاع 100 ألف وثيقة إضافية خلال 2027.
ويأتي هذا الإجراء ضمن هدف أوسع لرفع الرصيد المسترجع إلى ستة ملايين وثيقة تاريخية في أفق 2030.
ويواكب استرجاع الوثائق العمل على رقمنتها وإرساء نظام معلوماتي مندمج لتدبير الأرشيف التاريخي، يترابط مع قواعد البيانات الموحدة ويتيح للباحثين والمستعملين الوصول إليه، بما يدعم البحث العلمي ونشر المعرفة التاريخية.
وتقررت أيضا مواصلة توثيق تاريخ الحركة الوطنية والمقاومة والتحرير، وتنظيم ندوات علمية ونشر موسوعات متخصصة، بهدف رفع الرصيد المنشور إلى 1160 عنواناً بحلول 2030.
افتتاح سجلماسة ومواصلة ترميم المواقع التاريخية
في صون التراث الثقافي وتثمينه، تبرمج الحكومة افتتاح موقع سجلماسة الأثري أمام العموم خلال 2027، بما في ذلك مركزه للتعريف بالتراث وتثمينه، مع مواصلة أشغال إنجاز المتحف الوطني للآثار وعلوم الأرض بالرباط.
وتشمل الأولويات استمرار تنفيذ الاتفاقيات الموقعة أمام الملك محمد السادس واتفاقيات الشراكة المرتبطة بترميم المعالم والمواقع التاريخية وتثمينها.
ومن بين التدخلات الواردة في مشروع المالية للسنة المقبلة تطوير السياحة وتثمين التراث الثقافي والتاريخي بالرباط، وترميم قصبة شفشاون، والتثمين السياحي لقصبة الأوداية، وترميم السور التاريخي وتأهيل المدينة العتيقة لتازة.
وفي الجانب القانوني، تعتزم الحكومة نشر النصوص التنظيمية اللازمة لتطبيق القانون رقم 33.22 المتعلق بالتراث، لتفعيل الحماية القانونية للتراث المادي وغير المادي، بالتوازي مع مواصلة برامج الترميم والرقمنة والتسجيل على المستويين الوطني والدولي.
وتتضمن برمجة 2027 إعداد خريطة وطنية للمخاطر الطبيعية التي تهدد المواقع والمعالم التاريخية، في إطار تكييف حماية التراث مع التغيرات المناخية.
مؤسسات ثقافية أقرب إلى المواطنين
تعتزم الحكومة توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات والأنشطة الثقافية، والحد من الفوارق المجالية في الولوج إليها، عبر تطوير شبكة المراكز الثقافية والمسارح ودور الثقافة والمكتبات والمعاهد الموسيقية ومراكز التعريف بالتراث وتأهيلها، مع ضمان استدامة تشغيل هذه المؤسسات وتنشيطها.
وتحظى المجالات الترابية التي تعاني ضعف العرض الثقافي بعناية خاصة، بهدف تقريب الخدمات من المواطنين بمختلف المناطق.
وتشمل التدخلات مواصلة تنفيذ الاتفاقيات الموقعة أمام الملك واتفاقيات الشراكة لتوسيع شبكة المؤسسات الثقافية، خصوصاً ما يرتبط بتأهيل المجال الترابي لجهة بني ملال خنيفرة والتنمية الحضرية لتارودانت.
وتضم المشاريع كذلك إحداث مركز ثقافي بآسا، وبناء مركب ثقافي بإداوكنضيف وتدبيره، وبناء المركز الثقافي بإقليم فحص أنجرة وتجهيزه.
7 فضاءات جديدة للذاكرة والعناية بأسرة المقاومة
تتضمن مشاريع المندوبية السامية لسنة 2027 إحداث سبعة فضاءات جديدة للذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير، واستكمال أشغال بناء الفضاءات الجاري إنجازها وتجهيزها وتوسعتها، بهدف بلوغ شبكة تضم 125 فضاءً في أفق 2030.
وتشمل أولويات وزارة الثقافة توظيف التقنيات الرقمية لتجديد أساليب نقل الذاكرة التاريخية وتقريبها من المواطنين، خصوصاً الأجيال الصاعدة، بالتوازي مع استمرار العناية بقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وذوي حقوقهم.
وفي الجانب الاجتماعي، تضع الحكومة ضمن أولويات مشروع قانون المالية العمل على ضمان استدامة التغطية الصحية، وتحسين الوضعية المادية والاجتماعية وظروف العيش، ومواصلة مواكبة حاملي المشاريع من أفراد أسرة المقاومة في التشغيل الذاتي والمقاولة والعمل التعاوني.
استراتيجية 2027-2031.. الهوية والإبداع والإنصاف المجالي
تعتبر الحكومة الثقافة ركيزة للتماسك الاجتماعي والهوية الوطنية، بناء على التوجيهات الملكية التي تسند إلى الثقافة مهمتين أساسيتين؛ أولهما جعل الهوية الوطنية بمختلف مكوناتها عاملاً للاعتزاز والانتماء، ثم الحفاظ على التراث ونقله إلى الأجيال المقبلة.
ويضيف النموذج التنموي الجديد بعداً اقتصادياً، عبر اعتبار الصناعات الثقافية والإبداعية والنشر والفنون والموسيقى مصادر للثروة وفرص الشغل.
كما تندرج حماية التراث من آثار التغيرات المناخية ضمن المساهمة المحددة وطنياً، إذ يربط مشروع مالية 2027 هذه التدخلات بأهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالولوج إلى الثقافة والعمل اللائق وحماية التراث والتماسك الاجتماعي.
وتحدد الاستراتيجية الحكومية في المجال الثقافي للفترة 2027-2031 أهدافاً تشمل ترسيخ الهوية الوطنية ومنظومة القيم، وصون التراث المادي واللامادي وتثمينه، وتوسيع الولوج إلى الثقافة وفق القرب والإنصاف المجالي، ودعم الإبداع وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية.
وتشمل توجهاتها تنشيط الحياة الثقافية وتوسيع الممارسة والمشاركة، خصوصاً لدى الأطفال والشباب، وتحديث حكامة القطاع وتسريع رقمنته، وتعزيز مساهمة الثقافة والتراث في التنمية الترابية والجاذبية السياحية والاستدامة، وتوظيف الثقافة قوة ناعمة لدعم إشعاع المغرب وحضوره الدولي.
حصيلة الثقافة في 2026.. دعم الجمعيات وتجهيز المؤسسات
في الحصيلة السابقة، خصص قانون المالية لسنة 2026 لقطاع الثقافة غلافاً قدره 1.4 مليار درهم، واستفادت 240 جمعية وهيئة ثقافية وفنية من الدعم في إطار طلبات المشاريع برسم السنة نفسها، كما خصص 8.63 ملايين درهم لدعم الإبداع والصناعات الثقافية.
وفي التراث، تعرض الوثيقة مشروعين أطلقا سنة 2025 وظلا في طور الإنجاز ضمن حصيلة 2026 هما مركز حماية وتثمين الموقع الأثري لسجلماسة، بكلفة إجمالية تبلغ 349 مليون درهم، والمتحف الوطني للآثار وعلوم الأرض بالرباط، الذي تبلغ مساهمة قطاع الثقافة في إنجازه 300 مليون درهم.
ويجمع مشروع سجلماسة بين الحماية العلمية للموقع وتثمينه سياحياً والإسهام في التنمية المحلية لمنطقة الواحات، فيما يستهدف متحف الرباط توفير فضاء لعرض تاريخ المغرب وحضاراته ودراستهما، بما يتناسب مع مكانة العاصمة.
وفي تجهيزات القرب، تشمل الحصيلة إحداث المركز الثقافي بسيدي بنور وتجهيزه بكلفة 26.8 مليون درهم، وإنجاز قاعة المسرح بتنجداد بكلفة 22.3 مليون درهم، ومركز ثقافي بتيداس بمبلغ 12 مليون درهم، ومركز ثقافي بأيت أوريبل بمبلغ 11 مليون درهم.
واستقطب المعرض الدولي للنشر والكتاب خلال 2026 ما مجموعه 891 ناشراً من 61 دولة، إذ أضحى أبرز تظاهرة للكتاب على مستوى إفريقيا والعالم العربي، وفي وثيقة مشروع المالية.
حصيلة الذاكرة.. أكثر من 4 ملايين وثيقة مسترجعة
كشفت الحكومة أن المندوبية السامية، إلى غاية نهاية شتنبر 2026، راكمت حصيلة منجزات تضم إحداث 108 فضاءات للذاكرة التاريخية بمختلف جهات المملكة، تستقبل الزوار وتحتضن الندوات العلمية والأيام الدراسية والعروض التربوية، لنقل تراث المقاومة والتحرير بين الأجيال ودعم التربية على القيم الوطنية والمواطنة.
وبلغ الرصيد المسترجع من مراكز الأرشيف الأجنبية 4 ملايين و209 آلاف و169 وثيقة تاريخية أتيحت للباحثين، فيما بلغ رصيد المنشورات 914 عنواناً منذ سنة 2001، تشمل موسوعات وكتباً وأطروحات جامعية وشهادات عن المقاومة، لدعم البحث في تاريخ الحركة الوطنية والمقاومة والتحرير وتقريب التاريخ الوطني من الأجيال الجديدة.
وفي التغطية الصحية، استفاد أكثر من 50 ألف شخص، بمن فيهم الزوجات والأرامل والأبناء، من نظام التأمين عن المرض الخاص بقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في إطار اتفاقية مع شركة تأمين مفوضة.
أما الإدماج الاقتصادي لذوي الحقوق، فكشفت حصيلته أن دعم التشغيل الذاتي والمقاولة والعمل التعاوني أسهم في إحداث 3530 مقاولة صغيرة ومتوسطة وفرت 9657 منصب شغل، إلى جانب إحداث 379 تعاونية و131 جمعية من قبل أفراد أسرة المقاومة.











