قال رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة رشيد ساري، إن التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، التي صادق عليها المجلس الوزاري المنعقد اليوم السبت، برئاسة الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط تتجاوز حدود التدبير الميزانياتي التقليدي لترسم معالم توجه اقتصادي واجتماعي يقوم على ثلاث دعائم رئيسية، تتمثل في تعزيز الدولة الاجتماعية، وتحصين السيادة الاستراتيجية، وتحفيز الاستثمار المنتج، مشددا على أن نجاح هذه الخيارات سيُقاس بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في مستوى عيش المغاربة وتوفير فرص الشغل وتحسين المداخيل.
ساري، في قراءة خص بها AM+MEDIA لمضامين بلاغ الديوان الملكي، أكد أن أهمية المجلس الوزاري تكمن في كونه “لا يقتصر على كونه تمرينا ماليا وميزانياتيا تقليديا، بل يرسم في الواقع الأولويات الاستراتيجية للمغرب خلال السنوات المقبلة” معتبرا أن التوجهات المعلنة تعكس سعيا إلى الجمع بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي والمالي والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاستعداد للتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وتأتي هذه القراءة عقب المجلس الوزاري الذي خُصص طبقا لأحكام الفصل 49 من الدستور، للتداول والمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، حيث قدم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية عرضا أمام الملك محمد السادس حول الخطوط العريضة للمشروع، في سياق دولي وصفه البلاغ باضطراب الأوضاع الجيوستراتيجية، وتصاعد النزعات الحمائية، واحتدام المنافسة على الطاقة والتكنولوجيا والتمويل.
مؤشرات الاقتصاد الكلي.. هامش للتحرك في ظرفية دولية مضطربة
وتوقف الخبير الاقتصادي عند المؤشرات الماكرو اقتصادية التي تضمنها البلاغ، معتبرا أنها تشكل أحد أبرز مرتكزات المشروع بالنظر إلى ما تعكسه من توجه نحو الحفاظ على التوازنات المالية بالتوازي مع تمويل الأولويات الاجتماعية والاستثمارية.
ويتعلق الأمر بتوقع تحقيق الاقتصاد الوطني نموا في حدود 4.7 في المائة مع نهاية سنة 2026، واحتواء التضخم في حدود 0.7 في المائة، وتقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
وقال ساري في حديثه لـAM+MEDIA إن هذه المؤشرات تبرز “مسارا اقتصاديا متينا نسبيا في سياق دولي يتسم بالتوترات الجيوسياسية وتصاعد النزعة الحمائية واشتداد المنافسة على الموارد الاستراتيجية”
وتكتسي هذه الأرقام أهميتها من طبيعة التحديات التي تواجه مشروع مالية 2027، إذ يتعلق الأمر بالتوفيق بين توسيع الالتزامات الاجتماعية للدولة، وتسريع الاستثمارات العمومية والخاصة، والمحافظة على استقرار التوازنات المالية. وهي معادلة تجعل جودة الإنفاق العمومي وفعالية البرامج الحكومية عاملين حاسمين في تحويل المؤشرات الاقتصادية إلى نتائج اجتماعية.
إصلاح الأسواق والأسعار.. القدرة الشرائية في مقدمة الالتزامات
وفي الشق الاجتماعي، اعتبر ساري أن المشروع يعكس توجها نحو الانتقال من التدخلات الاجتماعية الظرفية إلى بناء سياسة عمومية أكثر انتظاما واستدامة من خلال الجمع بين حماية القدرة الشرائية وتوسيع الحماية الاجتماعية وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وكان بلاغ الديوان الملكي قد وضع استعادة القدرة الشرائية وتوطيد أسس دولة اجتماعية مستدامة في صدارة الأولويات الخمس لمشروع مالية 2027، معلنا الشروع، ابتداء من السنة المقبلة، في إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار، إلى جانب اتخاذ إجراءات لدعم القدرة الشرائية ورفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر.
كما تشمل التوجهات مواصلة تعميم التغطية الصحية وضمان استدامة أنظمتها، ومضاعفة جهود تأهيل المنظومتين العموميتين للصحة والتعليم، وتعزيز الولوج إلى السكن اللائق من خلال برنامج الدعم المباشر للسكن.
ويرى ساري أن هذه الاختيارات تعكس “انتقالا تدريجيا من منطق المساعدات الظرفية إلى منطق سياسة اجتماعية مهيكلة ومستدامة” بالنظر إلى ارتباطها بإصلاحات تتجاوز تقديم الدعم المالي المباشر إلى تحسين شروط العيش والخدمات العمومية.
الشباب.. من البرامج المتفرقة إلى سياسة وطنية مندمجة
وخصص ساري حيزا مهما من قراءته للمقاربة الجديدة التي أعلن عنها مشروع قانون المالية تجاه الشباب، معتبرا أن إدراج هذه الفئة ضمن الأولويات الرئيسية، مقرونا بإطلاق برنامج وطني مندمج يمتد من سنة 2027 إلى سنة 2031، يمثل أحد أبرز المستجدات السياسية والاجتماعية التي حملتها التوجهات الحكومية.
وقال الخبير الاقتصادي إن وضع الشباب في صلب المشروع “ربما يمثل أهم ابتكار سياسي في هذه الميزانية” موضحا أن البرنامج المرتقب يعكس إرادة لربط التعليم والتكوين والتشغيل والتمويل والإدماج الاقتصادي ضمن سلسلة متكاملة من السياسات العمومية.
وتبرز أهمية هذا التوجه في الصياغة التي اعتمدها بلاغ الديوان الملكي، والتي أقرت بمحدودية تعدد البرامج القطاعية المتفرقة، ودعت إلى الانتقال نحو سياسة وطنية مندمجة تتبع مسار الشباب من التعليم والتكوين إلى الشغل والسكن، بما يوفر شروط الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويعني ذلك أن التوجه المعلن لا يقتصر على إحداث برامج إضافية للتشغيل، بل يستهدف معالجة ضعف الترابط بين مختلف مراحل إدماج الشباب، من التأهيل الدراسي والمهني إلى الولوج إلى التمويل والضمان والأسواق.
وتضع هذه المقاربة الحكومة أمام تحدي التنسيق بين القطاعات المعنية، حتى لا يتحول البرنامج الوطني الجديد إلى تجميع للمبادرات القائمة تحت تسمية موحدة، دون معالجة الاختلالات التي أشار إليها البلاغ نفسه، كما أن امتداد البرنامج إلى سنة 2031 يمنحه أفقا يتجاوز السنة المالية المقبلة، ويجعل تقييم نتائجه مرتبطا بمؤشرات قابلة للقياس، من بينها عدد المستفيدين الذين تمكنوا فعليا من الاندماج في سوق الشغل، واستدامة فرص العمل المحدثة، ومدى استفادة الشباب من آليات التمويل والمواكبة.
25 مليار درهم للتنمية الترابية.. الجهوية المتقدمة أمام اختبار التنفيذ
وعلى مستوى التنمية المجالية، اعتبر رشيد ساري أن تخصيص غلاف مالي بقيمة 25 مليار درهم لتسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يعكس توجها نحو إعطاء دفعة جديدة لورش الجهوية المتقدمة وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
وأوضح أن هذا التوجه يرتبط بإعادة النظر في أساليب تدبير التنمية على المستوى المحلي والجهوي، بما يسمح بتوجيه الموارد نحو الحاجيات الفعلية للمجالات الترابية وتحسين فعالية التدخل العمومي.
وكان بلاغ الديوان الملكي قد ربط هذه الأولوية بإعادة هندسة اختصاصات الجهات وفق منطق الوضوح والنجاعة، وتعزيز آليات التنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، إلى جانب التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري.
ويكشف الجمع بين هذه الإصلاحات والغلاف المالي المعلن أن الرهان يشمل أيضا قدرة المؤسسات الترابية والإدارات المعنية على إعداد المشاريع وتنفيذها وتتبع نتائجها.
السيادة الاقتصادية.. الماء والطاقة والغذاء والرقمنة في صلب الخيارات الاستراتيجية
وفي قراءته للمحور المتعلق بالسيادة الوطنية، أكد ساري أن مشروع مالية 2027 يعكس استمرار توجه المغرب نحو تقوية قدراته الاستراتيجية في قطاعات الماء والطاقة والغذاء والتكنولوجيا الرقمية.
واعتبر أن تطوير الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنيات التحتية الغازية، إلى جانب تعزيز السيادة الرقمية، يشير إلى استعداد المغرب للتحولات الاقتصادية العالمية بعيدة المدى.
وتتجاوز هذه الأولويات في بعدها الاقتصادي، تأمين الحاجيات الوطنية المباشرة، لتشمل تقليص التعرض لتقلبات الأسواق الدولية وتحسين شروط الإنتاج والاستثمار.
فالأمن المائي يرتبط باستدامة الأنشطة الاقتصادية والفلاحية، فيما تؤثر كلفة الطاقة وتوفرها في تنافسية المقاولات والقدرة الإنتاجية، أما السيادة الغذائية فتتصل بقدرة الاقتصاد الوطني على تأمين الإمدادات الأساسية في حين أصبحت البنيات الرقمية عنصرا متزايد الأهمية في النشاط الاقتصادي والخدمات العمومية.
وقد نص البلاغ على تسريع برنامج تطوير الطاقات المتجددة، ومواصلة تنزيل عرض المغرب للهيدروجين الأخضر، والتنزيل التدريجي لخارطة طريق البنية التحتية للغاز، إلى جانب اتخاذ إجراءات لضمان الأمن الغذائي وتعزيز السيادة الرقمية الوطنية.
وتضع هذه الخيارات الاستثمار المنتج في موقع محوري، بالنظر إلى حاجتها إلى التمويل والتكنولوجيا والكفاءات، فضلا عن التنسيق بين الاستراتيجيات القطاعية.
الاستثمار الخاص.. تمويل الطموح الاجتماعي دون الإخلال بالتوازنات
ولا يفصل ساري بين توسيع الالتزامات الاجتماعية وتعزيز السيادة الاقتصادية من جهة، وبين ضرورة بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تمويل هذه الطموحات من جهة ثانية.
فالمحور الخامس لمشروع مالية 2027 ينص على بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي، بالتوازي مع تسريع الإصلاحات المؤسساتية والمحافظة على استقرار التوازنات الاقتصادية والمالية.
وفي هذا الإطار، يولي المشروع أهمية خاصة للاستثمار الخاص، من خلال تعزيز آليات الدعم المنصوص عليها في ميثاق الاستثمار، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، والتركيز على المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، فضلا عن تطوير منظومات صناعية سيادية جديدة.
ويعكس هذا التوجه إدراكا لأهمية توسيع النشاط الإنتاجي في توفير الموارد الضرورية لتمويل السياسات الاجتماعية والاستثمارات الكبرى، خصوصا في ظل الحاجة إلى المحافظة على التوازنات المالية.
كما أن الرهان على المقاولات الصغيرة والمتوسطة يرتبط بدورها في النسيج الاقتصادي والتشغيل، غير أن تحويل هذا التوجه إلى نتائج يتطلب أن تصل آليات الدعم والتمويل إلى المقاولات المستهدفة، وأن تنعكس على قدرتها على الاستثمار والتوسع وإحداث مناصب شغل.
من التوجهات إلى النتائج.. الاختبار الذي ينتظر مالية 2027
وفي تقييمه العام، خلص رشيد ساري إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يرتكز على ثلاث دعائم أساسية هي الدولة الاجتماعية، والسيادة الاستراتيجية والاستثمار المنتج، معتبرا أن هذه المرتكزات تحدد الإطار العام للاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للمرحلة المقبلة.
غير أن الخبير الاقتصادي شدد على أن قيمة هذه التوجهات ستظل مرتبطة بنتائج تنفيذها، وليس فقط بمستوى الطموح الذي تعكسه.
وقال في تصريحه لـAM+MEDIA إن التقييم الحقيقي لهذه الطموحات سيبقى رهينا بمدى القدرة على ترجمة هذه التوجهات إلى فرص شغل، ومداخيل أفضل، وتحسين ملموس لمستوى عيش المواطنين على أرض الواقع.
ويأتي تحديد هذه الأولويات المالية والاقتصادية بعد أيام من الخطاب الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، بما يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 في سياق التوجيهات الملكية المتعلقة بالتنمية الترابية، والعدالة الاجتماعية والمجالية، وتحسين فعالية السياسات العمومية.
وتبرز الصلة بين الموعدين في المكانة التي حظيت بها التنمية الترابية ضمن التوجهات العامة للمشروع، من خلال تخصيص 25 مليار درهم لتسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بالتوازي مع تعزيز الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. ويضع هذا الاختيار مسألة تقليص الفوارق بين المجالات الترابية في صلب البرمجة المالية، ويربط تحقيق الأهداف التنموية بقدرة المؤسسات على التنسيق والتنفيذ.
وكان جلالة الملك محمد السادس، قد دعا أيضا في خطاب افتتاح البرلمان إلى وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، من خلال تصور متكامل يجمع التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي ويضمن تكافؤ الفرص.
ويمتد هذا التقاطع إلى السيادة الاقتصادية والاستثمار، بعدما أكد الخطاب الملكي ضرورة تطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية، ودعا القطاع الخاص الوطني إلى الاضطلاع بدور أكبر في الاستثمار والابتكار والتصدير وخلق فرص الشغل وهي توجهات تجد امتدادا لها في مشروع مالية 2027، من خلال تعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير منظومات صناعية سيادية جديدة.
وتكتسي هذه التوجهات أهمية سياسية ودستورية إضافية، بالنظر إلى تزامن المصادقة عليها مع استعداد رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري لتقديم برنامجها الحكومي أمام مجلسي البرلمان، يوم الاثنين المقبل في جلسة عمومية مشتركة تنعقد طبقا لأحكام الفصل 88 من الدستور.











