دعا هشام صابري، رئيس فريق حزب الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، إلى تقوية جهاز تفتيش الشغل ومراجعة المادة 19 من مدونة الشغل، في سياق مطالبته بحماية الحقوق الاجتماعية للأجراء ومنع ضياعها عند إغلاق المقاولات أو تفويتها، مقترحا التفكير في إقرار “الإبراء الاجتماعي” وتفعيل المنصة الإلكترونية التي تتيح التبليغ عن الإخلال بشروط العمل اللائق دون الكشف عن هوية المشتكين.
وشدد صابري، خلال اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، اليوم الأربعاء، المخصص للشروع في المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، على ضرورة وصل سياسات التشغيل بظروف ممارسة العمل وضمان الحقوق المرتبطة به، معتبرا أن النقاش حول إحداث مناصب الشغل يجب أن يشمل طبيعة هذه المناصب ومدى احترامها لكرامة الأجراء.
وأكد رئيس فريق “البام” أن “الحديث عن الشغل والتشغيل بشكل عام لا يجب أن ينسينا الحديث عن ظروف العمل اللائق”، متوقفا عند التمييز بين مفهومي الشغل والدخل، قبل أن يطرح سؤالا بشأن واقع الأجراء داخل المقاولات “في أي ظروف عمل نشتغل؟”.
وانتقد رئيس الفريق النيابي محدودية عدد مفتشي الشغل وما وصفه بالقيود التي تكبل تدخلاتهم، رابطا تحسين ظروف العمل بتقوية هذا الجهاز وتطوير آليات اشتغاله، مشددا على أن ضعف القدرة على اتخاذ القرار يحول جانبا من عمليات التفتيش إلى “ممارسة روتينية، ويحد من أثرها في معالجة الاختلالات التي يعيشها العمال والأجراء”.
ورفض اختزال المراقبة في التحقق من الوضعية الشكلية لوثائق المقاولات، متسائلا عن جدوى الاقتصار على جولات تنحصر في التأكد مما إذا كانت “أوراق المقاولة قانونية وموجودة، فيما يظل السؤال الأساسي متعلقا بظروف العمل الفعلية ومدى احترام حقوق العاملين”.
وفي هذا الإطار، أشاد هشام صابري بنيبة الحكومة إطلاق منصة إلكترونية مرتبطة بمصالح تفتيش الشغل، تسمح لكل شخص يشعر بالإجحاف أو يرصد عدم احترام شروط العمل اللائق بتقديم شكاية دون الكشف عن هويته، على أن تتولى الإدارة المعنية دراستها، مشيرا إلى أن هذا التوجه وارد في البرنامج الحكومي، داعيا إلى تفعيله بما يتيح نقل معاناة الأجراء إلى الجهات المختصة.
وأوضح أن فتح باب التبليغ من شأنه توسيع مساهمة المواطنين في رصد الاختلالات، وجعل تحسين ظروف العمل مسؤولية يشارك فيها المجتمع إلى جانب أجهزة المراقبة، واصفا هذا التصور بأنه “عمل تضامني يقوم على تكامل الأدوار، ويسهم في تجويد منظومة الشغل وتوفير شروط العمل اللائق”.
وانتقل صابري من آليات التفتيش إلى الإشكالات المرتبطة بالتغطية الصحية والتصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، محذرا من استمرار أوضاع تغلق فيها مقاولات أبوابها، أو يجري تفويتها، بينما تظل الحقوق الاجتماعية للأجراء دون تسوية.
وشدد على أن تغيير ملكية المقاولة أو توقف نشاطها ينبغي ألا يكونا مدخلا للتنصل من الالتزامات تجاه العاملين، خصوصا ما يتصل بالمستحقات المرتبطة بالتغطية الصحية والتقاعد، مذكرا بأن الأجير يساهم في تمويل هذه الحقوق، وأن المساس بها يطال أموالا وحقوقا تعود إليه، ولا يجوز التساهل في حمايتها.
وفي هذا السياق، استحضر تجربة الإبراء الضريبي، التي اعتبر أنها أعطت نتائج، داعيا إلى التفكير في معالجة مماثلة على المستوى الاجتماعي، وقال في هذا السياق: “يجب أن نفكر في الإبراء الاجتماعي أيضا”، مؤكدا أنه مقترح يحمي مستحقات الأجراء من الضياع عندما يبيع أصحاب المقاولات شركاتهم أو يتوقف نشاطها.
وشدد صابري على رفض ترك الالتزامات المرتبطة بالضمان الاجتماعي معلقة بعد التفويت، وعلى ضرورة التعامل معها باعتبارها حقوقا للأجراء تهم تغطيتهم الصحية وتقاعدهم.
وطالب بهذا الصدد بالتفكير في تعديل المادة 19 من مدونة الشغل، رابطا دعوته بالمشكلات الاجتماعية التي ترافق إغلاق عدد من الشركات واستمرار احتجاجات العاملين فيها لسنوات، مستحضرا حالات في مكناس وسطات ومناطق أخرى تحتج منذ سنوات على خلفية امتداد النزاعات المرتبطة بإغلاق المقاولات وعدم تسوية حقوق أجرائها.
وجاءت مطالب صابري المتعلقة بالتفتيش والحقوق الاجتماعية في موازاة تثمينه الالتزامات الحكومية في مجال التشغيل وإدماج الشباب، بيد أنه شدد على ضرورة اقتران تنزيل البرامج بضمان عدالة الاستفادة منها ووصولها إلى مختلف المجالات الترابية، خصوصا المناطق القروية والجبلية والأقل استفادة من فرص الاستثمار والتشغيل.
وعد كاتب الدولة السابق المكلف بالتشغيل أن الحق في الشغل يتجاوز البعد الاقتصادي، بوصفه حقا اجتماعيا ومدخلا لصون كرامة الإنسان وتحقيق استقلاله الاقتصادي ومشاركته في الحياة العامة، داعيا إلى وضع التشغيل في صدارة الاختيارات العمومية، وربطه بقدرة النمو على توسيع فرص الارتقاء الاجتماعي.
وبموازاة تقوية المراقبة، دعا رئيس فريق الأصالة والمعاصرة إلى تعزيز دور النقابات باعتبارها شريكا اجتماعيا أساسيا في تحسين علاقات الشغل، مطالبا بتقوية الحوار معها وتفعيل الحوارات الاجتماعية القطاعية.
وثمّن إحياء الحوار الاجتماعي خلال عمل الحكومة السابقة، مسجلا عدم احترام دورية اللقاءات المخصصة للتفاوض مع النقابات في الولاية الحكومية السابقة، معربا عن أمله في أن تعمل الحكومة الحالية على تقوية هذا المسار وضمان استمراره.
ورفض صابري اختزال العمل النقابي في الإضراب، معتبرا أن النقابات “تسهم في السلم الاجتماعي وبناء المجتمع، وتقوية موقعها تتيح معالجة المطالب والخلافات داخل إطار مؤسساتي”، محذرا في المقابل من أن “إفراغها من أدوارها يفتح المجال أمام أشكال من الاحتجاج يصعب تأطيرها”.
وأشار إلى رصد 50 مليار درهم في مشروع قانون المالية لمواصلة تنفيذ التزامات الحوار الاجتماعي، معتبرا ذلك دليلا على توجه الحكومة نحو الاستمرار في هذا المسار، مشددا على أهمية مواكبة الالتزامات المالية بحوار منتظم مع الشركاء الاجتماعيين.
وحذر رئيس فريق “البام” بمجلس النواب من تبعات إضعاف الوساطة النقابية، قائلا “إذا أفرغنا النقابات من دورها، نعطي فسحة للبنات الأولى للفوضى”، داعيا إلى التعامل مع المؤسسات وتقوية الحوار الاجتماعي.











