أضرت أزمة سبتة بشكل كبير بالثقة المتبادلة بين المغرب وإسبانيا، وأعادت ملفات السيادة والهجرة والتعاون القضائي إلى الواجهة، لكن المصالح الاقتصادية والأمنية تجعل استمرار التوتر أو الأزمة الصامتة خيارا بالغ الكلفة.
وبصرف النظر عن الأسباب المباشرة وغير المباشرة لما حدث، يوشك تاريخ 30 يوليوز 2026 أن يحتل موقعا بارزا ضمن أكثر المحطات قتامة في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية في السنوات الأخيرة، بعد مشاهد العبور الجماعي نحو سبتة، والتي أضحى من الصعب القول إن العلاقات بين البلدين ستعود سريعا إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.
وسيكون المغرب وإسبانيا مطالبين بالبحث عن سبل للتفاهم، بحكم تقارب حدودهما، وتشابك مصالحهما الاقتصادية والأمنية، وحجم الروابط البشرية بينهما، فضلا عن التزامهما بتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030 إلى جانب البرتغال.
وأظهرت الأزمة الأخيرة أن ما كان يوصف بـ”وسادة المصالح” لم يكن كافيا لمنع التوتر، غير أن فشل هذه المصالح في منع الأزمة لا يعني أنها فقدت دورها في احتوائها، فالدولتان والمؤسسات الاقتصادية على ضفتي المضيق ستواصل التعاون، حتى في ظل مرحلة يغلب عليها الحذر.
من العالم الافتراضي إلى ملعب السياسة
وفق التقديرات الإسبانية، دخل بين 72 و80 ألف شخص إلى سبتة خلال موجة العبور الجماعي، بينما تحدثت وزارة الداخلية المغربية عن نحو 40 ألف شخص شاركوا في محاولات الوصول إلى سبتة.
أما الحصيلة البشرية، فظلت متحركة، فحتى 15 غشت، بلغ عدد الوفيات المؤكدة وفق السلطات والإسبانية أكثر من 80 وفاة على الأقل، و14 وفاة وفق آخر تحديث رسمي مغربي، بينما قدمت منظمات غير حكومية تقديرات أعلى، وبحلول 14 غشت، كان بين 3 و5 آلاف شخص، وفق الرواية الإسبانية، لا يزالون داخل سبتة، بعدما عاد أغلب الذين عبروا إلى المغرب.
وقدمت الرباط تفسيرا متعدد العوامل لما حدث؛ ففي أول موقف رسمي مفصل، ربطت وزارة الداخلية المغربية التحركات بالاستغلال المكثف للفضاء الرقمي، وانتشار معلومات مضللة، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، والتأويل الخاطئ لقرارات قضائية وإدارية إسبانية.
ويأتي في مقدمة تلك القرارات حكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، قضى بعدم جواز تطبيق الإعادة الفورية على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية، بسبب عدم عبورهم حاجزا حدوديا ماديا.
وانتشرت على شبكات التواصل قراءات مضللة للحكم، قدمته باعتباره فتحا فعليا للحدود البحرية، ما ساهم في رفع أعداد الراغبين في العبور، كما كشفت تحقيقات صحفية لاحقة أن الأجهزة الإسبانية تلقت تحذيرات مسبقة من نقابات أمنية بشأن تصاعد محاولات الوصول عبر البحر، لكنها لم تتوقع الحجم الاستثنائي الذي بلغته التحركات يومي 30 و31 يوليوز.
ويؤكد نبيل دريوش، مؤلف كتاب “العلاقات المغربية – الإسبانية: الجوار الحذر”، أن الأزمة الحالية مؤشر على تحول في طريقة التنظيم للهجرة في حد ذاته، إذ إن الوسائل الرقمية والشبكات الاجتماعية أضحت تلعب دورا في تعبئة المرشحين للهجرة غير النظامية في ظرف ساعات قليلة.
ما يميز الأحداث الأخيرة بالنسبة لدريوش أن الدعوة كانت سريعة وكذلك الاستجابة عكس الدعوات السابقة التي كانت تتطلب أياما وتمنح فرصة للأجهزة الأمنية لإحباطها، وأعداد المتقاطرين على الحدود مع سبتة كانت كبيرة بدورها بسبب فترة الصيف ووجود أعداد كبيرة منهم بالشريط الساحلي في التوقيت نفسه، ما أعطى لهذه الأحداث زخما خاصا.
ويبرز في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن الحادث يكشف لنا مرة أخرى أن المغرب يواجه حربا رقمية خارجية هدفها المس باستقراره والإضرار بصورته الخارجية، مضيفا أن هذه الجهات كانت متحفزة ودخلت على الخط في توقيت معين لمزيد من الترويج للخبر المضلل، الذي حمل الناس على الدخول إلى سبتة المحتلة على اعتبار أن الحدود مع المدينة مفتوحة.
أزمة هجرة أم أزمة سياسية؟
رغم الطبيعة الظاهرة للأحداث والمتمثلة في الهجرة، فإن تداعياتها سرعان ما اكتسبت طابعا سياسيا ودبلوماسيا، فقد وصف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ما وقع بأنه انتهاك لوحدة وسلامة الأراضي الإسبانية، متعهدا بتعبئة موارد الدولة لضمان الأمن في سبتة، غير أن مدريد حرصت في الأيام الأولى على الإشادة بالتعاون المغربي في إعادة أغلب الوافدين واحتواء الوضع.
ويلخص هذا التداخل بين خطاب الإدانة والإشادة بالتعاون طبيعة العلاقة بين البلدين، والتي تتسم بتوتر سياسي عند الأزمات، يقابله إدراك سريع بأن تجاوزها لا يمكن أن يتم من دون التنسيق بين الرباط ومدريد.
وجاءت أحداث سبتة في سياق دبلوماسي إقليمي دقيق، ففي 20 يوليوز، أي قبل الأزمة بعشرة أيام، زار سانشيز الجزائر لإعادة تنشيط العلاقات السياسية والاقتصادية والطاقية بين مدريد والجزائر، في أول خطوة بهذا المستوى منذ أزمة العلاقات التي اندلعت سنة 2022 بسبب موقف إسبانيا من قضية الصحراء المغربية.
بالنسبة إلى الرباط، لا يمثل تحسين العلاقات بين إسبانيا والجزائر مشكلة في حد ذاته، ما دام لا يتم على حساب المصالح المغربية أو الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية، لكن تزامن الزيارة مع الأزمة أعاد طرح أسئلة حول التوازن الذي تسعى مدريد إلى بنائه في المنطقة المغاربية.
ويرى دريوش أن وصف المسؤولون الإسبان القضية بـ”الهجوم على السيادة”، كان اتهاما مبطنا للمغرب، الذي رد بدوره بتشبثه بمطالبه التاريخية بالمدينتين (سبتة ومليلية)، مؤكدا أن هذا التصعيد “نقلنا سريعا إلى مواجهة سياسية بين البلدين عوض تدبير تدفق مهاجرين عبر الحدود”.
سبتة ومليلية في الواجهة
بعد أيام من الأزمة، أعاد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي طرح مطالبة المغرب بالسيادة على سبتة ومليلية، مؤكدا أن الرباط تثير هذا الملف في حواراتها مع مدريد وتسعى إلى معالجته عبر الحوار الهادئ على المدى الطويل.
وردت الحكومة الإسبانية بأن وضع المدينتين وسيادتها عليهما غير قابلين للنقاش، وأعلنت وزيرة الدفاع الإسبانية أن أي مساس بسبتة أو مليلية سيعد مساسا بإسبانيا بكاملها.
ولا يعني تجدد الجدل أن أزمة السيادة دخلت مرحلة تفاوض فعلي، لكنه يكشف أن أحداث 30 يوليوز أعادت أحد أكثر الملفات حساسية إلى صدارة الخطاب السياسي في البلدين، بعدما ظل في السنوات الأخيرة بعيدا نسبيا عن التصريحات الرسمية المباشرة.
وإلى جانب ملف السيادة، أعلن وهبي أن وزارة العدل تدرس إمكانية تعليق تطبيق اتفاقية تسليم المطلوبين بين المغرب وإسبانيا، بسبب ما تعتبره الرباط اختلالا في مبدأ المعاملة بالمثل وتعثر تنفيذ بعض طلبات التسليم المغربية.
ويوضح صاحب كتاب “العلاقات المغربية الإسبانية: الجوار الحذر”، أن القراءة الإسبانية لأحداث 30 يوليوز قادت سريعا للتوتر، لاسيما أن الإعلام الإسباني شن حملة قوية ضد المغرب منذ اللحظة الأولى، وروج للكثير من السيناريوهات التي تدور كلها في فلك المؤامرة.
ويؤكد دريوش أن التعامل غير اللائق مع فريق القناة الثانية كان تعبيرا عن أزمة ورفض إسباني لوجود كل ما هو رسمي مغربي بسبتة، والخوف وعقلية المؤامرة تحكمت في تصرف الإسبان، لذلك لم يلق منع فريق القناة الثانية أي اعتراض من طرف الإعلام الإسباني، ليرد المغرب بالمثل عبر طرد القنوات الرسمية الإسبانية ممثلة في وكالة “إيفي” والتلفزيون الرسمي.
ويشدد على أن هذا الوضع يؤشر على أننا أمام أزمة سياسية عميقة لم تتخذ شكل أزمة دبلوماسية لأن الطرفين فضلا الإبقاء على شعرة معاوية لحسابات خاصة بكل طرف منهما.
لا قطيعة ولا عودة سريعة
على الرغم من ارتفاع حدة الخطاب، ظلت قنوات الاتصال الرسمية مفتوحة، وتعاون البلدان في تنظيم عودة أغلب الذين عبروا، كما أعلن المغرب استعداده، بناء على تعليمات ملكية، للتعاون في تحديد هويات القاصرين غير المصحوبين ودراسة إعادتهم وفق الإجراءات القانونية.
وتحولت الأزمة بذلك إلى اختبار مزدوج؛ اختبار لقدرة البلدين على احتواء التداعيات الأمنية والإنسانية، واختبار لمتانة الشراكة التي قدمتها الحكومتان خلال السنوات الأخيرة باعتبارها نموذجا للاستقرار.
ففي دجنبر 2025، انتهى الاجتماع المغربي الإسباني الثالث عشر رفيع المستوى بتوقيع 14 اتفاقا للتعاون، وتعد إسبانيا منذ سنة 2012 الشريك التجاري الأول للمغرب.
ويتجاوز حجم المبادلات التجارية بين البلدين 22.5 مليار يورو سنويا، كما توجد في المغرب أكثر من 350 شركة إسبانية تنشط في مجالات الصناعة والطاقة والبنيات التحتية والأبناك والتكنولوجيا.
ويضاف إلى ذلك وجود جالية مغربية كبيرة في إسبانيا، وتشابك التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وترابط سلاسل الإنتاج، فضلا عن التنظيم المشترك مع البرتغال لـ”كأس العالم 2030″.
ولا تمنع هذه المصالح نشوب الأزمات، لكنها تجعل القطيعة مكلفة للطرفين. ومن المرجح لذلك أن تتحول العلاقات خلال المرحلة المقبلة من خطاب الشراكة المتفائل إلى إدارة أكثر حذرا وبراغماتية، تقوم على التفاوض الصعب بدل الاطمئنان إلى استقرار دائم.
وفي قراءة لهذا الوضع المتأرجح، يقول دريوش في حديث للجريدة: “قبل عشر سنوات عنونت كتابي الأول حول هذا الموضوع بـ”الجوار الحذر” لأنه بعد سنوات طويلة من الاشتغال على هذا الموضوع والعيش بين إسبانيا والمغرب أدركت أن العلاقات بين البلدين أصبحت تنقسم إلى دائرتين، دائرة التعاون والتي تطورت بشكل كبير منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وانضافت إليها ملفات جديدة وقتها مثل الهجرة ثم الإرهاب وانفتاح المقاولات الإسبانية على محيطها الخارجي وصولا لتنظيم مشترك للمونديال المقبل، وملفات للصراع ما زالت مفتوحة منها قضية الصحراء التي كانت سببا في أزمة 2021 وملف سبتة ومليلية والجزر المتوسطية التي كانت سببا في أزمتي 2002 و2007″.
وذكر المتحدث عينه بأن ملفات التعاون كانت تتحول في بعض اللحظات إلى ملفات للصراع مثل الهجرة أو الصيد البحري، وأحيانا تكون مجرد أوراق ضغط لتليين المواقف في ملفات الصراع، موضحا “لذلك قلت أن هذا الوضع يخلق لنا نوعا من الحذر الدائم”.
غير أن نبيل دريوش يشدد على أن الأمر الأساسي هو تذويب الملفات الخلافية في شبكات قوية من المصالح، مسترسلا “طبعا هذا يتطلب وقتا طويلا، وأظن أن المغرب عليه إيلاء أهمية أكبر للتواصل داخل إسبانيا، فلحدود الساعة لم تنجز أمور كثيرة في هذا الباب، وفق ما أعتقده”.
التقارب المغربي الأمريكي وقلق مدريد
يعد المغرب حليفا رئيسيا لواشنطن من خارج حلف شمال الأطلسي، ويرتبط معها بخريطة للتعاون الدفاعي تمتد إلى سنة 2030، فيما تمثل مناورات “الأسد الإفريقي” أبرز تجليات التنسيق العسكري بين البلدين.
وإلى جانب البعد الأمني، جددت واشنطن في يوليوز 2026 اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء ودعمها لمقترح الحكم الذاتي، بما يوفر للرباط سندا سياسيا لا تمنحه لها أي قوة غربية أخرى بالمستوى نفسه.
ومن زاوية مغربية، يوسع هذا التقارب هامش الحركة الدبلوماسية للرباط ويقلص حاجتها إلى المرور عبر العواصم الأوروبية لتثبيت مواقفها.
أما قلق مدريد، فلا يصدر عن وجود تحالف أمريكي موجه ضد إسبانيا، بل عن تغير ميزان النفوذ في غرب المتوسط؛ فالمغرب أصبح يدخل الملفات الإقليمية والخلافية بوزن تفاوضي أكبر، بينما تخشى إسبانيا تراجع دورها التقليدي باعتبارها أحد أهم جسور الرباط نحو أوروبا.
وقد أسهم الاعتراف الأمريكي بالصحراء في تشكيل البيئة الإقليمية التي تحرك داخلها لاحقا الموقف الإسباني، عندما اعتبرت مدريد المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس “الأكثر جدية وواقعية ومصداقية”لتسوية النزاع، من دون وجود دليل معلن على أن هذا التحول جاء نتيجة ضغط مباشر من واشنطن.
في هذا السياق، يسجل دريوش الانزعاج الكبير لليمين الإسباني من التقارب بين الرباط وواشنطن، الذي يراه تهديدا مباشرا لإسبانيا، وعبر عن ذلك في عدة مناسبات، مع تحميل مسؤولية ذلك للحكومة الاشتراكية التي اصطفت ضد الحرب على إيران وحرب إسرائيل بقطاع غزة، ما جعلها تواجه تيارات اليمين المتطرف في العالم الغربي.
ويؤكد الخبير أن المغرب شكل بديلا بالنسبة للإدارة الأمريكية التي لوحت بطريقة غير مباشرة بإمكانية نقل القواعد العسكرية الأمريكية بجنوب إسبانيا إلى المغرب، ولا يجب أن ننسى أن المغرب هو الحارس الجنوبي لمضيق جبل طارق”.
بالصدد ذاته، أشار المتحدث إلى أن الكونغرس أشهر أوراق تهديد ناعمة لإسبانيا باستعمال ورقة سبتة ومليلية في عدة مناسبات، رغم أن الإدارة الإمريكية في ذروة الأزمة الأخيرة أعادت التأكيد على سيادة إسبانيا على سبتة وميليلة، مشددا على أنه “في اعتقادي، فإنها فعلت ذلك إرضاء لليمين المتطرف بإسبانيا وليس للحكومة الإسبانية”.
ما بعد الأزمة
لن تنتهي العلاقات المغربية الإسبانية بسبب أزمة سبتة، لكنها لن تعود بسهولة إلى خطاب “المرحلة الذهبية” الذي طبع السنوات الأخيرة، سيما بعدما تضررت الثقة، وعادت ملفات السيادة والتعاون القضائي والهجرة إلى الواجهة، وأصبح كل قرار تتخذه مدريد خاضعا لتدقيق أكبر في الرباط.
وفي المقابل، ستراقب إسبانيا عن كثب كل تحول في تدبير الحدود والخطاب المغربي بشأن سبتة ومليلية، وستكون مهمة الدبلوماسية في البلدين منع هذه الملفات من الاندماج في أزمة واحدة يصعب التحكم فيها.
وتفرض المرحلة المقبلة إعادة بناء آليات التنسيق الأمني والإنذار المبكر، وتوضيح التزامات كل طرف في ملفات الهجرة والقاصرين وتسليم المطلوبين، والحفاظ على قنوات سياسية قادرة على احتواء الخلافات قبل انتقالها إلى المجال العام.
ويؤكد نبيل دريوش أن الأزمة الحالية مست شيئا مهما تقوم عليه العلاقات الثنائية، وهو الثقة، التي أصبحت مهتزة الآن، وصورة المغرب بإسبانيا اليوم سيئة، ويجب أن نعترف بذلك، مثلما أن الخطاب المغربي أضحى شبه مرفوض في وسائل الإعلام الاسبانية مقابل منح مساحات كبيرة لخصوم المغرب ليمرروا المغالطات، وهو واقع مؤسف لا يمكن إلا أن نلوم أنفسنا عليه”.
وشدد الخبير في العلاقات المغربية الإسبانية أنه وجب اليوم الاشتغال بجد ووضع استراتيجية واضحة المعالم لإغلاق هذا الجرح المفتوح واستعادة الثقة المفقودة، وأعتقد أنه مازال هناك هوامش للقيام بذلك.











