في خطوة تعكس المكانة المتقدمة التي بات يحتلها الذكاء الاصطناعي ضمن الاختيارات الاستراتيجية للمملكة، منحت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري هذه التكنولوجيا، لأول مرة، موقعا صريحا في تسمية وزارة قائمة بذاتها وأسندت قيادتها إلى أحمد رحو أحد أبرز الأسماء التي راكمت تجربة في الهندسة والمعلوميات والتدبير الاقتصادي والحكامة المؤسساتية.
وجاء تعيين رحو وزيرا للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، يوم أمس الجمعة من طرف الملك محمد السادس، ضمن الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، لينقل هذا القطاع من مستوى وزارة منتدبة إلى حقيبة وزارية تحمل الذكاء الاصطناعي في صدارة اختصاصاتها، بعدما كانت أمل الفلاح السغروشني تشرف على الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة في الحكومة السابقة.
ويتعلق الأمر، بإعادة تموقع مجال أصبح يرتبط مباشرة بالتنافسية الاقتصادية والأمن المعلوماتي والسيادة على البيانات وتطوير الخدمات العمومية، فالذكاء الاصطناعي أصبح عنصرا مؤثرا في الإنتاج الصناعي والبحث العلمي والصحة والتعليم والتشغيل، فضلا عن قدرته على تغيير أساليب اشتغال الإدارة وعلاقتها بالمواطنين والمقاولات.
ويكتسب هذا التحول دلالة خاصة في حكومة المنصوري، التي تراهن على حضور الشباب والكفاءات في تدبير الشأن العام، إذ يضيف إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي بعدا تكنولوجيا إلى هذا التوجه، ويضع تكوين الأجيال الجديدة وتأهيلها لمهن المستقبل ضمن الرهانات المرتبطة بالعمل الحكومي، كما يعكس وعيا بأن تمكين الشباب لا ينحصر في إسناد المسؤوليات السياسية، بل يشمل توفير المهارات والبنيات والفرص التي تسمح لهم بالمشاركة في الاقتصاد الرقمي وإنتاج المعرفة.
رحو.. كفاءة تجمع الهندسة والاقتصاد والحكامة
ويحمل اختيار أحمد رحو لهذه الحقيبة دلالة تتصل بطبيعة مساره المهني الذي جمع بين التكوين العلمي الدقيق والتجربة الاقتصادية والمؤسساتي، فالوزير الجديد المزداد سنة 1958 بمدينة مكناس، تلقى تكوينه بفرنسا في مدرسة البوليتكنيك والمدرسة الوطنية العليا للاتصالات، قبل أن يبدأ مساره المهني في مجال المعلوميات بالخطوط الملكية المغربية خلال ثمانينيات القرن الماضي.
ولم ينحصر مساره في التخصص التقني، بل امتد إلى تدبير المقاولات والقطاع البنكي والمسؤوليات المؤسساتية، وصولا إلى رئاسة مجلس المنافسة منذ سنة 2021، حيث ارتبطت مسؤولياته بقضايا تنظيم الأسواق والمنافسة الاقتصادية ومراقبة الممارسات المؤثرة في شروط اشتغال المقاولات.
وتمنح هذه التجربة رحو مؤهلات ذات صلة مباشرة بالوزارة الجديدة، بالنظر إلى أن تطوير منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي يتطلب الجمع بين المعرفة التقنية والقدرة على تدبير الاستثمارات وتنظيم الأسواق الرقمية وتنسيق العلاقة بين القطاعين العام والخاص.
كما أن انتقاله من رئاسة مؤسسة دستورية تعنى بالمنافسة إلى قيادة قطاع التكنولوجيا يضع خبرته في الحكامة الاقتصادية أمام رهانات جديدة، تشمل تنظيم استخدام البيانات، ومواكبة المقاولات التكنولوجية الناشئة، وتحسين بيئة الابتكار، وضمان استفادة النسيج الاقتصادي الوطني من التحولات الرقمية.
التوجيهات الملكية.. الرقمنة رافعة للتنمية والسيادة
ويندرج الارتقاء المؤسسي بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار وطني أوسع، يستند إلى التوجيهات الملكية الرامية إلى تحديث الاقتصاد والإدارة وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيات الحديثة والطاقات المتجددة، باعتبارها روافع للتنمية والتحول نحو نماذج اقتصادية أكثر استدامة.
وبمناسبة تقديم مستجدات خارطة الطريق الوطنية للذكاء الاصطناعي في 9 شتنبر، فإن هذه الدينامية تنسجم مع التوجيهات السامية للملك محمد السادس بشأن تعزيز الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الجديدة والطاقات المتجددة.
وشكلت المناظرة الوطنية للذكاء الاصطناعي، التي احتضنتها الرباط يومي فاتح وثاني يوليوز 2025 تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، محطة مهمة في بلورة هذا التوجه، من خلال وضع السيادة التكنولوجية وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي وتطوير الكفاءات الوطنية ضمن أولويات النقاش حول المستقبل الرقمي للمملكة.
وتبرز أهمية هذا المسار في أن التحول الرقمي لم يعد مجرد وسيلة لتبسيط الإجراءات الإدارية، بل أصبح أحد محددات قدرة الدول على حماية بياناتها وتطوير صناعاتها وتعزيز تنافسيتها. وهو ما يمنح الوزارة الجديدة مسؤولية تتجاوز تحديث الإدارة إلى المساهمة في بناء مقومات السيادة الرقمية الوطنية.
المغرب ينتقل من طموح الذكاء الاصطناعي إلى مشاريع ملموسة
ولا تبدأ الوزارة الجديدة عملها من نقطة الصفر، إذ ترث رصيدا من البرامج والمبادرات التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” وخارطة الطريق “المغرب للذكاء الاصطناعي 2030″، التي عُرض تقدم تنفيذها بالرباط في 8 شتنبر الماضي.
وتحدد هذه الخارطة ثلاثة مستهدفات اقتصادية وبشرية كبرى بحلول سنة 2030، وفق المعطيات الرسمية لوزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة 100 مليار درهم قيمة مضافة مستهدفة للناتج الداخلي الخام و50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر و200 ألف كفاءة وموهبة مستهدف تكوينها واعتمادها وهي مستهدفات معلنة في أفق 2030.
وتعكس هذه الأرقام حجم الطموح المغربي في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قطاع منتج للقيمة الاقتصادية، ومساهم في خلق فرص الشغل وتأهيل الموارد البشرية. كما تمنح الحكومة الجديدة أهدافا قابلة للقياس، ستكون مطالبة بترجمتها إلى نتائج فعلية خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، أطلقت المملكة مشاريع تروم بناء منظومة وطنية متكاملة، من أبرزها شبكة معاهد “الجزري” التي تشمل أربعة مكونات متخصصة في البحث والتطوير والمدن الذكية والتكنولوجيا التعليمية والصناعة، وهي “JAZARI ROOT” و”JAZARI Smart City” و”JAZARI EduTech” و”JAZARI Industrie X.0″
ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة بالنظر إلى سعيه لربط البحث العلمي بالحاجيات الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير حلول تكنولوجية تستجيب للخصوصيات الوطنية، عوض الاكتفاء باستيراد تطبيقات جاهزة من الأسواق الدولية.
من الإدارة الإلكترونية إلى الإدارة الذكية.. امتداد لتوجيهات ملكية
ويستند ورش إصلاح الإدارة، الذي أصبح جزءا من اختصاصات الوزارة الجديدة، إلى توجيهات ملكية واضحة سبقت الطفرة الحالية للذكاء الاصطناعي.
ففي خطاب افتتاح البرلمان يوم 14 أكتوبر 2016، دعا الملك محمد السادس إلى تعميم الإدارة الإلكترونية بصورة مندمجة، بما يسمح بتبادل المعلومات بين القطاعات والمرافق العمومية، ويساهم في تسهيل حصول المواطنين على الخدمات والحد من التنقلات المتكررة والاحتكاك المباشر بالإدارة.
وأكد جلالته في الخطاب ذاته أهمية تكوين الموظفين وتأهيلهم، وربط إصلاح الإدارة بتحسين جودة الخدمات ونجاعتها، باعتبار ذلك أحد شروط التنمية والتقدم.
وبعد عشر سنوات من هذه التوجيهات، تفتح التقنيات الجديدة إمكانيات أوسع لتطوير الإدارة المغربية، من خلال معالجة الملفات إلكترونيا، وتسهيل الولوج إلى المعلومات، وتوجيه المرتفقين، وتحسين التنسيق بين المؤسسات.
وقدمت الوزارة السابقة، ضمن مستجدات خارطة الطريق الوطنية، منصة سيادية تجمع حلولا للذكاء الاصطناعي موجهة إلى المواطن والإدارة، إلى جانب مشاريع لتطوير البنيات الرقمية المشتركة، بينها “Data Factory” لإعداد البيانات و”Software Factory” لتبادل المكونات البرمجية بين الإدارات.
وتبرز أهمية هذه المشاريع في سعيها إلى معالجة بعض الاختلالات المرتبطة بتشتت الأنظمة المعلوماتية وصعوبة تبادل البيانات، بما يفتح المجال أمام إدارة أكثر تكاملا وقدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين والمقاولات.
وتصبح مسؤولية الوزارة الجديدة في هذا الجانب، مرتبطة بتحويل الحلول الرقمية إلى خدمات عملية يمكن قياس أثرها على آجال معالجة الملفات وجودة الاستقبال وسهولة إنجاز المساطر، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية واحترام الحقوق الرقمية للمرتفقين.
شراكات دولية وقدرات وطنية لتعزيز السيادة الرقمية
وفي مجال تطوير الحلول التكنولوجية، سجل المغرب تقدما ملموسا على مستوى الشراكات الدولية، من أبرزها التعاون مع شركة “Mistral AI” الفرنسية الذي أثمر الإعلان، يوم 29 شتنبر الماضي، عن أولى المكونات المطورة في إطار هذه الشراكة.
وشملت المنجزات المعلنة نموذجا للتعرف على اللغات واللهجات العربية والتمييز بينها، بما فيها الدارجة المغربية، إلى جانب نموذج “Voxtral” للتعرف الآلي على الكلام بالدارجة وتحويله إلى نص، حتى في حالات التناوب بين العربية والفرنسية والإنجليزية.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية تتجاوز بعدها التقني، لارتباطها بتطوير حلول تراعي الخصوصيات اللغوية والثقافية للمغاربة، وتوسيع إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات الموجهة إلى المواطنين، مع إتاحة المكونات المعلنة بصيغة مفتوحة المصدر.
وعلى مستوى البحث العلمي، تتوفر المملكة على بنية للحوسبة عالية الأداء، من بينها الحاسوب الفائق توبقال بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببنجرير، بما يوفر قاعدة علمية وتقنية يمكن توظيفها في تطوير البحث والتطبيقات التي تتطلب قدرات حسابية متقدمة.
كما عزز المغرب حضوره الإقليمي بإطلاق قطب “المغرب الرقمي من أجل التنمية المستدامة” بشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في شتنبر 2025، بهدف دعم التحول الرقمي وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إفريقيا والمنطقة العربية.
ووفق المعطيات الرسمية للبرنامج الأممي، تبلغ الميزانية الإجمالية المقررة لهذا المشروع 38 مليون دولار على ثلاث سنوات، تشمل مساهمة مغربية بقيمة ثمانية ملايين دولار، ومساهمة عينية من البرنامج الأممي بقيمة مليون دولار.
ويركز المشروع على مجالات الصحة والتعليم والمناخ والحكامة، مع إيلاء اهتمام خاص لتمكين النساء والشباب من الاستفادة من التحول الرقمي.
وتمنح هذه المبادرات المغرب موقعا متقدما في بناء شراكات رقمية مع محيطه الإفريقي والعربي، وتتيح له توظيف تجربته الوطنية في تطوير حلول تستجيب لتحديات التنمية، مع تعزيز حضوره في التعاون الدولي المرتبط بالتكنولوجيات الحديثة.
وزارة المستقبل في حكومة المنصوري.. الشباب في قلب الرهان الرقمي
وتبرز أهمية الوزارة الجديدة أيضا في ارتباطها المباشر بمستقبل الشباب المغربي، باعتبارهم الفئة الأكثر ارتباطا بالتحولات التكنولوجية، والأكثر حاجة إلى فرص التكوين والتأهيل لمهن الاقتصاد الرقمي.
فخارطة الطريق الوطنية لا تقتصر على تطوير البنيات التحتية أو استقطاب الاستثمارات، وإنما تشمل توسيع قاعدة الكفاءات، مع استهداف تكوين 100 ألف موهبة رقمية جديدة سنويا بحلول سنة 2030، إلى جانب برامج موجهة إلى الطلبة والأطفال والباحثين والشباب.
ويمنح هذا التوجه حكومة المنصوري فرصة لربط حضور الشباب في المسؤولية السياسية بإعداد أجيال قادرة على المساهمة في إنتاج التكنولوجيا، وتطوير المقاولات الناشئة، والمشاركة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التنسيق بين وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة والقطاعات المكلفة بالتعليم العالي والتكوين المهني والشباب والاستثمار، بما يسمح بملاءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد، وتطوير فرص التشغيل في المهن الرقمية.
كما يضع هذا الاختيار على عاتق أحمد رحو مسؤولية تحويل التراكم الذي حققته المملكة إلى نتائج اقتصادية واجتماعية، عبر تسريع إنجاز المشاريع، وتحفيز الابتكار الوطني، وتيسير ولوج المقاولات إلى الحلول التكنولوجية، وضمان استفادة مختلف الجهات من فرص التحول الرقمي.
وبين التوجيهات الملكية التي جعلت تحديث الإدارة وتطوير الاقتصاد ضمن أولويات الإصلاح، والمشاريع الوطنية التي أرست أسس منظومة مغربية للذكاء الاصطناعي، يأتي إحداث هذه الوزارة ليمنح الورش موقعا أوضح داخل الهيكلة الحكومية.
وتجد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، من خلال هذه الحقيبة، فرصة لترجمة رهانها على الكفاءات والشباب إلى سياسة عمومية تجعل التكنولوجيا رافعة للتشغيل والاستثمار وتحسين الخدمات، فيما يجد أحمد رحو نفسه أمام مسؤولية استثمار خبرته الهندسية والاقتصادية والمؤسساتية لقيادة مرحلة جديدة من التحول الرقمي.
فالمغرب الذي وضع أسس استراتيجيته الوطنية للذكاء الاصطناعي، وأطلق مشاريع للبحث والابتكار والتعاون الدولي، يتجه اليوم إلى تعزيز قيادتها الحكومية، بما يخدم طموحه في الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى المساهمة في إنتاجها، ومن رقمنة الإدارة إلى بناء إدارة ذكية، ومن تأهيل الكفاءات إلى توفير الفرص التي تمكنها من الإسهام في اقتصاد المستقبل.











