Logo
Logo
بلا فلتر
رقم الاسبوع
المدرسة السياسية
AM+ CHECK
AM+ LAB
AM+ TALK
DIGEST

10 أشهر غيّرت مسار الصحراء.. ماذا يطبخ قبل حسم أكتوبر؟

10 أشهر غيّرت مسار الصحراء.. ماذا يطبخ قبل حسم أكتوبر؟
خولة اجعيفري
مشاركة:

في الساعات الأولى من فجر الجمعة 31 أكتوبر 2025، حسم مجلس الأمن تصويته على القرار رقم 2797 بشأن الصحراء المغربية بأحد عشر عضوا أيدوا القرار، فيما امتنعت روسيا والصين وباكستان بينما لم تشارك الجزائر في التصويت ضمن قرار حمل معه تحولا في المقاربة التي يدير بها مجلس الأمن الملف، ووضع مساره السياسي أمام معادلة مختلفة عن تلك التي رافقته منذ نصف قرن من عمر النزاع المفتعل حول الصحراء.

القرار 2797، لم يكن تجديدا سنويا روتينيا لولاية بعثة أممية، فللمرة الأولى في تاريخ القرارات الأممية المتعلقة بالنزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية للمملكة، أدرج المجلس مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها “أساسا” للمفاوضات بلغة صريحة كما دعا الأطراف إلى الانخراط في مشاورات تنطلق منها لا من سواها.

عشرة أشهر بعد ذلك التصويت، يقف الملف على عتبة الاستحقاق الأممي المقبل في أكتوبر 2026، كما أن المشهد الذي يتشكّل بحسب المعطيات المتاحة من خمس عواصم دبلوماسية، يوحي بأن ما هو مقبل ليس تجديدا آخر لولاية بعثة بل تحولا في هندسة النزاع المفتعل نفسه.

وتكشف القراءة الدقيقة لنص القرار 2797، قفزة نوعية في المعجم الأممي مقارنة بالقرارات السابقة التي كانت تتحدث عن مبادرة الحكم الذاتي بوصفها “أحد الأسس” أو “بين المقترحات القابلة للنقاش”.

أما القرار الجديد، الذي اعتمد بعد مفاوضات ماراثونية داخل المجلس وتعديلات في اللحظات الأخيرة على الصيغة النهائية، فقد جاء بصياغة لا تحتمل التأويل، إذ عبّر مجلس الأمن عن دعمه الكامل للأمين العام ومبعوثه الشخصي في “تيسير وإجراء مفاوضات تتخذ من مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا” بهدف بلوغ حل عادل ودائم ومقبول من الطرفين .

ويعرف الفقهاء الدوليون أن كلمة “أساس” ليست مفردة بريئة في الأدب التفاوضي الأممي، بل تعني بلسان القانون الدولي المعاصر “المرجعية الحصرية للنقاش”، لا “نقطة انطلاق قابلة للتعديل”.

وهذا الفارق اللغوي يترتب عنه فارق سياسي جسيم، فمن هذه اللحظة لم يعد بإمكان أي طرف أن يطرح خيارا بديلا بوصفه “متكافئا” مع مبادرة الحكم الذاتي داخل قاعات الأمم المتحدة.

يضاف إلى ذلك عنصرٌ إجرائي بالغ الأثر، فقد كلّف القرار الأمين العام أنطونيو غوتيريش بتقديم “مراجعة استراتيجية لولاية المينورسو” في غضون ستة أشهر، وهي المراجعة التي جاءت إحاطة المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا أمام المجلس في الخامس والعشرين من أبريل 2026 ترجمة عملية لها، وتعني أن الدبلوماسية الأممية لا تدرج مراجعات من هذا الحجم إلا حين تستشعر أن ملفا معيّنا بلغ مرحلة نضج تفاوضي.

أما امتناع روسيا والصين وباكستان، فقد حمل دلالة لا تقلّ عن دلالة الأصوات المؤيدة، سيما أن الدولتين الدائمتي العضوية اللتين تتوفران على حق النقض، اختارتا ألا تستخدماه، وهو ما يعني في قواعد المجلس في هذا النوع من القرارات قرارا ضمنيا بعدم اعتبار الملف ورقة استراتيجية تستحق المواجهة المفتوحة مع واشنطن.

أما غياب الجزائر حاضنة جبهة البوليساريو الانفصالية عن قاعة التصويت، وهي العضو غير الدائم في المجلس آنذاك فلم يكن حيادا وإنما كان اعترافا مقلوبا بالعجز، إذ لم تجد الدبلوماسية الجزائرية ما يبرّر رفضا علنيا ولا ما يتيح لها تأييدا فآثرت الانسحاب، كما أنه وفي أعراف مجلس الأمن الغياب في لحظات الحسم مساو للإقرار.

هندسة “بولس” ثلاث جولات في أربعة أسابيع

خلف تحوّل النص الأممي، تعمل ماكينةٌ دبلوماسية بعيدةٌ عن الأضواء تديرها الإدارة الأمريكية بوتيرة لم يعرفها الملف منذ اتفاقات هيوستن سنة 1997، ويقودها ميدانيا مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط.

بولس، رجل الأعمال اللبناني الأمريكي ووالد زوجة تيفاني ترامب، ليس دبلوماسيا بالمعنى التقليدي وإنما رجل صفقات يعمل بمنطق التاجر بعيدا عن أضواء المؤتمرات الصحفية، كما يستهدف وفق ما يتداول في الأوساط الدبلوماسية بواشنطن، إغلاق ملف الصحراء المغربية قبل صيف 2027، ضمن ما تسمّيه الإدارة الأمريكية “الصفقات الإفريقية الكبرى”.

الجدول الزمني لتحرّكات بولس منذ مطلع 2026 يكشف عن استراتيجية محكمة قائمة على التراكم السريع للوقائع، ففي الـ26 من يناير الماضي، حلّ بولس في الجزائر في زيارته الثانية منذ توليه المنصب، لبحث “الملفات الإقليمية العالقة وتطورات ملف نزاع الصحراء”.

وأعلنت السفارة الأمريكية في الجزائر حينها عن الزيارة في إطار “تعزيز الشراكة الثنائية والعمل المشترك من أجل السلام والازدهار في المنطقة”، بلغة دبلوماسية تخفي أكثر مما تظهر.

بعد أيام قليلة في مطلع فبراير، انعقدت في مدريد الجولة الأولى من مفاوضات رباعية جمعت المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا حول طاولة واحدة، برعاية أمريكية إسبانية، وفي التاسع من الشهر ذاته نشرت صحيفة “أتلاير” الإسبانية أن الجزائر؛ وقد جلست إلى الطاولة “طرفا مشاركا لا مراقبا كما كانت تشترط تاريخيا، قبلت “الوثيقة التقنية” التي تعتبر مبادرة الحكم الذاتي “الوثيقة التفاوضية الوحيدة”،  وهو ما يعني أن الجدار العقيدي الذي شيّدته الدبلوماسية الجزائرية طوال خمسة عقود قد بدأ يتصدّع في صمت.

وبعد أسبوعين فقط من لقاء مدريد، كشفت صحيفة “إل كونفيدونسيال” الإسبانية عن جولة ثالثة عقدت في واشنطن يومي 23 و24 فبراير 2026، وهذا يعني  ثلاث جولات تفاوضية في أقل من أربعة أسابيع بمشاركة الأطراف الأربعة وبإدارة أمريكية مباشرة، ضمن إيقاع يكشف عن حجم الرهان الأمريكي، وهو خلق واقع تفاوضي جديد بوتيرة أسرع من قدرة الأطراف الرافضة على التقاط أنفاسها.

دي ميستورا: من الميسر إلى شاهد “الزخم الحقيقي

على المسار الأممي، يواكب المبعوث الشخصي للأمين العام الدبلوماسي الإيطالي السويدي ستافان دي ميستورا الدينامية الأمريكية بأسلوبه الحذر المعهود، لكن في الـ25 من أبريل حصل ما لم يتوقّع، حيث وقف دي ميستورا أمام مجلس الأمن في جلسة مغلقة ليقدّم إحاطته الاستراتيجية المنصوص عليها في القرار 2797، وأخرج من قاموسه الدبلوماسي عبارتين ثقيلتين بتحدثه عن “زخم حقيقي” وعن “فرصة فعلية” لتسوية نهائية للنزاع وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية.

في القاموس الأممي لا تقال هذه العبارات مجانا، فالمبعوثون الشخصيون للأمين العام يعملون في العادة بلغة حيادية متحفّظة تصف “التحديات” و”المخاوف”، ولا يغامرون بمفردات إيجابية إلا حين يستشعرون أن العملية السياسية دخلت مرحلة جديدة، وبالتالي فإن تحدث دي ميستورا عن “زخم حقيقي” هو إشارة محسوبة إلى أن المفاوضات الأمريكية الرباعية بلغت مرحلة من النضج تستحق الإعلان عنها أمام أعلى هيئة أممية.

وبين 7 و15 يونيو 2026، شرع دي ميستورا في جولة إقليمية، إذ وصل في 7 يونيو إلى مطار تندوف حيث استقبله ممثل جبهة البوليساريو الانفصالية لدى الأمم المتحدة وأعضاء بعثة المينورسو،  ثم انتقل إلى الجزائر العاصمة وإلى نواكشوط، قبل أن يختتم جولته في الرباط.

اللافت أن الخطاب الجزائري في استقباله بدا مغايرا في تركيبه اللغوي، إذ لم يعد وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف يستحضر “استفتاء تقرير المصير” بوصفه شرطا مؤسسا، بل تحدث عن “دعم الجزائر لجهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي” و”ضرورة توفير الظروف المثلى للمفاوضات دون شروط مسبقة”، وهذا التحوّل؛ وإن بدا طفيفا في الشكل، يترجم في المضمون انزياحا بطيئا من موقع “الطرف الرافض” إلى موقع “الطرف المنتظر”.

تفكّك الرواية الجزائرية

الأخطر في هندسة المرحلة الراهنة هو ما يمكن تسميته تفكيك الرواية الجزائرية، فطوال عقود شيّدت الدبلوماسية الجزائرية خطابها حول ثلاث مسلّمات متكاملة، الأولى أنها “دولةٌ معنية” بالنزاع وليست “طرفا فيه”، وأن الحلّ ينبغي أن يصاغ بين المغرب والبوليساريو، والثانية، أن الحل الوحيد المقبول هو استفتاء تقرير المصير، أما الثالثة فهي أن جبهة البوليساريو هي “الممثل الشرعي للشعب الصحراوي”.

وفي أقل من ثلاثة أشهر؛ وبالضبط بين يناير وفبراير 2026، تصدّعت المسلّمات الثلاث في وقت واحد، وكل ذلك ترجمه جلوس الجزائر إلى طاولة الحوار في مدريد باعتبارها “طرفا مشاركا لا مراقبا” ما نسف المسلّمة الأولى.

ثم قبولها بالوثيقة التقنية التي تعتبر الحكم الذاتي المرجع الوحيد ما نسف المسلّمة الثانية، وأخيرا جلوسها في واشنطن مع البوليساريو ككيان من أربعة أطراف متساوية على الطاولة ما نسف المسلّمة الثالثة، وبالتالي باتت الجزائر مساوية للجبهة في التمثيلية لا وصيّة عليها.

وحاولت الدبلوماسية الجزائرية إخفاء هذا الانزياح بخطابات داخلية تواصل الحديث عن “الثوابت”، غير أن لغتها الرسمية على الصعيد الدولي غدت تنطق بعكس ذلك، والمسافة بين ما يقال في القاعات الأممية وما يذاع على القنوات المحلية اتسعت إلى حدّ أنها باتت تكشف أكثر مما تخفي حول عمق الأزمة التي تعيشها الاستراتيجية الجزائرية والانتقال من لغة الرفض إلى لغة التكيّف تحت الضغط لم يكن اختيارا بل استجابة لواقع فرضته ماكينة الدبلوماسية الأمريكية.

المسار الأوروبي.. من الحذر إلى المواكبة

بموازاة الديناميكية الأمريكية، تحوّل الموقف الأوروبي بدوره وإن كان بحسابات أشدّ حذرا، من “إدارة الملف” إلى “مواكبة التسوية”، فالعواصم التي تمسّكت تاريخيا بلغة “الحلول المتفاوض عليها دون تحديد” بما فهيا باريس، مدريد، برلين، لندن باتت اليوم تدرج القرار 2797 مرجعية ثابتة في تعاطيها مع الملف.

وذهبت باريس أبعد من ذلك، فمنذ يوليوز 2024 حين أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون في رسالته إلى الملك محمد السادس أن “حاضر ومستقبل الصحراء يقع في إطار السيادة المغربية”، قبل أن يكرّس هذا التحوّل في زيارة الدولة إلى الرباط في أكتوبر من العام ذاته.

أما التحول الإسباني فقد حصل في 14 مارس 2022، عندما وجّه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز رسالة إلى الملك محمد السادس، اعتبرت فيها مدريد مبادرة الحكم الذاتي المغربية المقدمة سنة 2007، “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع وأعلن مضمون الرسالة رسميا في 18 مارس 2022، ثم خلال الاجتماع الرفيع المستوى الثالث عشر مغربي-إسباني في دجنبر 2025، رحّبت الحكومة الإسبانية صراحة بالقرار 2797، وأعادت التأكيد أن مبادرة الحكم الذاتي تشكّل “الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” للتسوية، أما لندن فقد التحقت بهذا الركب في يونيو 2025 بموقف حكومي رسمي دعم مبادرة الحكم الذاتي.

في أمريكا اللاتينية، جاءت الضربة الدبلوماسية الأحدث من كولومبيا، ففي غشت الجاري وإثر لقاء جمع نائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، أعلنت بوغوتا اعترافها الرسمي بسيادة الرباط على الصحراء المغربية، منهية عقودا من الغموض في موقفها التقليدي والداعم للجبهة الانفصالية كما أن الإعلان مثّل تحولا استراتيجيا في القارة اللاتينية التي طالما شكّلت أحد المعاقل التاريخية لأطروحة “تقرير المصير بالمفهوم الجزائري”.

أما المفوضية الأوروبية، فقد بدأت تصيغ خطابها حول ضرورة “استئناف المفاوضات وتفادي التصعيد”، وهي صياغةٌ تشير بمعايير الدبلوماسية الأوروبية إلى الانتقال من الحياد المهذّب إلى المواكبة الفعلية للمسار الأمريكي.

أكتوبر 2026 قراءةٌ في السيناريوهات المقبلة

في أكتوبر المقبل، سيقف مجلس الأمن أمام لحظة حسم من نوع مختلف، فالجدول الزمني معلوم وهو إحاطةٌ ثانية لدي ميستورا، تجديد ولاية المينورسو التي تنتهي في الحادي والثلاثين من الشهر ذاته، وربما وهنا يكمن الجوهر صياغة قرار جديد يبني على مكاسب 2797 ويضيف إليها.

وتشير قراءة السياق الدبلوماسي إلى ثلاثة سيناريوهات متفاوتة الاحتمال، السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحا في تقدير المراقبين، ويتمثل في صدور قرار جديد يعيد تأكيد مركزية مبادرة الحكم الذاتي بصياغة أشدّ صراحة ويدرج جدولا زمنيا أكثر إلزاما للمفاوضات وهذا السيناريو يخدم الرباط ويحرج الجزائر كما يتيح للإدارة الأمريكية أن تدّعي “نجاحا دبلوماسيا” قبيل الاستحقاقات الانتخابية النصفية.

السيناريو الثاني هو قرار “استمرار الزخم” دون قفزة نوعية، بانتظار نضج الجولات التفاوضية القادمة كما يتيح هذا الخيار الحفاظ على المكاسب المنجزة دون المخاطرة بها في مواجهة سابقة لأوانها مع موسكو أو بكين.

السيناريو الثالث وهو الأقلّ احتمالا، يكمن في عرقلة روسية صينية تجبر واشنطن على تليين اللغة، غير أن هذا السيناريو الأخير يصطدم بحقيقة صلبة وهي أن موسكو وبكين اكتفتا في تصويت 2025 بالامتناع، ولم تلوّحا باستخدام حق النقض، فيما الحسابات الاستراتيجية للدولتين المنشغلتين بملفات أكبر من قبيل أوكرانيا وتايوان والتنافس التكنولوجي مع واشنطن لا تشير إلى أنهما ستغيّران هذا الموقف في أكتوبر المقبل.

كل هذه التحولات تضع المغرب أمام اختبار من طبيعة مغايرة لكل ما اعتاد التعامل معه طيلة نصف قرن من الدفاع عن مبادرته، فحين تنتقل المبادرة من مقترح يبحث عن اعتراف إلى مرجعية أممية معتمدة ينتقل التحدي من الإقناع إلى الإدارة.

ولم يعد مطلوبا من الرباط أن تشرح جدارة الحكم الذاتي، بل أن تقدّم تفاصيل تطبيقه فالهندسة القانونية الدقيقة والبنية المؤسساتية الجاهزة والترتيبات المالية الواضحة وتصوّر لعلاقات الأقاليم الجنوبية بالمركز وبمحيطها الإقليمي، ومنظومة لتدبير الموارد الطبيعية بما فيها الفوسفاط والصيد البحري وطاقات الرياح والشمس التي باتت تشكّل عصب الاقتصاد الأخضر في المنطقة، وهذه هي الأسئلة الحقيقية التي لم تكن مطروحة قبل أكتوبر 2025، وباتت اليوم الأسئلة الوحيدة الجدير طرحها في الكواليس الدبلوماسية بواشنطن ومدريد ونيويورك.


اقرأ أيضا

شارك برأيك

التعليقات 0

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

الصحراء المغربية 10 أشهر غيرت مسار النزاع قبل حسم أكتوبر2026