Logo
Logo
بلا فلتر
رقم الاسبوع
المدرسة السياسية
AM+ CHECK
AM+ LAB
AM+ TALK
DIGEST

ليست حربا ولسنا أعداء.. من أجل ميثاق أخلاقي للانتخابات بإقليم ميدلت

ليست حربا ولسنا أعداء.. من أجل ميثاق أخلاقي للانتخابات بإقليم ميدلت
إسماعيل شفقي*
مشاركة:

العملية السياسية، بما تنطوي عليه من “صراع” في المعجم اليساري، و”تدافع” في التعبير الإسلامي، و”منافسة” في التصور الليبرالي، لا يمكن أن تكون فعلا سياسيا حيا من دون اختلاف، ولا يمكن أن تكون الانتخابات انتخابات من دون احتدام وتنافس وتدافع حول البرامج والاختيارات والمشاريع، لكن حرارة المنافسة، مهما بلغت، لا ينبغي أن تحرق الجميع، ولا أن تحرق معها الربيع الانتخابي.

وما تشهده الاستحقاقات الانتخابية، بإقليم ميدلت كما في ربوع المملكة، من احتقان سياسي وتنافس شديد، ينبغي ألا ينزلق إلى ما يشبه “انتخابات غابوية” أو “حرب الجميع ضد الجميع” بالمعنى الهوبزي، حيث يصير المرشح، مجازا، ذئبا لأخيه المرشح.

إن خصوصية إقليم ميدلت، بجغرافيته الجبلية المعقدة، وبنيته الاجتماعية المتنوعة، وتراكم انتظاراته التنموية، تجعلنا في حاجة أكبر إلى أن نحمي العملية الانتخابية من التحول إلى معركة لتكسير الأشخاص بدل أن تكون مواجهة بين الأفكار. ومن تهشيم عظام الأطراف المتفاعلة، إلى محاولة ترميم عظام إقليم نال منه جور السياسة والساسة وأنهكته الجغرافية النائية.

ليست حربا ولسنا أعداء

فالانتخابات ليست حربا بين الأشخاص، ولا مناسبة لتصفية الحسابات الشخصية، ولا ساحة لاستباحة الهيئات السياسية وسمعة الفاعلين إنها، في جوهرها، مواجهة سياسية صريحة بين برامج ورؤى ومشاريع، يملك فيها المواطن حق الاختيار، ويملك فيها الصندوق الكلمة الفصل.

نحن لا نخوض معركة لتكسير العظام، وإنما نخوض استحقاقا ينبغي أن يكون جزءا من مسار ترميم وبناء اقتصادي واجتماعي وثقافي لإقليم نالت منه الجغرافيا النائية، كما نالت منه اختلالات وتراكمات سياسية وتنموية لا يمكن اختزالها في أسماء الأشخاص.

حتى الواقعية السياسية، بأكثر أجنحتها براغماتية ومكيافيلية، لا تعني الفوضى، ولا تعني الانفلات من كل قيد أخلاقي أو شرط قانوني أو التزام سياسي.

فالسياسة ليست رخصة للاستباحة، والمناورة السياسية ليست مرادفا للفوضى الأخلاقية، والذكاء الانتخابي لا ينبغي أن يتحول إلى دهاء في الإيذاء. وإذا كانت المنافسة حقا مشروعا، فإن شرف المواجهة مسؤولية مشتركة.

نحو ميثاق أخلاقي انتخابي

من هنا، تبدو الحاجة إلى مبادرة سياسية وأخلاقية جدية: ميثاق أخلاقي للانتخابات بإقليم ميدلت، لا تفرضه جهة على أخرى، ولا يكون وثيقة حزبية مغلقة، وإنما تصوغه الأحزاب والفاعلون الانتخابيون أنفسهم، كل بقلمه، وكل من موقعه، وكل بما يراه ضروريا لحماية سلامة العملية الانتخابية.

ليس المطلوب أن نبني ديمقراطية أثينا، ولا أن نحول الانتخابات إلى مدينة فاضلة، المطلوب أبسط وأعمق من ذلك: أن نحصّن الحد الأدنى من الأخلاق السياسية الذي يجعل المنافسة ممكنة، والاختلاف محترما، والناخب حرا، والصندوق سيدا، وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل الميثاق أرضية مشتركة حول عدد من المبادئ.

أولاً: تحريم التضليل والدعاية المغرضة

الحقيقة هي أول ضحية في الانتخابات حين تتحول المنافسة إلى معركة بلا ضوابط. إن نشر الأخبار المضللة، والاجتزاء المتعمد، وتحريف الوقائع، وصناعة الادعاءات الكاذبة، لا يضر بمرشح أو حزب وحده؛ إنه يضر بالناخب نفسه، فالناخب الذي يبني اختياره على معلومة زائفة قد يصل إلى قرار زائف. وحين يتأسس الاختيار على الخطأ، قد تتحول السنوات الخمس التالية كلها إلى خطأ تنموي وسياسي ممتد. لذلك، فإن حماية الحقيقة ليست ترفاً أخلاقياً، بل شرطاً من شروط سلامة الديمقراطية.

ثانياً: منع الضربات تحت الحزام

يمكن أن تكون الانتخابات قاسية، لكن لا ينبغي أن تكون دنيئة.

المنافس السياسي ليس عدواً، والاختلاف معه لا يمنح أحداً الحق في استعمال كل الوسائل لإسقاطه.

ينبغي أن تبقى المواجهة داخل حدود السياسة: البرنامج، الحصيلة، الرؤية، المواقف، البدائل، القدرة على الإقناع.

أما تحويل المنافسة إلى حملة لاستهداف الأشخاص، أو التشهير بهم، أو النيل من كرامتهم، فهو خروج من المجال السياسي إلى مجال آخر لا يخدم الديمقراطية ولا الناخب.

ثالثاً: رفض الشخصنة واقتحام الحياة الخاصة

الناخب لا يحتاج إلى معرفة أسرار الحياة الخاصة للمرشح كي يقرر، ما يحتاج إلى معرفته هو: ماذا اقترح؟ ماذا أنجز؟ ماذا أخفق فيه؟ ماذا يريد أن يفعل؟ وما البديل الذي يقدمه؟

يمكن للناخب أن يحاسب الفاعل السياسي، بل يمكنه أن “يضربه على رأسه ويقسم ظهره بالصندوق” إذا اقتضى الأمر.

لكن ذلك ينبغي أن يحدث على أساس سياسي، لا على أساس اقتحام النوايا أو الحياة الخاصة أو الكرامة الشخصية، فالانتخابات ليست محكمة للتشهير، إنها فضاء للمساءلة.

رابعاً: مخاطبة الرأي العام باحترام

الكتلة الناخبة ليست قطيعاً، وليست جمهوراً سلبياً ينتظر أن تتحدث باسمه النخب. إنها صاحبة السيادة.

والفاعل السياسي الذي يطلب ثقة المواطنين مطالب، قبل شجاعة الحديث، بامتلاك جرأة الاستماع، فالسياسة فعل اتصال دائم، والانتخابات ليست سوى لحظة مكثفة من هذا الاتصال.

لذلك، ينبغي أن تكون الحملات الانتخابية فضاءً لشرح البرامج، والإنصات للانتظارات، ومناقشة البدائل، والجواب عن الأسئلة، لا مجرد تدفق أحادي الاتجاه للخطابات والشعارات.

خامساً: احترام القانون والمؤسسات

القانون هو مسافة الأمان بين مركبات سياسية فائقة السرعة وقيادات مفرطة الحماسة. وقد يكون التنافس محتدماً، وقد تكون الحسابات دقيقة، وقد تكون المناورات جزءاً من طبيعة السياسة، لكن كل ذلك يجب أن يبقى داخل الإطار القانوني.

فالانتخابات التي لا تحترم القانون تفقد جزءاً من شرعيتها، حتى وإن كانت نتائجها صحيحة من الناحية التقنية.

من “حرب العصابات” إلى المنافسة الديمقراطية

قد تغري الطبيعة الجبلية للإقليم، وتعقيد جغرافيته، وشدة التنافس، بعض الفاعلين بتحويل العملية الانتخابية إلى ما يشبه “حرب عصابات” سياسية: الأحزاب “قواعد شبه حربية”، والصفحات بنادق، والأتباع جيوش، والمنافسون أهدافاً.

وهنا تحديداً يجب أن نسجلها للتاريخ: ليست حرباً، ولسنا أعداء.

لا نريد صفحات تتحول إلى ساحات قصف. ولا نريد قواعد حزبية تتحول إلى غرف عمليات للخصومة الشخصية. ولا نريد أن يصبح الشباب وقوداً لمعركة لا يعرفون في نهايتها من خسر ومن ربح، بينما يخسر الإقليم كله.

إن اختلافنا ينبغي أن يكون وسيلة لتوسيع الخيارات أمام المواطن، لا لتضييقها.

الميثاق ليس صورة جماعية أمام الكاميرات، بل التزام جماعي أمام الناخب صاحب السيادة.

إن أي ميثاق، مهما تفننا في تدبيجه، سيبقى حبراً على ورق إذا لم يمتلك آليات فعلية للالتزام والمتابعة.

لذلك، فإن إحدى ضمانات فعاليته أن يكون توقيعه علنياً، بحضور ممثلي الأحزاب والفاعلين المعنيين، وأن تشهد عليه وسائل الإعلام والرأي العام، حتى يصبح الالتزام مسؤولية سياسية وأخلاقية أمام القواعد والناخبين.

والأهم من ذلك، أن تتعزز العلنية بالاستمرارية، من خلال التفكير في إحداث هيئة إقليمية لليقظة السياسية والرصد الأخلاقي الانتخابي، تضم مندوبين عن الأحزاب الموقعة، تكون مهمتها اليقظة والتتبع والرصد، وإصدار تقارير وبيانات حول مدى احترام الميثاق.

وكما يحرص المنتدبون الحزبيون يوم الاقتراع على حماية الصندوق والدفاع عن إرادة ناخبيهم وحظوظ أحزابهم، يُفترض في هذه الهيئة أن تضطلع بذات الحماسة والغيرة بحماية السلامة الأخلاقية للعملية الانتخابية، وتتبع الدفتر الصحي لأخلاقيات الفاعلين.

ليس باعتبارها شرطة سياسية، ولا محكمة حزبية، وإنما باعتبارها آلية يقظة سياسية وأخلاقية تذكّر الجميع بأن هناك حدوداً ينبغي ألا نتجاوزها.

مرة أخرى وأخيرة.. حتى نضمن للفاعل السياسي سلامته، وللفعل نبله، وللديمقراطية آخر شرايين الحياة فيها، وللعملية السياسية آخر أوردة الثقة، وللناخب صاحب السيادة سلامة عرشه وحرمة معزله، ونحفظ للحظة قداستها.

باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري، وعضو شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة (*)


اقرأ أيضا

شارك برأيك

التعليقات 0

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

ليست حربا ولسنا أعداء.. من أجل ميثاق أخلاقي للانتخابات بإقليم ميدلت - AM+ MEDIA