تبحث القمة الروسية الإفريقية الثالثة، التي انطلقت أشغالها اليوم الأربعاء بالعاصمة موسكو، توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري بين روسيا ودول القارة الإفريقية عبر برنامج يشمل الأمن الغذائي والطاقي والتكنولوجيا النووية والذكاء الاصطناعي وتدبير الموارد المائية، مع التحضير لاعتماد خطة عمل مشتركة للفترة 2027-2029، وإعلان سياسي ووثيقة خاصة بالتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب توقيع أكثر من 30 وثيقة تعاون.
ويشارك المغرب في هذه المحطة الدبلوماسية بوفد ترأسه رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، التي حلت بموسكو لتمثيل جلالة الملك محمد السادس، في أول مهمة رسمية لها خارج المملكة منذ توليها رئاسة الحكومة.
وتنعقد القمة يومي 28 و29 أكتوبر تحت شعار “من أجل السلام والأمن والتنمية” بمشاركة 48 دولة إفريقية من أصل 54 من بينها 22 دولة ممثلة على مستوى رؤساء الدول، وفق المعطيات التي أعلنتها الرئاسة الروسية، ويضم الوفد المغربي إلى جانب رئيسة الحكومة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، وسفير المملكة لدى روسيا لطفي بوشعرة.

وتشكل مشاركة المنصوري أول حضور دولي لها بهذا المستوى بصفتها رئيسة للحكومة وممثلة لجلالة الملك، بعد أقل من أسبوعين على تشكيل الحكومة الجديدة، فيما تكتسي المهمة أهمية دبلوماسية بالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة، وحضور روسيا باعتبارها قوة دولية وعضوا دائما في مجلس الأمن، فضلا عن موقع المغرب داخل القارة الإفريقية وشبكة شراكاته الاقتصادية والسياسية مع دولها.
وبحسب البرنامج الذي كشف عنه مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، افتتحت أشغال المنتدى الاقتصادي والإنساني اليوم الأربعاء، بمركز “غوستيني دفور” في موسكو على أن يحتضن قصر الكرملين الكبير غدا الخميس جلستين عامتين بمشاركة رؤساء الدول والحكومات والوفود الإفريقية.
ومن المقرر أن يتناول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال مداخلاته، العلاقات التجارية والاستثمارية مع إفريقيا والمشاريع المشتركة في قطاعات الفلاحة والطاقة والبناء، إلى جانب التحولات الدولية وموقع القارة في النظام العالمي.
ويشارك في رئاسة الأشغال الرئيس البوروندي إيفاريست نداييشيميي بصفته رئيسا للاتحاد الإفريقي، فيما تتضمن أجندة الرئيس الروسي لقاءات ثنائية مع عدد من القادة الأفارقة واجتماعات مع مسؤولي منظمات إقليمية من بينها الاتحاد الإفريقي وتكتلات اقتصادية تمثل مناطق مختلفة من القارة.
وخصص المنظمون للمنتدى الاقتصادي والإنساني أكثر من 40 فعالية مهنية ونقاشا بمشاركة نحو أربعة آلاف من رجال الأعمال والمسؤولين والخبراء الروس والأفارقة، وفق البرنامج الموسع الذي نشرته الجهات المنظمة كما تتوزع المناقشات على أربعة محاور رئيسية، تشمل السيادة باعتبارها أساسا للتنمية المستدامة، واقتصاد النظام العالمي السيادي، والتعاون الاجتماعي والإنساني والرأسمال البشري، ثم التكنولوجيا والابتكار لتحسين جودة الحياة.

ويحتل الأمن الغذائي موقعا ضمن المباحثات الاقتصادية، من خلال مناقشة سبل تعزيز المبادلات الفلاحية وتطوير سلاسل الإمداد والتعاون في تأمين المنتجات الغذائية والأسمدة، وهي ملفات تكتسي أهمية خاصة للدول الإفريقية التي تواجه تحديات مرتبطة بتقلبات الأسواق الدولية وكلفة الواردات، كما تشمل المناقشات التعاون الصناعي ونقل التكنولوجيا والاستثمارات، وتطوير آليات الأداء المالي والتبادل التجاري بين روسيا وشركائها الأفارقة.
وفي قطاع الطاقة، يتناول المنتدى آفاق التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وتطوير البنيات التحتية الطاقية، وتبادل الخبرات والتكنولوجيا إلى جانب مناقشة المشاريع المرتبطة بالموارد الطبيعية.
ويفرد البرنامج جلسات مستقلة للتعاون في مواجهة الجفاف واستصلاح الأراضي وتدبير المياه، مع بحث الحلول التكنولوجية لتحسين الولوج إلى الماء الصالح للشرب وتطوير أنظمة تدبير الموارد المائية.
أما في المجال الرقمي، فتتجه القمة إلى إفراد وثيقة مستقلة للتعاون الروسي الإفريقي في الذكاء الاصطناعي، مع إدراج التحول الرقمي والتكنولوجيا الفضائية ضمن النقاشات، إلى جانب مجالات الصحة والتعليم والبحث العلمي والتكوين وتبادل الخبرات. ويندرج ذلك ضمن توجه روسي معلن لتوسيع الشراكات التكنولوجية مع الدول الإفريقية، إلى جانب التعاون التجاري التقليدي.
ومن المنتظر أن تتوج الاجتماعات الخميس، باعتماد إعلان ختامي يتضمن المواقف والتوجهات المشتركة بشأن تطوير العلاقات الروسية الإفريقية، وإعلان خاص بالتعاون في الذكاء الاصطناعي، وخطة عمل للشراكة للفترة الممتدة من 2027 إلى 2029 كما أعلن الجانب الروسي التحضير لتوقيع أكثر من 30 وثيقة ثنائية وقطاعية.
وبالنسبة إلى المغرب، تبرز أهمية هذه القمة من خلال تقاطع جدول أعمالها مع عدد من الأولويات الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة، خصوصا الأمن المائي والغذائي والطاقي وجذب الاستثمارات، وتطوير الصناعات والتكنولوجيا. وتتيح مشاركة الوفد المغربي متابعة المبادرات الروسية المطروحة في هذه القطاعات، واستكشاف إمكانات التعاون، دون أن تكون قد أعلنت، حتى الآن، اتفاقيات مغربية روسية جديدة على هامش هذه الدورة.
كما تحضر الأبعاد الإفريقية في أهمية المشاركة المغربية، بالنظر إلى انخراط المملكة في شراكات اقتصادية وتنموية مع عدد من بلدان القارة، واهتمامها بتطوير التعاون جنوب-جنوب.
وتفتح طبيعة المنتدى مجالا لبحث فرص التعاون في البنيات التحتية والطاقة والفلاحة والتكنولوجيا، وهي مجالات تتقاطع مع عدد من المشاريع والاستراتيجيات التي يطورها المغرب داخل القارة.
وعلى المستوى الثنائي، تأتي مشاركة المنصوري بعد أيام من اتصال هاتفي جمع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بنظيره المغربي ناصر بوريطة، تناول التحضير للقمة الروسية الإفريقية والعلاقات الثنائية والتنسيق بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وفق ما أوردته وكالة “تاس” الروسية في 23 أكتوبر الجاري.
وتكتسب هذه الاتصالات أهمية إضافية في ضوء المكانة التي تحتلها روسيا داخل مجلس الأمن الدولي، خاصة بالنسبة إلى المغرب الذي يتابع التطورات المرتبطة بقضية الصحراء على مستوى الأمم المتحدة.
وتعد قمة موسكو الثالثة ضمن مسار انطلق من مدينة سوتشي الروسية سنة 2019، قبل أن تحتضن سان بطرسبرغ دورته الثانية سنة 2023 وتعمل موسكو من خلال هذه الآلية على توسيع علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الدول الإفريقية، وتعزيز حضورها في قطاعات الطاقة والتجارة والصناعة والتكنولوجيا، مع تقديم التعاون الاقتصادي واحترام السيادة الوطنية ضمن المرتكزات المعلنة لشراكتها مع القارة.











