دعا أنس الأنصاري، عضو فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، إلى جعل الاستثمار العمومي مدخلا لتطوير الإنتاج الوطني ورفع القيمة المضافة المحلية وإحداث فرص الشغل المستدامة، مقترحا إرساء آلية لتقييم أثره على الصناعة وسلاسل التوريد، ومراجعة انعكاسات التدابير الجبائية والجمركية على تنافسية المقاولات، وتيسير حصولها على التمويل دون الاقتصار على الضمانات العقارية.
وقال الأنصاري، مساء اليوم الأربعاء في مداخلة برسم مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، إن السؤال الذي ينبغي أن يوجه قراءة مشروع المالية هو: “كيف نحول الاستثمارات التي يعبئها المغرب إلى مزيد من الإنتاج الوطني والقيمة المضافة المحلية، والصادرات ومناصب الشغل المستدامة؟”، معتبرا أن المرحلة المقبلة تستدعي تعميق الاندماج الصناعي وتطوير الموردين المحليين، بعد التقدم المسجل في البنيات التحتية واستقطاب الاستثمارات وتعزيز الجاذبية الصناعية.
ووضع المتحدث هذا الرهان في سياق دولي يتسم باستمرار التوترات الجيوسياسية وتزايد المنافسة الاقتصادية، وتسارع التحولات في سلاسل الإنتاج والتوريد، إلى جانب التحديات المرتبطة بالطاقة والمواد الأولية والتشغيل.
تنافسية الصناعة أمام التحديات
بخصوص فرضيات مشروع مالية 2027، أورد الأنصاري أنه يتوقع “تحقيق معدل نمو في حدود 3.7 في المئة، ومعدل تضخم يبلغ 1.5 في المئة، إلى جانب استثمار عمومي إجمالي معلن عنه في حدود 400 مليار درهم”، مضيفا أن المشروع يفترض ارتفاع الطلب الخارجي الموجه إلى المغرب بنسبة 2.6 في المئة، باستثناء منتجات الفوسفاط ومشتقاته.
وفي مقابل الفرص التي تتيحها هذه المؤشرات للقطاعات الصناعية الموجهة إلى التصدير، توقف عند المعطيات الواردة في العرض المقدم أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بتاريخ 23 أكتوبر 2026، مشيرا إلى أنه “كان من المتوقع أن يتباطأ نمو القيمة المضافة للأنشطة غير الفلاحية إلى 2.9 في المئة في 2026، مقابل 3.9 في المئة سنة 2025″، مع تسجيل تأثير ارتفاع أسعار المواد الأولية المستوردة على الصناعات الاستخراجية والتحويلية.
وأكد أن هذا المعطى يستحق وقفة جدية، موضحا أن “المقاولة الصناعية المغربية تواجه في الوقت نفسه ارتفاع تكاليف الإنتاج وتقلبات أسعار المواد الأولية وضغوط المنافسة الدولية، ومتطلبات الجودة والتتبع، فضلا عن ضرورة احترام آجال التسليم”.
وشدد على أن تنافسية الصناعة ترتبط بمجموعة من العوامل تتجاوز تكلفة اليد العاملة، قائلا: “ترتبط كذلك بتكلفة الطاقة والمواد الأولية والتمويل واللوجستيك والقدرة على الاستثمار والتحديث التكنولوجي”، داعيا إلى ترجمة السياسة المالية إلى إجراءات ملموسة تستجيب للحاجات الحقيقية للمقاولة المنتجة.
400 مليار درهم للاستثمار العمومي
وفي ما يتعلق بالاستثمار العمومي، تساءل الأنصاري عن حجم الأثر الذي يمكن أن تنتجه الاعتمادات المعلن عنها داخل الاقتصاد الوطني، مبرزا أن “السؤال ليس فقط كم نستثمر، بل أيضا ما حجم الأثر الاقتصادي والصناعي الذي ينتجه هذا الاستثمار داخل بلادنا؟”.
وأوضح أن المشاريع التي تنجزها الدولة في البنيات التحتية والنقل والطاقة والماء والتجهيزات العمومية تخلق حاجيات يمكن للمقاولات الصناعية المغربية تلبية جزء منها، شريطة توفرها على الكفاءات والتجهيزات والشهادات المطلوبة، وعلى القدرات التمويلية والإنتاجية اللازمة.
واقترح إرساء آلية لتقييم أثر الاستثمار العمومي، من خلال قياس مساهمته في تطوير الإنتاج الوطني وإحداث فرص الشغل وتعزيز سلاسل التوريد المحلية، موضحا: “لا يتعلق الأمر بفرض تفضيلات مخالفة لالتزامات المغرب التجارية، وإنما بتحسين معرفة الأثر الاقتصادي للاستثمارات العمومية، وتوسيع فرص المشاركة أمام المقاولات الوطنية، في إطار القوانين الجاري بها العمل”.
ودعا إلى تعزيز الروابط بين المشاريع الكبرى والمقاولات الصناعية الصغرى والمتوسطة، وبين المستثمرين الدوليين والموردين المحليين، بما يسمح ببناء منظومات إنتاجية متكاملة، مشددا على أن “المغرب استثمر في البنية التحتية وفي جاذبيته الاستثمارية، أما المرحلة المقبلة فيجب أن نركز أكثر على تعميق الاندماج الصناعي، وتطوير الموردين المحليين، ورفع القيمة المضافة التي يتم إنتاجها داخل البلاد”.
حماية سيولة المصانع
على المستوى الجبائي، توقف عضو فريق “البام” بالغرفة الأولى للبرلمان عند إجراء ضمن قراءة المشروع، ويتعلق بإقرار تسبيق ضريبي بنسبة 5 في المئة عند التخليص الجمركي، يستهدف المستوردين الذين يعيدون بيع السلع دون تحويلها، داعيا إلى تقييم التدابير الجبائية والجمركية وفق أثرها الفعلي على المقاولات.
وأكد أن “محاربة التهرب الضريبي وتوسيع الوعاء الجبائي هدفان مشروعان”، بيد أنه شدد على ضرورة التمييز بين الاستيراد بغرض إعادة البيع والاستيراد المرتبط بالإنتاج الصناعي، موضحا أن “المقاولة التي تستورد منتوجا نهائيا لبيعه تختلف عن المصنع الذي يستورد المواد الأولية ويحولها داخل وحداته الإنتاجية، ويشغل مستخدمين مصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ثم يسوق إنتاجه محليا أو يصدره إلى الخارج”.
وأضاف أن هذه الأنشطة تختلف من حيث نماذجها الاقتصادية وهوامشها ودورها في خلق القيمة المضافة وفرص الشغل، وهو ما يستدعي “مراعاة طبيعة النشاط الاقتصادي الحقيقي عند صياغة السياسة الجبائية”.
وأوصى في هذا الإطار بـ”إجراء تقييم دقيق لأثر التسبيقات الضريبية على السيولة المالية للمقاولات الصناعية، مع توضيح كيفية تطبيقها بحسب طبيعة النشاط، والمقتضيات القانونية ذات الصلة”.
وربط الأنصاري فعالية السياسة الجمركية بتحقيق هدفين متكاملين، أولهما محاربة الممارسات التجارية غير المشروعة والتصريح غير الصحيح بالقيمة الجمركية، والتصدي للمنافسة التي لا تحترم الالتزامات الضريبية والاجتماعية، وثانيهما ضمان ولوج الصناعيين المغاربة إلى المواد الأولية والمكونات والتجهيزات الضرورية للإنتاج بشروط تنافسية.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن “السياسة الجمركية الفعالة ليست فقط تلك التي تحمي السوق، بل أيضا التي توفر الظروف الملائمة للإنتاج والتصدير”، مردفا “ضرورة مراجعة القيمة الجمركية للمواد الأولية، لأن الولوج لها لتعزيز الصناعة المغربية يجب أن يكون سلسا وبدون التزامات مالية تعيق المقاولات”.
توطين حلقات إنتاج النسيج
استحضر قطاع النسيج والألبسة بوصفه نموذجا لتحديات التنافسية والاندماج الصناعي، بالنظر إلى مساهمته في التشغيل والصادرات وارتباطه بشبكات دولية للتوريد والتوزيع، واستفادته من القرب الجغرافي للمغرب من الأسواق الأوروبية.
ولفت إلى أن القطاع يواجه تحديات تشمل الاعتماد الكبير على استيراد المواد الأولية، وخاصة الأقمشة، إلى جانب الضغط المتزايد على الأسعار والآجال ومتطلبات التتبع البيئي والاجتماعي، معتبرا أن تطويره يقتضي توسيع حلقات الإنتاج المحلية، موضحا أن التحدي “لا يقتصر على الحفاظ على قدرات الخياطة والتصنيع، بل يشمل تطوير سلاسل إنتاج أكثر تكاملا، تضم الغزل والنسيج والصباغة والتجهيز والطباعة الصناعية وتثمين النفايات النسيجية”.
وأكد أن تطوير هذه الحلقات محليا، عندما يكون مجديا اقتصاديا، يسهم في تقليص آجال التوريد ورفع القيمة المضافة الوطنية، وتحسين قدرة المقاولات على الاستجابة لمتطلبات الزبناء الدوليين، مستدركا: “لا يعني ذلك تعويض جميع الواردات في المدى القصير، لأن بعض المواد والتكنولوجيات تتطلب استثمارات ضخمة وحجما إنتاجيا كافيا وكفاءات متخصصة، لكن من الضروري تحديد المجالات التي تتوفر فيها فرص حقيقية لإنتاج محلي تنافسي”.
واقترح إطلاق برنامج خاص لتطوير الاندماج الصناعي في قطاع النسيج والألبسة، بشراكة بين القطاعات الحكومية المعنية والجمعية المغربية لصناعة النسيج والألبسة والمقاولات والمؤسسات التمويلية، مشيرا إلى أن البرنامج ينبغي أن يحدد المواد والمنتجات التي تتوفر على إمكانات واقعية للإنتاج المحلي، مع تقدير الاستثمارات المطلوبة واحتياجات الطاقة والماء والفرص التجارية ومناصب الشغل الممكن إحداثها.
ودعا إلى ربط أي دعم عمومي محتمل بنتائج قابلة للقياس، تشمل حجم الاستثمار المنجز وعدد مناصب الشغل المصرح بها وتحسين الإنتاجية وارتفاع الصادرات والقيمة المضافة المحلية، مؤكدا أن “هدفنا هو الانتقال من منطق الدعم العام إلى منطق النتائج الصناعية الملموسة”.
دعوة لفك قيود التمويل والضمانات العقارية
في ملف التمويل، شدد الأنصاري على أن نجاح السياسة الصناعية يقتضي توفير موارد ملائمة لطبيعة نشاط المقاولات ودورات إنتاجها، مبرزا أن المقاولة مطالبة بتمويل مخزون المواد الأولية وأجور المستخدمين ودورات الإنتاج وآجال الأداء والاستثمارات الجديدة، قبل التوصل أحيانا بمستحقاتها التجارية.
وأوضح أن الصعوبات تزداد في أنشطة المناولة والتصدير، حين ترتبط المقاولة بطلبيات وآجال تسليم محددة، فيما قد تتأخر عمليات استخلاص مستحقاتها.
واقترح تحسين ولوج المقاولات الصناعية المهيكلة إلى تمويل الاستغلال والسيولة، مع مراعاة “الطلبيات والعقود والتدفقات المالية والقدرة على السداد، وعدم الاقتصار على الضمانات العقارية وحدها”، مستحضرا ما أثير خلال المناقشة بشأن ارتباط القروض بالضمانات عوض ارتباطها بالمشاريع والمقاولات.
وأكد ضرورة معالجة هذا الإشكال، معتبرا أنه “لا يمكن للمقاولة أن تطور نفسها إذا كانت مرهونة بالضمانات التي يمكن أن يقدمها صاحب المشروع، لتطوير مؤسساته”.
واقترح تقليص آجال معالجة واستعادة المبالغ الضريبية المستحقة قانونا للمقاولات، كلما شكلت عبئا على سيولتها وقدرتها على تمويل الإنتاج، وتعزيز آليات الضمان والتمويل المشترك للاستثمارات المنتجة، مع إعطاء الأولوية للمشاريع التي ترفع الطاقة الإنتاجية وتحسن الإنتاجية وتطور الصادرات وتؤهل الموارد البشرية.
وشدد على أن “هذه التدابير يجب أن تخضع لمعايير شفافة وأهداف واضحة وتقييم منتظم للنتائج، حتى يتحول التمويل إلى أداة لتطوير الإنتاج وليس إلى دعم غير مشروط”.
وربط هذه المقترحات بتفادي تعطيل قدرات إنتاجية قائمة، قائلا: “إن الهدف ألا تضطر مقاولة قادرة على الإنتاج إلى رفض طلبية أو تأجيل استثمار أو التخلي عن تشغيل مستخدمين بسبب صعوبة الحصول على التمويل الملائم”، مضيفا أن مقاولات كثيرة ترفض طلبيات بسبب عدم حصولها على التمويل أو عدم توفر المستخدمين اللازمين لتحقيق الإنتاج.
3 ملايين من شباب “NEET” والصناعة تحتاج الكفاءات
وعن التشغيل والتكوين، أشار الأنصاري إلى أن العرض المقدم لمشروع قانون المالية يضع إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل ضمن الأولويات الحكومية، ويتحدث عن وجود حوالي ثلاثة ملايين شاب خارج هذه المنظومات، معتبرا أن الرقم يبرز حجم التحدي الذي يواجه الاقتصاد الوطني.
وفي مقابل ذلك، عدد حاجات الصناعة إلى التقنيين ومشغلي الآلات ومراقبي الجودة وتقنيي الإنتاج وأطر اللوجستيك، فضلا عن الكفاءات المتخصصة في الرقمنة والعمليات الصناعية.
واقترح “تطوير مسارات للتكوين بالتناوب بين المؤسسات التعليمية والمقاولات، وتعزيز التكوينات القصيرة المؤهلة والمصادق عليها على أساس الحاجيات الفعلية لسوق الشغل”، داعيا إلى ربط تمويل التكوين بنتائج قابلة للقياس، من بينها الإدماج الفعلي في العمل والاستقرار المهني وتطوير الكفاءات.
توسيع خريطة الصناعة والتشغيل
على المستوى الترابي، دعا إلى توسيع قاعدة التنمية الصناعية، قائلا: “التنمية الصناعية يجب ألا تظل محصورة في عدد محدود من الأقطاب الاقتصادية، بل ينبغي أن تتيح لمختلف جهات المملكة تطوير قدراتها الإنتاجية وفق مؤهلاتها وبنياتها التحتية وكفاءاتها وإمكانياتها الاستثمارية”.
وأوضح أن تحقيق ذلك يقتضي تحسين الربط بين المناطق الصناعية والبنيات اللوجستية، وتيسير الولوج إلى العقار الصناعي المجهز، وتقريب مؤسسات التكوين والتمويل من المقاولات، ودعم ظهور شبكات محلية للموردين والمناولين.
واقترح ربط برامج المواكبة الصناعية بمؤشرات ترابية واضحة، تشمل الاستثمارات المنجزة فعليا ومناصب الشغل المصرح بها والصادرات وآجال الحصول على الخدمات وتطوير شبكات المناولة، مؤكدا أن “الجهوية الاقتصادية لا ينبغي أن تقتصر على توزيع المشاريع بين الجهات، بل يجب أن تساهم في تعزيز قدرة كل جهة على إنتاج الثروة وخلق فرص شغل مستدامة”.
واستحضر الأنصاري ما يتوفر عليه المغرب من موقع جغرافي استراتيجي وبنيات تحتية متطورة وانفتاح تجاري وكفاءات بشرية وقدرة على استقطاب الاستثمارات، قائلا: “إن طموحنا يجب أن يكون واضحا: أن نجعل من المغرب ليس فقط وجهة للاستثمار، بل منصة صناعية حقيقية للإنتاج والتصدير، قائمة على الاندماج المحلي والقيمة المضافة والابتكار”.











