لا ينبغي قراءة المواقف الأخيرة الصادرة عن بعض قيادات حزب الأصالة والمعاصرة، وفي مقدمتها موقف هشام عيروض بشأن مستقبل التحالف الحكومي، باعتبارها مجرد محاولة للتمايز الانتخابي مع اقتراب استحقاقات 2026، ولا باعتبارها مؤشراً على أزمة داخل الأغلبية. فالقراءة الأعمق تقتضي وضعها في سياق التحول الذي عرفه الحزب نفسه خلال السنوات الأخيرة، وفي سياق سؤال أكبر يتعلق بموقعه داخل المشهد السياسي المغربي: هل استنفد الحزب مرحلة المشاركة في صناعة الأغلبية، وأصبح مؤهلاً للانتقال إلى مرحلة الطموح إلى قيادتها؟
هذا السؤال لا يبدو اليوم مفتعلاً. فالأصالة والمعاصرة لم يعد الحزب نفسه الذي دخل التجارب الانتخابية الأولى بعد تأسيسه، كما أنه لم يتجمد داخل نموذج تنظيمي واحد. وربما تكمن إحدى أهم نقاط قوته في هذه القدرة المستمرة على مراجعة ذاته وإعادة تشكيل أدواته وخطابه ونخبه، في وقت تعاني فيه أحزاب كثيرة من صعوبة تجديد قياداتها وقواعدها وأساليب اشتغالها.
حزب يتحرك ولا يخشى مراجعة نفسه
من الخصائص التي ميزت تجربة الأصالة والمعاصرة منذ تأسيسه أنها لم تكن تجربة ساكنة.
تعاقبت على الحزب قيادات وتجارب تنظيمية وسياسية مختلفة، ومر بفترات صعود وأزمات ومراجعات داخلية، لكنه استطاع في كل مرة أن يعيد إنتاج نفسه بدل التحول إلى بنية جامدة تعيش على تاريخها.
وقد يكون من السهل النظر إلى تغير القيادات والخطابات باعتباره علامة اضطراب، لكن القراءة المقابلة ممكنة أيضاً: الحزب الذي يستطيع تغيير قياداته ومراجعة اختياراته واستيعاب أخطائه هو حزب يمتلك قابلية سياسية للحياة.
فالجمود التنظيمي ليس دليلاً على الاستقرار بالضرورة، كما أن النقاش الداخلي ليس علامة ضعف. الأحزاب الحية هي تلك التي تتفاعل داخلها الأجيال والطموحات والتصورات المختلفة وتظل قادرة، رغم ذلك، على إنتاج القرار السياسي.
ومن هذه الزاوية، فإن الحيوية التي يعرفها البام اليوم يمكن أن تشكل رصيداً وليس عبئاً، خصوصاً في مرحلة سياسية أصبحت فيها قطاعات واسعة من المجتمع تبحث عن أحزاب تتحرك بالسرعة نفسها التي يتحرك بها المجتمع.
قدرة استثنائية على استقطاب أجيال جديدة
من أبرز عناصر القوة التي ينبغي التوقف عندها قدرة الحزب على الاستقطاب.
فالاستقطاب السياسي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الملتحقين بالحزب، وإنما بقدرته على إدخال دماء جديدة إلى دوائر المسؤولية والترشيح والقرار.
وهنا استطاع الأصالة والمعاصرة أن يفتح المجال أمام فئات مختلفة من المنتخبين والأطر والنساء والشباب والفاعلين المحليين والمهنيين، دون أن يحصر إعادة إنتاج نخبه في مسارات حزبية مغلقة.
وهذا عنصر بالغ الأهمية.
فالحزب الحديث لا ينبغي أن يكون نادياً سياسياً مغلقاً، وإنما مؤسسة قادرة على اكتشاف الكفاءات الموجودة داخل المجتمع وإدماجها في العمل السياسي.
وتشبيب القواعد لا يعني مجرد وضع الشباب في واجهة الاجتماعات أو اللوائح الانتخابية؛ وإنما يعني منح أجيال جديدة إمكانية الصعود داخل التنظيم وتحمل المسؤولية والتأثير في القرار.
وهذه الدينامية تمنح الحزب قدرة على التجدد لا تتوفر بالدرجة نفسها للأحزاب التي أصبحت بنياتها التنظيمية محكومة بتوازنات تاريخية يصعب تجاوزها.
الامتداد الترابي.. القوة التي لا تصنعها الخطابات
إلى جانب التجدد البشري، يمتلك البام رصيداً لا يقل أهمية يتمثل في امتداده الترابي.
فالسياسة المغربية لا تُمارس في الرباط والدار البيضاء وحدهما. قوتها الحقيقية تقاس بقدرة الحزب على الحضور داخل الجهات والأقاليم والجماعات، وفهم الفوارق بين المجال الحضري والقروي وبين المركز والأطراف.
وقد سمحت التجارب الانتخابية المتعاقبة للأصالة والمعاصرة ببناء شبكة مهمة من المنتخبين والفاعلين المحليين.
وهذه الخبرة الترابية ليست مجرد رأسمال انتخابي؛ إنها مصدر معرفة سياسية.
فالمنتخب المحلي الذي يواجه يومياً مشكلات الماء والنقل والتعمير والاستثمار والطرق والتعليم والصحة يعرف، بصورة مباشرة، أين تنتهي فعالية القرار المركزي وأين تبدأ صعوبات التنفيذ.
وعندما تنتقل هذه الخبرة من الجماعة والإقليم والجهة إلى البرلمان والحكومة، فإنها تساعد على إنتاج سياسة أكثر واقعية وأقل انفصالاً عن المجتمع.
التنوع الاجتماعي بدل الحزب أحادي الهوية
إحدى نقاط القوة الأخرى في تجربة البام هي صعوبة اختزاله في فئة اجتماعية واحدة.
فداخله يلتقي المنتخب المحلي بالإطار، ورجل الأعمال بالفاعل الجمعوي، والمرأة المنتخبة بالشاب القادم حديثاً إلى السياسة، كما يتجاور داخله المجال الحضري والقروي ومناطق ذات خصوصيات اقتصادية واجتماعية مختلفة.
قد يجعل هذا التنوع إدارة الحزب أكثر تعقيداً، لكنه يمنحه في المقابل ميزة سياسية مهمة: القدرة على الاستماع إلى مصالح اجتماعية متعددة بدل الارتهان إلى قاعدة واحدة مغلقة.
والأحزاب التي تطمح إلى قيادة الحكومات لا يمكن أن تكون أحزاب فئة واحدة؛ لأن الحكومة مطالبة بإدارة مصالح مجتمع كامل.
ومن هذه الزاوية، فإن التنوع الفئوي والترابي داخل الأصالة والمعاصرة يمكن أن يتحول إلى أحد أهم مؤهلاته إذا استطاع الحزب تحويله من مجرد تعدد في الأشخاص إلى تعدد منتج للأفكار والسياسات.
ديمقراطية داخلية لا تخشى الاختلاف
كما ينبغي التوقف عند طبيعة النقاش الذي يعرفه الحزب.
أن يستطيع عضو في المكتب السياسي أن يناقش علناً مستقبل التحالف الحكومي، وأن يطرح احتمال عدم إعادة إنتاجه، وأن يرفع سقف الطموح إلى قيادة الحكومة، دون أن يتحول ذلك تلقائياً إلى أزمة تنظيمية، يحمل في ذاته دلالة سياسية.
فالديمقراطية الحزبية لا تعني أن يتحدث الجميع بالصوت نفسه.
بل تعني أن توجد مؤسسات تحسم القرار، وفي الوقت نفسه توجد مساحة تسمح بإنتاج الأفكار والاختلاف والتنافس المشروع داخل الإطار التنظيمي.
ومن هنا تكتسب إشارة عيروض إلى أن القرار النهائي يعود إلى مؤسسات الحزب، وفي مقدمتها المجلس الوطني، أهمية خاصة: الرأي السياسي شيء، والقرار المؤسساتي شيء آخر.
وهذا التوازن بين حرية المبادرة الفكرية واحترام المؤسسات هو ما تحتاج إليه الأحزاب الحديثة.
تجربة الحكومة غيرت الحزب
لكن أهم تحول عرفه الأصالة والمعاصرة خلال السنوات الأخيرة ربما كان انتقاله من موقع القوة الانتخابية والمعارضة إلى الاختبار الفعلي للحكم.
فالوجود في الحكومة يختلف جذرياً عن إنتاج الخطاب من خارجها.
الحكومة تفرض الاختيار بين البدائل، وتفرض ترتيب الأولويات، وتفرض التعامل مع الميزانية والإدارة والإكراهات الاجتماعية والاقتصادية، كما تجعل الحزب مسؤولاً أمام المواطنين عن نتائج ملموسة وليس عن المواقف فقط.
وقد أعطت تجربة 2021–2026 للبام مدرسة سياسية لا يمكن التقليل من قيمتها.
فقد اختبر الحزب العمل الحكومي، وتحمل مسؤوليات في قطاعات أساسية، واكتسبت أطره خبرة مباشرة في تدبير الدولة والتفاوض داخل الأغلبية والتعامل مع البرلمان والمؤسسات والإدارة.
وهذه الخبرة تجعل الحزب الذي يتوجه نحو انتخابات 2026 مختلفاً عن الحزب الذي دخل انتخابات 2021.
إنه يدخلها هذه المرة وهو يعرف الدولة من الداخل، والمجال الترابي من الأسفل، والعمل البرلماني من المؤسسة التشريعية، والتنظيم السياسي من قواعده.
الثقة المؤسساتية رأسمال سياسي
ولا يمكن إغفال عنصر آخر يتعلق بما يمكن تسميته الثقة المؤسساتية.
ففي الأنظمة السياسية الحديثة لا تكفي الشعبية وحدها لقيادة الحكومة. يحتاج الحزب إلى نخبة تستطيع إدارة المؤسسات، واحترام استمرارية الدولة، وفهم حدود الاختصاصات، وتحويل الإرادة السياسية إلى قرارات قابلة للتطبيق.
وقد ساهمت المشاركة الحكومية في تعزيز هذا الجانب داخل تجربة الأصالة والمعاصرة.
فالحزب لم يعد مطالباً بإثبات أنه قادر على المشاركة في المؤسسات؛ لقد فعل ذلك بالفعل.
والسؤال الذي يمكن أن يطرحه الآن هو ما إذا كان قادراً على الانتقال من المشاركة المسؤولة في التدبير إلى قيادة التدبير.
الواقعية باعتبارها اختياراً سياسياً
ربما تكون الواقعية من الخصائص الأكثر أهمية في التجربة الحالية للحزب.
فالمجتمع المغربي تغير. ولم يعد المواطن ينتظر من الحزب السياسي بناء خطاب إيديولوجي ضخم بقدر ما ينتظر منه أجوبة قابلة للقياس حول الشغل والسكن والصحة والتعليم والماء والاستثمار والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية.
وهنا تظهر قيمة الحزب الذي يستطيع الجمع بين الرؤية السياسية والواقعية التنفيذية.
فالواقعية لا تعني غياب المبادئ، وإنما تعني القدرة على التمييز بين ما هو مرغوب وما هو ممكن، ثم توسيع دائرة الممكن عن طريق القرار السياسي.
والخبرة الحكومية والترابية المتراكمة لدى البام تمنحه فرصة لبناء مشروع من هذا النوع: مشروع لا يقوم على الوعود القصوى، وإنما على التزامات قابلة للإنجاز والمحاسبة.
لماذا يصبح طموح قيادة الحكومة مشروعاً؟
من هنا يمكن فهم عبارة عيروض بشأن ضرورة ألا يقتصر طموح الحزب في 2026 على البحث عن مكان داخل أغلبية جديدة.
إذا كان الحزب قد راكم تجربة انتخابية وترابية وبرلمانية وحكومية، واستطاع الحفاظ على قدرته على الاستقطاب والتجدد، ويملك أطراً أصبحت تعرف آليات تدبير المؤسسات، فإن الانتقال إلى الطموح لقيادة الحكومة لا يكون مغامرة خطابية، وإنما نتيجة منطقية لمسار سياسي.
فالحزب السياسي لا يتطور لكي يبقى إلى الأبد شريكاً ثانوياً.
وعندما يصل إلى درجة معينة من النضج، يصبح عليه أن يعرض مشروعه مباشرة على المواطنين ويطلب منهم تفويضاً واضحاً لتنفيذه.
وهذا بالضبط ما يجعل موقف عيروض مثيراً للاهتمام: فهو ينقل النقاش من سؤال «مع من سيتحالف البام؟» إلى سؤال أكثر طموحاً:
«لماذا لا يكون البام هو الحزب الذي تتشكل حوله الأغلبية المقبلة؟»
الاختلاف مع الحلفاء ليس إنكاراً للتجربة
من الخطأ، في المقابل، تحويل هذا الطموح إلى محاكمة للتحالف الحالي.
لقد شارك البام في تجربة 2021، ويتحمل مسؤوليتها السياسية كاملة، وله أن يدافع عن منجزاتها بقدر ما يراجع حدودها.
لكن الوفاء السياسي لا يعني الجمود.
فالتحالف الحكومي عقد سياسي مرتبط بمرحلة وبتوازن انتخابي وبرنامج محدد، وليس زواجاً دائماً بين الأحزاب.
والحزب الذي يحترم حلفاءه هو أيضاً الحزب الذي يستطيع أن يقول لهم، عند نهاية التجربة، إن نقاط الالتقاء التي أنتجت تحالف الأمس قد لا تكون كافية لإنتاج تحالف الغد.
بل إن احترام الناخب نفسه يقتضي أن تدخل الأحزاب الانتخابات بهويات واضحة، لا أن تتصرف وكأن التحالفات محسومة قبل أن يقول المواطن كلمته.
2026 ينبغي أن تكون انتخابات المشاريع لا المقاعد فقط
وهنا توجد فرصة حقيقية أمام الأصالة والمعاصرة.
فبدلاً من الدخول في منافسة تقوم فقط على عدد المقاعد وترتيب الأحزاب، يستطيع الحزب تحويل انتخابات 2026 إلى نقاش حول المشروع الذي يريد تنفيذه إذا تولى مسؤولية القيادة.
وهذا يتطلب الانتقال من تعداد الإنجازات إلى تقديم رؤية متكاملة: ما الأولويات الخمس الكبرى للحكومة؟ ماذا سيفعل الحزب خلال المائة يوم الأولى؟ كيف سيمول برامجه؟ ما رؤيته للطبقة الوسطى؟ كيف سيعالج أزمة التشغيل؟ ما تصوره للمدرسة العمومية والصحة والسكن والماء والاستثمار؟ وكيف سيعيد الثقة إلى العلاقة بين المواطن والسياسة؟
عندها تصبح القوة التنظيمية والامتداد الترابي وتشبيب النخب والتنوع الاجتماعي والخبرة الحكومية وسائل لخدمة مشروع واضح، وليست مجرد عناصر قوة انتخابية.
قوة البام الحقيقية في أنه لم يكتمل بعد
ولعل المفارقة الأكثر إثارة في تجربة الأصالة والمعاصرة أن نقطة قوته الأساسية ليست أنه وصل إلى صيغة نهائية، وإنما أنه ما يزال قادراً على التحول.
فالحزب الذي يعتبر نفسه مكتملاً يبدأ عادة في الشيخوخة.
أما الحزب الذي يسمح بظهور قيادات جديدة، ويعيد النظر في اختياراته، ويجدد أدواته، ويستوعب كفاءات من خارج دوائره التقليدية، ويقبل بأن تناقش داخله تصورات مختلفة لمستقبله، فهو حزب لا يزال يمتلك طاقة سياسية.
وهذه الحيوية قد تكون أهم ما يميز البام في مرحلة تعرف فيها السياسة، في المغرب كما في كثير من الديمقراطيات، أزمة ثقة وتجدد وتمثيل.
لكنها تضع على الحزب مسؤولية أكبر أيضاً: أن يحول هذه الحيوية إلى مؤسسات، وهذه المؤسسات إلى كفاءات، وهذه الكفاءات إلى سياسات، وهذه السياسات إلى نتائج يلمسها المواطن.
من حزب قوي داخل الأغلبية إلى حزب يطلب قيادتها
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى تجربة الأصالة والمعاصرة باعتبارها دخلت مرحلة جديدة.
لقد تجاوز الحزب اختبار البقاء، واختبار الانتشار الترابي، واختبار المعارضة، ثم اختبار المشاركة الحكومية. وراكم خلال ذلك شبكة واسعة من المنتخبين، ونخباً وأطراً وتجربة مؤسساتية وقدرة ملحوظة على التجدد والاستقطاب.
أما الاختبار المقبل فهو أصعب: اختبار القيادة.
والقيادة هنا لا تعني الحصول على منصب أو تصدر ترتيب انتخابي فقط. إنها القدرة على إنتاج مشروع حكومي يحمل بصمة سياسية واضحة، ويجمع حوله أغلبية اجتماعية قبل أن يبحث عن الأغلبية البرلمانية.
فإذا استطاع البام أن يدخل انتخابات 2026 بهذه الروح، فإن السؤال لن يعود هو ما إذا كان سيشارك في الحكومة المقبلة.
سيصبح السؤال:
هل أصبح حزب الأصالة والمعاصرة، بعد سنوات من التعلم والتجدد والامتداد والممارسة الحكومية، مستعداً لأن يطلب من المغاربة الثقة ليس للمشاركة في الحكومة فحسب، وإنما لقيادتها؟
إن هذا الطموح لا ينتقص من تجربة الأغلبية الحالية ولا من شركائها، بل يعبر عن التطور الطبيعي لأي حزب حي يؤمن بأن لديه رؤية وأطراً وتجربة تستحق أن تعرض مباشرة على الناخب.
فالتحالفات تأتي بعد الانتخابات، أما المشروع والثقة والشرعية فيأتي مصدرها أولاً من المواطن.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو النقاش الذي فتحه عيروض دعوة إلى القطيعة بقدر ما يبدو تعبيراً عن شيء أعمق: حزب يتحرك، يراجع نفسه، يجدد نخبه، يتعلم من الحكم، ويستعد للانتقال من منطق إثبات القدرة على المشاركة إلى منطق إثبات القدرة على القيادة.











