تأتي انتخابات 2026 في لحظة سياسية تفرض إعادة النظر في علاقة الشباب بالسياسة والأحزاب والمؤسسات المنتخبة. فالانتخابات ليست مجرد موعد لاختيار ممثلين داخل المؤسسات، وإنما محطة أساسية لطرح سؤال أكبر: كيف نعيد الشباب إلى قلب الحياة السياسية، ونحول مشاركته من حضور موسمي إلى مشاركة حقيقية في صناعة القرار؟
إن الحديث عن عزوف الشباب عن السياسة لا ينبغي أن يختزل في عدم التصويت أو ضعف الانخراط الحزبي. فالشباب حاضر بقوة في المجتمع، وفي الجمعيات والرياضة والثقافة والعمل التطوعي والفضاء الرقمي ومختلف المبادرات المدنية. وبالتالي، فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا لا يهتم الشباب؟ وإنما لماذا لا تتحول هذه الطاقة دائما إلى مشاركة سياسية ومؤسساتية منظمة؟
الشاب المغربي اليوم يريد أن يفهم ويناقش ويعرف ماذا ستقدم له السياسة في حياته اليومية. يريد فرصا في التعليم والتكوين والعمل، وفضاءات للرياضة والثقافة، ويريد أن يشعر بأن صوته مسموع وأن مشاركته يمكن أن تحدث فرقا.
لذلك فإن التعامل مع الشباب باعتباره مجرد كتلة انتخابية لا يمكن أن ينتج إلا مزيدا من المسافة بينه وبين العمل الحزبي. فالشباب لا يرفض السياسة بالضرورة، وإنما قد يرفض أحيانا الطريقة التي تقدم بها السياسة إليه.
عندما يتم استدعاء الشاب فقط خلال فترة الانتخابات ويقتصر دوره على الحضور في التجمعات أو الحملات أو نشر الصور، فإنه سيشعر بأن دوره مؤقت ومحدود. أما عندما يصبح شريكا في النقاش ومشاركا في إعداد البرامج ومؤهلا لتحمل المسؤولية، فإن علاقته بالسياسة تتحول من المتابعة إلى المشاركة ومن التردد إلى الفعل.
وهنا يظهر الدور الحقيقي للأحزاب السياسية، ومن بينها حزب الأصالة والمعاصرة، في بناء جيل جديد من الكفاءات السياسية. فالحزب السياسي لا ينبغي أن يكون مجرد آلة انتخابية، بل مؤسسة للتأطير والتكوين وإنتاج الأفكار وتجديد النخب.
ومن هذا المنطلق، فإن شبيبة الأصالة والمعاصرة مطالبة، إلى جانب باقي التنظيمات الشبابية الحزبية، بأن تجعل من التأطير السياسي عملا مستمرا لا نشاطا مرتبطا فقط بالاستحقاقات الانتخابية.
فالشبيبة الحزبية الحقيقية هي التي تفتح أمام الشباب فضاءات للتكوين والحوار والنقاش، وتساعدهم على فهم القوانين والمؤسسات والحكامة الترابية والسياسات العمومية والتواصل السياسي، وتمنحهم فرصة حقيقية للتعبير عن أفكارهم والمساهمة في صياغة الحلول.
نحن بحاجة إلى شبيبات حزبية تكون مدارس حقيقية للقيادات المستقبلية؛ شبيبات لا تكتفي بالحديث عن الشباب، وإنما تستمع إليه وتشركه وتؤهله. لأن الانتقال من شباب يستقطب انتخابيا إلى شباب يمكن سياسيا، هو أحد أهم المداخل لإعادة بناء الثقة في العمل الحزبي.
وفي هذا الإطار، يكتسي الفحص أنجرة أهمية خاصة. فالمنطقة ليست مجرد مجال انتخابي، وإنما منطقة تعرف تحولات متسارعة بحكم موقعها الجغرافي والاستراتيجي، وتعيش مجموعة من التحديات المرتبطة بالنقل والتعليم والتكوين والتشغيل والبنيات الرياضية والثقافية والخدمات الأساسية، إضافة إلى موضوع الهجرة ومستقبل الأجيال الصاعدة.
وشباب الفحص أنجرة ليس بعيدا عن الشأن العام كما قد يعتقد البعض. فهناك شباب حاضر في العمل الجمعوي والرياضي والثقافي والتطوعي، وطاقات تشتغل بشكل يومي من أجل الأطفال والشباب والمجتمع.
وهذه الدينامية تؤكد أن الطاقات موجودة، وأن المطلوب هو توفير قنوات حقيقية لتحويل هذه الطاقة المدنية إلى قوة اقتراحية وسياسية قادرة على المساهمة في التنمية المحلية.
ومن هنا تأتي أهمية شبيبة الأصالة والمعاصرة بالفحص أنجرة باعتبارها جزءا من المشهد الشبابي والسياسي المحلي، ومساحة يمكن من خلالها فتح النقاش مع الشباب حول مستقبل المنطقة وقضاياها وانتظارات سكانها.
فالشباب داخل الحزب لا ينبغي أن يكون مجرد رقم تنظيمي، بل قوة اقتراحية وحاضرا في النقاش الداخلي والمبادرات الميدانية وبناء التصورات والبرامج.
كما أن خصوصية الفحص أنجرة تفرض إعطاء أهمية خاصة للشباب القروي. فالشاب الذي يعيش في دوار بعيد قد تكون له انتظارات مختلفة عن الشاب الذي يعيش في مركز حضري. النقل والمسافة والولوج إلى التعليم والتكوين والفضاءات الرياضية والثقافية وفرص العمل، كلها قضايا تؤثر بشكل مباشر في علاقة الشباب بالمؤسسات وبالمجال الذي يعيش فيه.
لذلك لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في الفحص أنجرة دون وضع الشباب القروي في قلب السياسات العمومية المحلية، ولا عن العدالة المجالية دون عدالة حقيقية في فرص الشباب، سواء تعلق الأمر بالتكوين أو التشغيل أو الرياضة أو الثقافة أو المشاركة في الحياة العامة.
ومن القضايا التي يجب أن تحضر كذلك في النقاش قضية الهجرة. فموقع المنطقة يجعل هذا الموضوع قريبا من واقع الشباب، لكن معالجة الهجرة لا ينبغي أن تقتصر على المقاربة الأمنية، لأنها ترتبط أيضا بالأمل والفرص والمستقبل.
عندما يبحث الشاب عن فرصة للعمل أو التكوين أو تحسين ظروف حياته، فهو في النهاية يبحث عن أفق. ولهذا فإن مواجهة أسباب الهجرة تمر أيضا عبر خلق فرص حقيقية داخل المنطقة، ودعم المبادرات الشبابية، وتشجيع المشاريع، وتطوير التكوين، وتقوية الأنشطة الرياضية والثقافية، وخلق فضاءات تجعل الشاب يشعر بأن له مستقبلا داخل منطقته.
أما الحديث عن استحقاقات 2026، فيجب أن يقودنا أيضا إلى الحديث عن تجديد النخب. وتجديد النخب لا يعني فقط تقديم وجوه شابة، فالشباب وحده ليس معيارا كافيا، كما أن الأقدمية وحدها ليست معيارا كافيا.
المطلوب هو الجمع بين الخبرة والكفاءة والطاقة الجديدة.
نحتاج إلى شباب يمتلك المعرفة، وله حضور حقيقي داخل المجتمع، ويفهم مشاكل منطقته، وقادر على التواصل مع المواطنين ومستعد لتحمل المسؤولية. فالموقع السياسي ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لخدمة الناس والدفاع عن مصالحهم وتحويل انتظاراتهم إلى برامج قابلة للتنفيذ.
وفي الفحص أنجرة تحديدا، فإن تجديد النخب يجب أن يرتبط بتجديد طريقة التفكير في التنمية المحلية. فالمنطقة تحتاج إلى كفاءات قادرة على قراءة التحولات التي تعرفها، واستثمار موقعها وإمكاناتها لصالح السكان، والدفاع عن قضايا الإقليم داخل المؤسسات بعيدا عن الحسابات الضيقة والشخصنة.
كما أن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تبدأ وتنتهي يوم الاقتراع. فالانتخابات مرحلة من مراحل المشاركة وليست المشاركة كلها.
المواطن يمارس السياسة عندما يناقش قضايا منطقته، ويتابع المشاريع، ويطرح الأسئلة، وينخرط في المجتمع المدني، ويراقب أداء المؤسسات والمنتخبين، ويساهم في اقتراح الحلول.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي في استحقاقات 2026 يجب ألا يكون فقط حول عدد المقاعد التي سيحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما حول قدرتنا على إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة.
والثقة لا تبنى بالشعارات، وإنما بالقرب من المواطن والإنصات إليه والوضوح معه والوفاء بالالتزامات وربط الخطاب بالفعل.
ومن مسؤولية حزب الأصالة والمعاصرة وشبيبته أن يساهموا في هذا المسار من خلال الاستثمار في الشباب وتأهيل الكفاءات وتشجيع المبادرة وفتح المجال أمام الطاقات الجديدة وربط العمل السياسي بالعمل الميداني.
فالشباب الذي يشتغل داخل المجتمع ويعرف مشاكل الناس يجب أن يجد الطريق مفتوحا أمامه للمساهمة في المؤسسات وصناعة القرار.
وفي المقابل، فإن الشباب نفسه مطالب بتحمل مسؤوليته. فلا يمكن أن نطالب بتجديد الحياة السياسية دون أن نساهم نحن في هذا التجديد، ولا يمكن أن نطالب بالثقة دون أن نثبت بالعمل أننا قادرون على تحمل المسؤولية.
المشاركة السياسية تتطلب القراءة والتكوين والحضور والنقاش والعمل الميداني، وليس فقط انتظار الفرصة.
إن الفحص أنجرة بحاجة إلى خطاب سياسي جديد؛ خطاب يحترم عقل المواطن، ويضع مصلحة المنطقة فوق الحسابات الشخصية، ويجعل المنافسة السياسية حول البرامج والأفكار والكفاءة.
فالاختلاف السياسي أمر طبيعي في الديمقراطية، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة اجتماعية أو عداء شخصي. فالانتخابات تنتهي، لكن المنطقة تبقى، والمنافسة تنتهي، لكن الجيران والأصدقاء والعائلات يستمرون في العيش معا.
ولهذا فإن السياسة التي نريدها للفحص أنجرة هي سياسة تجمع ولا تفرق، وتتنافس حول الحلول لا حول الخصومات، وتبحث عن المشترك بدل تكريس الانقسام.
إن استحقاقات 2026 يجب أن تكون فرصة للانتقال من شباب يستقطب انتخابيا إلى شباب يمكن سياسيا، ومن شباب يستعمل في الحملات إلى شباب يشارك في صناعة البرامج والقرارات، ومن شبيبات حزبية موسمية إلى شبيبات تشكل مدارس حقيقية للتكوين السياسي.
والفحص أنجرة يمكن أن يكون نموذجا في هذا المسار، ليس لأنه يملك كل الإجابات، وإنما لأنه يملك طاقات شبابية قادرة على البحث عن الإجابات وصناعة الحلول.
وما نحتاجه اليوم هو أن نفتح أمام هذه الطاقات الأبواب، وأن نؤمن بأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يبنى دون إشراك شبابها.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن يرافقنا ونحن نتجه نحو استحقاقات 2026 ليس فقط: من سيفوز؟
بل السؤال الأهم هو: ماذا سنربح من هذه الانتخابات؟
إذا ربحنا مقاعد دون أن نربح ثقة الشباب، فسنكون قد حققنا جزءا من الهدف فقط.
أما إذا استطعنا أن نجعل شابا يؤمن بأن صوته مهم، وأن مشاركته مؤثرة، وأن السياسة يمكن أن تكون وسيلة لخدمة الناس، وأن الكفاءة قادرة على الوصول إلى مواقع القرار، فسنكون قد ربحنا شيئا أكبر من الانتخابات.
سنكون قد ربحنا جيلا جديدا للحياة السياسية؛ جيلا يؤمن بأن الفحص أنجرة تستحق الأفضل، وأن مستقبلها لا ينتظر، وإنما يصنع بالمشاركة والعمل والمسؤولية.
المنسق الإقليمي لشبيبة الأصالة والمعاصرة بإقليم الفحص أنجرة (*)











