قدم فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، توضيحات بشأن الإجراءات الاجتماعية والضريبية الواردة في مشروع قانون المالية، الذي يوجد قيد المناقشة بلجنة المالية بمجلس النواب، شارحًا اللبس الذي أحاط تخفيف الضريبة على الدخل، وتغيير طريقة احتساب المؤشر لاستحقاق الدعم الاجتماعي المباشر، زيادة على التكفل بفواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم ورفع المعاشات.
وأكد فوزي لقجع خلال حلوله ضيفًا على برنامج “ساعة الصراحة” بالقناة الثانية، أن هذه التدابير ترتكز بالأساس على تحسن المداخيل الضريبية، وبالتوجه إلى توسيع تدخل الدولة لفائدة الطبقة المتوسطة والأسر الهشة والمتقاعدين، مميزا في حديثه بين إصلاحات يراد إقرارها ضمن مسار يمتد لخمس سنوات، وتدابير للدعم تتحمل الدولة كلفتها، وورش إصلاح أنظمة التقاعد الذي قال إن مرحلة اتخاذ القرار بشأنه أصبحت قريبة.
ضريبة الدخل.. أين يكمن الإصلاح؟
أوضح لقجع الإصلاح المرتقب أن يطرأ على الضريبة على الدخل، معتبرا أن تحسن الموارد الضريبية يتيح القيام بمجهود إرادي لفائدة الفئات التي ظلت تؤدي الضريبة عن طريق الحجز في المنبع لفترات طويلة، وخاصة الطبقة المتوسطة، التي قال إنها تحتاج إلى “إجراءات حقيقية”.
وفي شرح بنية الإصلاح، تحدث الوزير عن الانتقال من خمسة أشطر إلى ثلاثة وهي 0 و10 و20 و30 في المئة، موضحا أن الاستفادة من الأشطر تتم بصورة متدرجة، إذ يستفيد الجميع من الشطر الأول، ثم يخضع الجزء الموالي من الدخل للشطر الثاني، وبعده الثالث عند تجاوز المستوى المحدد ثم الرابع.
ويعني هذا التدرج أن الانتقال إلى شطر أعلى لا يجعل الدخل كله خاضعًا للنسبة الأعلى؛ فالاستفادة من الأشطر الأولى تبقى قائمة، بينما تطبق النسبة الموالية على الجزء الذي يتجاوز حدود الشطر الذي يسبقه.
وعن سبب الإبقاء على نسبة 30 في المئة، بدل خفضها إلى 20 في المئة كما ورد في الالتزام الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة،، أحال لقجع على العلاقة بين الضريبة على الدخل والضريبة على الشركات.
وقال إن الضريبة على الشركات بالنسبة إلى الفئة التي يقل رقم معاملتها عن 100 مليون درهم تبلغ 20 في المئة، بينما يصل العبء، بعد توزيع الأرباح، إلى 28 في المئة، مضيفا أنه “إذا خفضت الضريبة على الدخل إلى 20، كل هذه الشركات ستتحول إلى هذه النسبة”، أي أن الإشكال يكمن في الفارق بين العبء الضريبي على دخل الأشخاص والعبء على أرباح الشركات عند توزيعها، وما قد ينتج عنه من انتقال إلى الصيغة الأقل كلفة ضريبية.
وأكد أن خفض النسبة إلى 20 في المئة يظل هدفًا مطروحًا، قائلًا: “نريد في هذه الأشهر أن نجد الحل التقني لنخفض الشطر الأخير من الضريبة على الدخل إلى 20 في المئة”، مشددًا على أن الحكومة لا تريد تأخير باقي الإصلاح إلى حين تسوية هذه المسألة، ولهذا طرحت الإصلاح بصيغته الحالية.
من يستفيد من تخفيف الضريبة على الدخل؟
وبخصوص الإعفاء، ذكر لقجع رفع المبلغ المعفى من 40 ألفًا إلى 60 ألف درهم، وربط ذلك بإعفاء دخل يبلغ 10 آلاف درهم، وبوصول نسبة المعفيين إلى 87 في المئة.
وعرض الوزير أمثلة لتقريب أثر الإصلاح، موضحًا أن من يحصل حاليًا على 11 ألف درهم صافية سيصل دخله في نهاية يناير المقبل إلى 11 ألفًا و500 درهم، أي بزيادة قدرها 500 درهم، مردفا أن الزيادة ستبلغ، مع مرور السنوات الخمس المقبلة، 885 درهمًا، بما يقرب هذا الدخل من 11 ألفًا و900 درهم.
وأورد مثالًا آخر لمن يتقاضى 25 ألف درهم، قائلًا إن الزيادة ستبلغ 4969 درهمًا، مقابل 3420 درهمًا لمن يتقاضى 20 ألف درهم، في سياق حديثه عن تنزيل الإصلاح خلال الولاية الحكومية.
وشدد لقجع على أن الحكومة تريد إقرار الإصلاح مرة واحدة، مع تنزيل إجراءاته على امتداد خمس سنوات، قائلًا: “المهم أن الإصلاح سنصادق عليه مرة واحدة ولن نتراجع عنه”، ومؤكدًا أن الأمر يتعلق بإجراءات تغطي السنوات الخمس.
الدعم المباشر ومنطق المؤشر الجديد
وفي الدعم الاجتماعي المباشر، أعلن وزير الاقتصاد تغييرًا في العلاقة بين الاستفادة من الدعم وحصول أفراد الأسرة على عمل، مؤكدا أن “الدعم لن يربط بالشغل”.
وأوضح أن الأسرة التي يحصل فرد أو فردان منها على وظيفة ستواصل الاستفادة من الدعم المباشر إلى أن يتجاوز دخلها المستويات التي تخرجها من الهشاشة، مشددا على أن العامل الحاسم سيكون مستوى دخل الأسرة وقدرته على تحسين وضعها، وليس مجرد الحصول على عمل.
وقال لقجع إن المستفيدين ينبغي تشجيعهم على البحث عن العمل، مؤكدا أن الدعم سيستمر في الوصول إليهم ومساعدتهم خلال هذه العملية.
وربط الوزير استمرار الاستفادة بمراجعة مؤشر الاستهداف، مستحضرًا الانتقال الذي تحقق، في عهد الحكومة السابقة، من الاعتماد على الشواهد الإدارية لتحديد الفئات الفقيرة إلى اعتماد مؤشر يستند إلى معطيات عن استهلاك الأسر ووضعها.
لكنه اعتبر أن هذا المؤشر قد يؤدي إلى إقصاء أسر فقيرة بسبب نفقات لا تعكس تحسنًا دائمًا في دخلها، وضرب مثالًا بشخص يقتني هاتفًا للتواصل مع والدته المريضة في المستشفى، معتبرًا أن مثل هذا الإنفاق قد يؤثر في استحقاق الدعم، رغم بقاء الأسرة في الوضع الاجتماعي نفسه.
وأبرز المسؤول الحكومي أن الحكومة “ستغير المؤشر وتجعله مبنيًا على دخل الأسرة”، موضحًا أن السؤال الذي ينبغي أن يوجه الاستهداف هو ما إذا كانت مداخيل الأسرة تسمح فعلًا بخروجها من الهشاشة.
واستحضر لقجع مسألة التصريح بالمداخيل في القطاعين المهيكل وغير المهيكل، مشيرًا إلى تجارب قال إن الأشخاص يصرحون فيها حتى بعدم تحقيق أي دخل، وربط ذلك بالحاجة إلى تصور واضح عن موارد الأسر، يسمح بالحكم على وضعها انطلاقًا من الدخل.
وأكد أن الغاية هي تفادي إقصاء أسر لأسباب غير موضوعية، وضمان استمرار استفادتها ما دامت لم تتجاوز مستوى الهشاشة.
وأشار لقجع إلى أن الزيادة في الدعم المباشر ستكلف 3 مليارات درهم سنويًا، مشيرا إلى أن عدد المستفيدين يبلغ أكثر من 4 ملايين أسرة، أي أكثر من 12 مليون مغربي باحتساب ثلاثة أفراد لكل أسرة.
وشدد على أن أهمية الإجراء لا تقتصر على الزيادة المالية، بل تشمل تغيير شروط استمرار الاستفادة، حتى لا تفقد الأسرة الدعم بسبب حصول أحد أفرادها على عمل محدود الدخل، أو بسبب نفقة طارئة لا تعبر عن تحسن وضعها.
وفي تفسيره لمنطق مواصلة الدعم، تساءل عن البديل المتاح تجاه الأسر التي لا تتوفر على دخل وتعيش في ظروف صعبة، وقال: “هل تتدخل الدولة لمساعدتها على الخروج من الهشاشة، أم تتركها في وضع قد يستمر طويلًا؟”.
واعتبر أن استمرار الهشاشة يحمل بدوره كلفة اقتصادية واجتماعية، لأن بقاء هذه الأسر خارج الدورة الاقتصادية يعني خسارة قيمة مضافة وقوة عاملة يمكن إدماجها.
وربط لقجع استمرار الدعم بسياسة أوسع لإدماج الشباب وتعزيز أدوار الدولة الاجتماعية، موضحًا أن تصور الحكومة يشمل المساعدة على تجاوز الهشاشة والإدماج الاقتصادي.
رفع المعاشات تتحمل الدولة وليس صناديق التقاعد
ووصف لقجع وضعية أصحاب المعاشات التي تتراوح بين 1000 و1100 درهم بأنها “هشاشة مقنعة”، معتبرًا أن الأمر يتعلق بأشخاص اشتغلوا طوال حياتهم، ثم وجدوا أنفسهم أمام دخل تقاعدي محدود.
وقارن هذه الوضعية بالدعم الاجتماعي الذي قال إنه سيصل إلى 1000 درهم، مشيرًا إلى أن شخصًا لم يسبق له الانخراط قد يحصل على دعم يعادل ما يتقاضاه متقاعد ساهم وعمل لسنوات عن طريق الدعم الاجتماعي المباشر.
وفي هذا السياق، تحدث عن نحو 500 ألف متقاعد من القطاع الخاص، معتبرًا أن هذه الفئة تحتاج إلى شروط دنيا للعيش، وأن الحكومة حددت هدفًا يتمثل في وصول الحد الأدنى إلى 3000 درهم.
وأوضح أن الرفع سيكون تدريجيًا، بدءًا من 1700 درهم في يناير المقبل، ثم الانتقال إلى 2000 درهم، وبعدها 2500 درهم، وصولًا إلى 3000 درهم، مقدرا كلفة التدبير بـ3 مليارات و300 مليون درهم سنويًا.
وشدد على أن هذه الزيادة لن تتحملها صناديق التقاعد، قائلًا: “هذا دعم اجتماعي وخيار للدولة”، موضحًا أن الدولة ستخصص له موارد لفائدة الفئات التي تعتبرها مستحقة.
وأضاف أن تحسين أوضاع نحو 500 ألف متقاعد يمكن أن ينعكس، عند احتساب أفراد أسرهم، على نحو مليون ونصف مليون مغربي، رابطًا الرفع التدريجي بتحسين شروط عيش هذه الفئة.
ماذا عن المعاشات التي تتجاوز 3000 درهم؟
وبخصوص المتقاعدين الذين يحصلون على أكثر من 3000 درهم، أحال لقجع على إصلاح أنظمة التقاعد، مؤكدًا أن اللجنة التقنية اشتغلت على الملف، وأن الحكومة ستنتقل إلى مرحلة القرار وتقديم الإصلاح في أقرب وقت.
وشدد على حماية الحقوق في تدبير إصلاح صناديق التقاعد، قائلًا: “حقوق المواطنين لن تمس”، مشددا على رفض المساس بحقوق شخص أدى التزاماته لسنوات ولم تتبق له سوى سنتان قبل التقاعد بدعوى الإصلاح.
واسترسل بالصدد ذاته: “الحقوق المكتسبة للمتقاعدين سنحافظ عليها”، مشيرًا إلى ضرورة البحث عن هوامش لمعالجة أوضاع متقاعدين لم تعرف معاشاتهم زيادة، رغم تحملهم آثار التضخم وغلاء المعيشة.
هكذا ستعفى فواتير الكهرباء دون 100 درهم
وفي الكهرباء، قال لقجع إن الإجراء يستهدف الأسر التي يقل استهلاكها المالي عن 100 درهم، إلى جانب صغار الحرفيين وفئات في العالم القروي لا تصل فواتيرها إلى هذا المستوى.
وأوضح أن الحكومة ستتكفل بهذه الفاتورة، مشبهًا أثر تحمل 100 درهم شهريًا بمنح المستفيد 1200 درهم في السنة، مشيرا إلى أن قاعدة المعلومات المتوفرة تحدد 6 ملايين زبون ضمن الفئة المعنية، يشكلون 60 في المئة من المستهلكين، مؤكدا أن الحكومة “ستمنحهم 100 درهم شهريا ليسددوا فاتورتهم حتى إن كان استهلاكهم أقل من 100 درهم”.
أما الهدف الثاني من هذا الإجراء، فيتمثل، وفق المسؤول الحكومي، في تشجيع من تتجاوز فاتورته 100 درهم على خفض استهلاكه إلى ما دون هذه العتبة للاستفادة من الإجراء.











