وضع الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان، يوم الجمعة الماضي، تنزيل اللاتمركز الإداري والجهوية المتقدمة في صلب أولويات المرحلة المقبلة، رابطا تحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج بتمكين المستوى الترابي من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
وشدد جلالة الملك في خطابه السامي أمام نواب الأمة على أنه “لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل” في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، ما يضع مسؤولية كبيرة على “حكومة المنصوري” لتسريع الإصلاح، ويمنح البرلمان أساسا لمراقبة أثره على التنمية وحياة المواطنين.
وتشير رسائل الخطاب الملكي السامي إلى أن الزمن الإداري أصبح جزءا من كلفة التعثر التنموي الذي تعيش فيه العديد من جهات المملكة، لذلك، يكتسب نقل الصلاحيات أهميته من قدرته على تقليص حلقات الموافقة وتحديد الجهة المسؤولة عن الإنجاز، مع الحفاظ على الرقابة على المال العام.
تشخيص ملكي متجدد لأعطاب اللاتمركز
ولا تعد هذه المرة الأولى التي يعطي صاحب الجلالة توجيهاته لتسريع تنزيل ميثاق اللاتمركز، إذ سبق أن دعا في رسالة إلى المناظرة الوطنية للجهوية المتقدمة سنة 2019 إلى ضرورة نقل صلاحيات القرار وتفعيل التعاقد بين الدولة والجهات، فيما سجّلت الرسالة الموجهة إلى الدورة الثانية من المناظرة سنة 2024 تأخر غالبية القطاعات الوزارية في تنزيل اللاتمركز الإداري.
وقدّمت الرسالة الملكية الموجهة إلى المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة، في 20 دجنبر 2024، تشخيصا للصعوبات التي تعترض تنزيل الجهوية الموسعة وميثاق اللاتمركز، ودعت إلى تقييم حصيلة التنفيذ ومخرجات المناظرة الأولى، وتسريع الممارسة الفعلية للاختصاصات على المستوى الترابي.
وكان أبرز ما سجلته “تأخر غالبية القطاعات الوزارية في التفعيل الحقيقي لورش اللاتمركز الإداري”، وربطت ذلك بالنقائص التي تعتري نقل اختصاصات الاستثمار إلى المصالح اللاممركزة، وما ينتج عنها من تعقيد للإجراءات أمام المستثمرين.
وشمل التشخيص أيضا عدم تدقيق وتفعيل اختصاصات الجماعات الترابية، خصوصا المجالس الجهوية، على الوجه المطلوب، واعتبرت أن التمويلات التقليدية لم تعد كافية لمواجهة التحديات، ودعت إلى ابتكار أدوات تمويلية جديدة تخفف الضغط المالي على الجهات والجماعات الترابية.
وامتد التشخيص إلى ضرورة تعزيز مشاركة المواطنين في إعداد السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها، وتطوير الرقابة والمحاسبة ومحاربة الفساد، مبرزة الحاجة إلى تخطيط جهوي أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات، مع إيلاء أهمية للإجهاد المائي وتطوير النقل والتحول الرقمي.
ويتيح هذا التشخيص قراءة التشديد الوارد في خطاب جلالة الملك في افتتاح البرلمان ضمن مسار متواصل من المطالبة بتنزيل اللاتمركز، ويجعل تقييم الإصلاح مرتبطا بما تحقق من نقل للصلاحيات وتوضيح للاختصاصات، وبأثر ذلك على الخدمات والاستثمار.
إنجاز يرتهن بموافقة المركز
تقوم الجهوية المتقدمة على تنظيم لامركزي، تضطلع فيه مجالس الجهات المنتخبة بتدبير شؤونها ضمن اختصاصاتها، وفق مبدأ التدبير الحر، أما اللاتمركز الإداري، فيتعلق بتوزيع السلط والوسائل داخل إدارة الدولة، من الوزارات المركزية إلى مصالحها في الجهات والأقاليم.
وحدّد القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الصادر سنة 2015، الإطار الأول، فيما أقرّ الميثاق الوطني للاتمركز الإداري في دجنبر 2018 قواعد المسار الثاني.
وتتضح العلاقة بينهما في تنفيذ المشاريع المشتركة؛ إذ يحتاج المجلس الجهوي إلى مخاطب ترابي من إدارة الدولة، يملك صلاحيات تسمح له بالالتزام والحسم، لأن استمرار القرارات المرتبطة بتدخل الوزارة رهينة موافقات المركز يقلل قدرة الجهة على احترام برامجها وآجالها.
وعلى هذا الأساس، تكتسب الدعوة الملكية إلى تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات بعدا عمليا يتصل مباشرة بسرعة الإنجاز.
وفي هذا السياق، سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن قدّم تشخيصا لهذه الصعوبات في تقريره الموضوعاتي المنشور سنة 2023، حيث أشار إلى أن نسبة الإجراءات المنجزة ضمن خارطة طريق اللاتمركز الإداري لم تتجاوز 32 في المئة إلى غاية شتنبر من تلك السنة، فيما معدل إنجاز خارطة طريق اللاتمركز بلغ 36 في المئة إلى منتصف أكتوبر 2024.
وربط المجلس الأعلى ضعف التنفيذ بتأخر استكمال الإطار القانوني، كما رصد صعوبات في ترسيخ ثقافة نقل صلاحيات القرار من الإدارة المركزية إلى مصالحها اللاممركزة.
4 أعطاب تؤخر نقل القرار للمستوى الترابي
يرى محمد أنوار الهزيتي، الخبير في التنمية الترابية وعضو المعهد الدولي للعلوم الإدارية، أن التعثر في تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري لا يمكن تفسيره بعامل واحد، ولا اختزاله في ضعف الإرادة السياسية وحده، لأن المشكل في اعتقاده “أعمق، لأنه يرتبط باستمرار فجوة بين الالتزامات المعلنة والإصلاحات التنظيمية المطلوبة والممارسة الإدارية اليومية”.
وتحدث الهزيتي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، عن 4 أسباب تقف وراء هذا التعثر، يتقدمها عدم استكمال المنظومة القانونية والتنظيمية اللازمة لنقل الصلاحيات فعليا، موضحا أن “الميثاق حدد التوجه العام، لكن تطبيقه يتطلب مراجعة النصوص المنظمة لاختصاصات القطاعات الوزارية، وتنفيذ الميزانية، والمحاسبة ومراقبة النفقات، وتدبير الموارد البشرية والتعيين في مناصب المسؤولية”.
وأبرز أن السبب الثاني يتجلى في استمرار تمركز جزء مهم من سلطة القرار في الإدارات المركزية، لأنه، حسب رأيه، في بعض الحالات، يتحمل المسؤول الترابي مسؤولية التنفيذ، لكنه لا يملك كامل الصلاحيات اللازمة لحسم الملفات أو تعبئة الاعتمادات أو تدبير الموارد البشرية، ما يجعل القرب الجغرافي للإدارة منفصلا عن القرب الفعلي للقرار.
أما السبب الثالث فيكمن، وفق الخبير في التنمية الترابية، في ضعف التنسيق والالتقائية بين القطاعات الوزارية على المستوى الجهوي، بما يؤدي إلى تعدد المتدخلين، وتداخل الاختصاصات، وتأخر القرارات اللازمة لإطلاق المشاريع أو استكمالها.
وأشار الهزيتي إلى أن السبب الرابع والأخير يتمثل في التفاوت في الكفاءات والقدرات التدبيرية بين المصالح الترابية، وعدم التناسب أحيانا بين المسؤوليات المسندة إليها والموارد البشرية والمالية والتقنية المتاحة لها.
عقود البرامج أمام امتحان التمويل والإنجاز
جاء الخطاب الملكي مباشرا من حيث وضع الصلاحيات والموارد في علاقة واضحة، لأن تمكين مسؤول ترابي من اتخاذ القرار يقتضي أن تتوفر لديه الاعتمادات والكفاءات اللازمة لتنفيذه، فيما توسيع اختصاصات الجهة يستلزم القدرة على إعداد الدراسات وتتبع الصفقات وتقييم المشاريع.
ويقر القانون التنظيمي للجهات بوجوب تحويل الموارد اللازمة عند نقل اختصاص من الدولة إلى الجهة؛ وهو ما يجعل المطالبة بالموارد شرطا لممارسة المسؤولية.
غير أن ميثاق اللاتمركز يثير مسألة توزيع الأدوار، إذ يمنح والي الجهة دورا محوريا في تنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للدولة تحت سلطة الوزراء المعنيين، بينما يتولى رئيس مجلس الجهة تنفيذ مداولات المجلس ومقرراته، ويتطلب التعاون بين الطرفين وضوح حدود الاختصاص ومسار اتخاذ القرار، حتى يتمكن كل طرف من أداء مهامه وتصبح المسؤولية عن التأخر قابلة للتحديد.
وفي هذا الإطار، يمكن للتعاقد بين الدولة والجهات أن يربط التخطيط بالتنفيذ، عبر تحديد المشاريع ذات الأولوية، وحصة كل طرف في التمويل، والجهة المكلفة بالإنجاز وآجاله.
يرى الهزيتي أن التعاقد بين الدولة والجهات يجب أن ينتقل من منطق تجميع الالتزامات في اتفاقيات وشراكات متعددة إلى منطق عقود برامج ملزمة، متعددة السنوات، ومبنية على التمويل المضمون والنتائج القابلة للقياس.
ويبين وجهة نظره بالقول “المشكل ليس في غياب المشاريع أو البرامج التنموية فحسب، بل في عدم تطابق الأولويات الجهوية دائما مع برمجة القطاعات الوزارية، وفي تأخر تعبئة الموارد، وفي تعدد القرارات والموافقات المطلوبة من مختلف المتدخلين”.
وأبرز الخبير ذاته أن تجربة عقود البرامج السابقة كشفت أهمية هذا التحول، إذ سجل المجلس الأعلى للحسابات أن أربع جهات أبرمت عقود برامج خلال الفترة 2020-2022، شملت 197 برنامجا ومشروعا بكلفة إجمالية بلغت نحو 23.56 مليار درهم، ومع ذلك، لم تتجاوز نسبة المشاريع المكتملة في إطار هذه العقود 9 في المئة إلى نهاية أبريل 2024، وفق التقرير السنوي للمجلس برسم 2023-2024.
وأكد الهزيتي أن هذه المعطيات تدل على أن التعاقد، مهما كانت أهميته، لا يضمن وحده التنفيذ ما لم يقترن بشروط عملية للتمويل والقرار والتتبع.
المواطن مقياس نجاح الإصلاح
ركزت رسالة جلالة الملك في خطابه الأخيرة على العمل الميداني والوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة والتخطيط نحو حاجات المواطن، مع ما يقتضيه ذلك من تشخيص يحدد الإشكالات بدقة، ثم اختيار التدخلات الأكثر إلحاحا بالتنسيق بين المؤسسات المختصة.
وبهذا الصدد، يؤكد الهزيتي أنه لا يجب قياس نجاح التوجيه الملكي بعدد الاجتماعات أو الاتفاقيات أو المخططات التي أعدت، وإنما بما سيلاحظه المواطن في حياته اليومية، وبمدى تغير المؤشرات التنموية داخل المجالات الترابية.
وشدد على أن النتائج المنتظرة ينبغي أن تتجسد في أربعة مستويات أساسية، أولها تحسين الولوج إلى الخدمات العمومية وجودتها، ثم تقليص الآجال الإدارية وتحسين مناخ الاستثمار، إضافة إلى تقليص الفوارق المجالية بصورة قابلة للقياس، فيما المستوى الرابع والأخير فيتجلى في رفع فعالية الاستثمار العمومي وتحسين استدامة المشاريع.
واقترح الهزيتي، لتحويل هذه النتائج إلى التزامات، إرساء منظومة جهوية لمؤشرات الأداء، تتضمن، على سبيل المثال، متوسط آجال معالجة الملفات الإدارية، ونسب تغطية الخدمات الأساسية، ونسب إنجاز المشاريع داخل الآجال، ومستوى استفادة المناطق الأقل تجهيزا من الاستثمار العمومي، وعدد فرص الشغل المرتبطة بالمشاريع المنجزة.
وشدد على أن نجاح العمل الميداني سيظهر عندما يشعر المواطن بأن الخدمة أصبحت أقرب وأجود، ويلاحظ المستثمر أن القرار أصبح أسرع وأكثر وضوحا، وتتمكن المناطق الأقل حظا من الاستفادة الفعلية من ثمار التنمية، مؤكدا أن “هذه هي المؤشرات الحقيقية للنجاح، وليس حجم الخطاب المؤسساتي المحيط بالإصلاح”.











