لم يحسم حزب التقدم والاشتراكية إلى حدود اليوم الثلاثاء، موقعه النهائي بين المشاركة في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري والتموقع في المعارضة، لكن التقرير الذي وضعه أمينه العام محمد نبيل بنعبد الله أمام الدورة الاستثنائية للجنة المركزية حمل ما هو أبعد من مجرد عرض خيارين على “برلمان الحزب”.
بنعبد الله، وبين حديثه عن “الأجوبة المطمئنة” التي تلقاها الحزب خلال المشاورات و”التجاوب الكبير والتطابق العميق” و”نقط الالتقاء البرنامجية” وصولا إلى “أجواء الثقة” و”الإرادة في بناء توجه إصلاحي جديد ومشترك” كشف عن مستوى متقدم وغير مسبوق من التقارب مع رئيسة الحكومة المكلفة، حتى وإن ظل القرار التنظيمي والسياسي بشأن المشاركة مؤجلا إلى حين اتضاح الصورة النهائية للتحالف والبرنامج الحكومي.
واللافت أن بنعبد الله ربط بنفسه تطور النقاش داخل المكتب السياسي بهذه المشاورات، فبعد خمسة اجتماعات عقدتها قيادة الحزب في أسبوع واحد، بدأت وفق عرضه، بـ”تباينات كبيرة” حول الموقع الذي ينبغي أن يتخذه الحزب وقال إن المواقف تقاربت لاحقا وإن هذا التقارب “تغذّى بالأجوبة المطمئنة من قبل محاورينا”.
عبارة تختزل جانبا مهما مما جرى خلف أبواب المشاورات، فالتقدم والاشتراكية لم يحصل بعد على كل العناصر التي تسمح له بإعلان المشاركة، لكنه بحسب أمينه العام، حصل على أجوبة دفعت مواقف قيادته إلى التقارب.
والأهم أن هذه اللغة لا تأتي في فراغ سياسي، فقبل عشر سنوات فقط كان مجرد وضع “الكتاب” و”الجرار” داخل تحالف حكومي واحد مستبعدا بالنسبة إلى بنعبد الله نفسه، وبين رفض 2016 وحديث 2026 عن “التطابق العميق” مرت العلاقة بين الحزبين بمراحل من الصدام والمراجعة والانفتاح قبل أن تصل اليوم في عهد فاطمة الزهراء المنصوري إلى اختبار المشاركة في تجربة حكومية واحدة.
2026..حين كان التحالف مستبعدا
لفهم المسافة التي قطعتها العلاقة بين التقدم والاشتراكية والأصالة والمعاصرة لا بد من العودة إلى 2016، حين كان الخلاف بين الحزبين يتجاوز التنافس الانتخابي إلى اختلاف واضح في قراءة المشهد السياسي وشروط التحالف داخله.
في مارس من تلك السنة، وقبل أشهر من الانتخابات التشريعية، استبعد محمد نبيل بنعبد الله وجود حزبه و”البام” داخل حكومة واحدة، وقال إن “التعامل مع الأصالة والمعاصرة في إطار حكومي هو مسألة مستبعدة” رابطا موقفه بما سماه آنذاك استمرار الظروف التي دفعت التقدم والاشتراكية إلى اتخاذ موقفه من الحزب، فيما لم يغلق بنعبد الله الباب نظريا أمام تغير الموقف مستقبلا، لكنه كان واضحا في أن شروط ذلك التغيير لم تكن متوافرة سنة2016.
وبحلول يوليوز، خرج الخلاف من دائرة التحالفات المحتملة إلى مواجهة سياسية مباشرة، فحينها بنعبد الله وصف “البام” بـ”حزب التحكم الذي يشكل خطرا على الدولة والمجتمع” وكان ذلك موقف الأمين العام للتقدم والاشتراكية في سياق سياسي شديد الاستقطاب قبيل انتخابات 7 أكتوبر، ولا يصح فصله عن اصطفاف حزبه في تلك المرحلة إلى جانب العدالة والتنمية داخل الأغلبية الحكومية.
لكن اللافت في موقف “الكتاب” آنذاك أن اختلافه المرجعي مع العدالة والتنمية لم يمنعه من الدفاع عن استمرار التحالف معه، وبنعبد الله كان يصر على توصيف العلاقة بأنها سياسية وليست أيديولوجية، ويربطها بالدفاع عن الديمقراطية ودولة المؤسسات واستمرار الإصلاح، وهذا المعطى مهم، لأنه يكشف أن معيار التحالف لدى قيادة PPS لم يكن القرب الأيديولوجي وحده، بل تقييمها للدور السياسي الذي يؤديه كل حزب في تلك اللحظة.
وقبيل الانتخابات بأيام، أعطى بنعبد الله للموقف بعدا آخر يتعلق بالمصداقية أمام الناخبين، ففي حوار نشره الموقع الرسمي لحزبه، رفض أن يقول التقدم والاشتراكية شيئا خلال الحملة ثم يفعل نقيضه بمجرد ظهور نتائج الاقتراع “المواطنون استمعوا إلينا نصرح وندافع عن أشياء، ولا يمكن أن نأتي غدا بعد الانتخابات ونقول بأن كل شيء ممكن” وعندما طُرح عليه “البام” تحديدا، أجاب بأن “الظروف اليوم لا تسمح بأن نسير في هذا الاتجاه”.
وفي هذا الإطار، أوضح مصدر قيادي في حزب التقدم والاشتراكية، لـAM+MEDIA، أن موقف الحزب في تلك المرحلة “لم يكن نابعا من استحالة الجمع بين الحزبين من الناحية المرجعية” وإنما كان، بحسبه، نتيجة “تقييم سياسي لدور الأصالة والمعاصرة وموقعه في تلك المرحلة” واستدل المصدر بكون التقدم والاشتراكية كان يخوض، في الوقت نفسه تجربة حكومية إلى جانب العدالة والتنمية رغم الاختلاف المرجعي والأيديولوجي بين الحزبين، وهي تجربة كان “الكتاب” يقدمها آنذاك باعتبارها تحالفا سياسيا مرتبطا بمتطلبات المرحلة.
وبحسب المصدر ذاته، فإن تغير العلاقة مع “البام” في السنوات اللاحقة لم يكن يستدعي من التقدم والاشتراكية مراجعة مرجعيته بقدر ما ارتبط بتغير المعطيات السياسية التي تأسس عليها موقفه السابق، ويضع المصدر سنة 2020 ضمن المحطات الأساسية في هذا المسار، بالتزامن مع التحولات التي عرفتها قيادة الأصالة والمعاصرة وهي المرحلة التي بدأ فيها بنعبد الله نفسه يتحدث علنا عن “المراجعات” التي قام بها “البام” قبل أن ينتقل النقاش تدريجيا من استبعاد التحالف إلى اعتباره خيارا سياسيا ممكنا.
2020عندما تغيرت شروط العلاقة
التحول ظهر بوضوح بعد المؤتمر الوطني الرابع للأصالة والمعاصرة في فبراير 2020 وانتخاب عبد اللطيف وهبي أمينا عاما للحزب، فالجديد لم يكن أن التقدم والاشتراكية انتقل مباشرة من الخصومة إلى التحالف بل أن بنعبد الله بدأ يراجع الأسباب السياسية التي استند إليها في 2016 لاستبعاد أي عمل حكومي مشترك.
في غشت 2020، قدم بنعبد الله قراءة صريحة لتاريخ العلاقة، ووصف ما كان يجمع الحزبين بأنه لم يكن “سليما ولا هادئا” وتحدث عن “تشنجات واصطدامات” طبعت سنوات سابقة، لكنه في التصريح نفسه سجل تغيرا في علاقته بالقيادة الجديدة، قائلا: “جرت مياه كثيرة تحت جسر هذه العلاقات” متحدثا عن علاقات جديدة قال إن الطرفين استطاعا بناءها.
الأهم كان تفسيره لأسباب هذا التحول، فبنعبد الله لم يقل إن خلافات الماضي أصبحت بلا معنى، وإنما ربط موقفه بما وصفه بـ”المراجعة الجريئة” التي قام بها الأصالة والمعاصرة “قبل وأثناء وبعد مؤتمره الوطني الأخير” وبالنسبة إليه، كانت هناك متغيرات داخل الحزب وفي طريقة تعامله مع بقية الفاعلين السياسيين تسمح بإعادة بناء العلاقة على قواعد مختلفة.
وهذا التقدير لم يبق في حدود المجاملات بين قيادتين، فقد كانت أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتقدم والاشتراكية، الموجودة حينها في المعارضة، قد بدأت تنسق في عدد من الملفات، ومن بينها إعداد مذكرة مشتركة حول الانتخابات وبنعبد الله نفسه استحضر هذا التنسيق دليلا على إمكانية الانتقال بالعلاقة إلى مستوى سياسي أكثر انتظاما.
في دجنبر من السنة نفسها، أصبح الموقف أكثر وضوحا، عندما أعلن بنعبد الله أنه صلا وجود لخطوط حمراء” في تحالفات حزبه المستقبلية وقال إن التحالف مع الأصالة والمعاصرة أصبح واردا ولم يترك أسباب هذا التحول للتأويل، بل ربطه مباشرة بما اعتبره تغيرا في توجه “البام” مع قيادته الجديدة، قائلا إن وهبي أعطى الحزب “شحنة مغايرة تماما للتوجه السابق”.
هنا حدث التحول الفعلي في العلاقة، ففي 2016 كان بنعبد الله يقول إن الظروف لا تسمح بالتحالف، وفي 2020 أصبح يعتبر أن هذه الظروف تغيرت بما يكفي لإسقاط “الخط الأحمر” ولم يكن الأمر تقاربا أيديولوجيا بين الحزبين ولم يعلن أي منهما ذوبان اختلافاته مع الآخر، وإنما أعيد تعريف موقع “البام” في حسابات التقدم والاشتراكية.
والتحول لم يكن أحاديا، فالقيادة الجديدة للأصالة والمعاصرة كانت بدورها تتحرك في اتجاه إنهاء سياسة الخصومات المغلقة وبعد انتخابه أمينا عاما أعلن وهبي أنه لا يؤمن بـ”الخطوط الحمراء” في العلاقة مع الأحزاب وفتح قنوات التواصل مع قوى كانت العلاقة معها شديدة التوتر بما فيها العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية وفي يوليوز 2020، قال إنه اعتذر لزعماء أحزاب سياسية عن أخطاء ارتكبها “البام” في السابق.
2021.. التنسيق يصبح ممارسة سياسية
مع اقتراب انتخابات 2021، أصبح التقارب قابلا للقياس بالممارسة، وليس على مستوى التصريحات لوحدها، ففي أبريل من تلك السنة، كان بنعبد الله يتحدث علنا عن “التحالف الحالي” الذي يجمع حزبه بالاستقلال والأصالة والمعاصرة في المعارضة، موضحا أن هناك مسارا مشتركا بين الأحزاب الثلاثة، وإن كان النقاش داخل التقدم والاشتراكية بشأن التحالفات المستقبلية لم يحسم بعد
هذه المرحلة مهمة لأنها وضعت حدا لفكرة أن الانفتاح على “البام” كان مرتبطا فقط بعلاقة شخصية جيدة بين بنعبد الله ووهبي والتنسيق أصبح بين أحزاب ومؤسسات وامتد إلى ملفات سياسية وانتخابية، بينما احتفظ كل حزب باستقلاله التنظيمي والبرنامجي.
ومع ذلك، لم يتحول التقارب إلى التزام مسبق بتحالف حكومي، وعشية انتخابات شتنبر 2021، كان بنعبد الله حريصا على إبقاء القرار مرتبطا بنتائج الاقتراع وطبيعة البرنامج والتحالف الممكن، مؤكدا أن التقدم والاشتراكية يريد التحالف مع “الأنسب والأصلح” وأن حزبه “لن يدخل الحكومة بأي ثمن”.
القيادة الجماعية.. اختلاف المواقع لم يُعد العلاقة إلى التوتر
عندما انتقل الأصالة والمعاصرة في فبراير 2024، من الأمانة العامة الفردية إلى صيغة القيادة الجماعية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، كان الحزبان يقفان في موقعين سياسيين مختلفين “البام” جزء من الأغلبية الحكومية، والتقدم والاشتراكية في المعارضة.
لكن هذا الاختلاف وعلى الرغم من مغادرة وهبي صديق بنعبد الله الأمانة العامة لـ “الجرار” لم يُترجم إلى عودة للمواجهة التي طبعت سنوات ما قبل 2020، فالخلافات التي عبر عنها التقدم والاشتراكية تجاه السياسات الحكومية ظلت موجهة أساسا إلى الحصيلة والاختيارات العمومية وحزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة، ولم يظهر في خطاب قيادته تجاه “البام” ما يعيد إنتاج القطيعة السياسية التي جعلت بنعبد الله يعتبر التحالف معه “مستبعدا” سنة 2016.
وهذا المسار لم يبدأ مع القيادة الجماعية نفسها، فقد سبقته إعادة بناء للعلاقة منذ 2020، عندما تحدث بنعبد الله صراحة عن “العلاقات الجيدة” التي استطاع الحزبان بناءها، وعن رغبته في علاقات أعمق تقوم على التنسيق والتشاور والتعاون، رابطا ذلك بما سماه آنذاك “المراجعة الجريئة” التي قام بها الأصالة والمعاصرة.
وفي 2022، رغم انتقال “البام” إلى الأغلبية وبقاء “الكتاب” في المعارضة، ظلت العلاقة الشخصية والسياسية بين قيادتيهما بعيدة عن منطق الخصومة عبد اللطيف وهبي تحدث علنا عن استمرار الصداقة مع بنعبد الله “رغم اختلاف المواقع” فيما أثنى بنعبد الله بدوره على وهبي في المناسبة نفسها.
وقال مصدر قيادي في حزب التقدم والاشتراكية لـAM+MEDIA إن انتقال الأصالة والمعاصرة إلى تجربة القيادة الجماعية لم يغير طبيعة العلاقة التي استقرت بين الحزبين خلال السنوات الأخيرة، موضحا أن “العلاقة ظلت قائمة على الاحترام المتبادل والتواصل، رغم اختلاف موقعينا، نحن في المعارضة والبام في الأغلبية، وهذا لم يكن يمنع أن نختلف في ملفات وأن نلتقي في أخرى”
وأوضح المصدر أن “مرحلة التوتر التي عرفتها العلاقة في سنوات سابقة أصبحت متجاوزة منذ مدة، ولم نكن خلال تجربة القيادة الجماعية أمام حاجة إلى إعادة بناء العلاقة من جديد، وكانت هناك علاقة طبيعية واحترام متبادل لاستقلالية القرار السياسي لكل حزب، ولذلك عندما بدأت مشاورات تشكيل الحكومة لم نبدأ من نقطة الصفر”
وأضاف المتحدث: “الحزب بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري لطالما حافظ على هذا الاستقرار أيضا في العلاقة بين الحزبين”.
والوقائع الحالية تعطيها سياقا مهما، ففي أول لقاء للمشاورات يوم 30 شتنبر لم يتحدث بنعبد الله عن مصالحة أو تجاوز خلافات بين الحزبين وإنما دخل مباشرة إلى مضمون المرحلة وأعلن في الندوة الصحافية التي أعقبت لقاءه برئيسة الحكومة المعينة وجود “نقاط التقاء مختلفة بين الحزبين وبرنامجيهما الانتخابيين” كما تحدث عن اتفاق على أولوية الوضع الاجتماعي ووضع الإنسان في قلب السياسات إلى جانب التنمية الاقتصادية.
2026..الاختبار الحكومي الأول
بعد عشر سنوات، لم تعد العلاقة أمام فرضية نظرية، فنتائج انتخابات 2026 وضعت الأصالة والمعاصرة في موقع قيادة مشاورات تشكيل الحكومة، ووضعت التقدم والاشتراكية أمام قرار عملي يفرض طرح سؤال هل يمكن للتقارب الذي بدأ سياسيا سنة 2020 أن يصل إلى المشاركة في حكومة تقودها فاطمة الزهراء المنصوري؟
منذ اللقاء الأول، لم يخف بنعبد الله وجود أرضية مشتركة، وتحدث عن نقاط التقاء بين الحزبين وبرنامجيهما، لكنه أبقى موقفه معلقا على عناصر أخرى، بينها البرنامج الحكومي وهوية بقية الأحزاب التي ستشكل الأغلبية.
واليوم الثلاثاء أمام اللجنة المركزية، قدم معطى إضافيا يخص ما جرى خلال المفاوضات نفسها، وهو خمسة اجتماعات للمكتب السياسي خلال أسبوع “تباينات كبيرة” في البداية، ثم تقارب في المواقف قال إنه “تغذى بالأجوبة المطمئنة من قبل محاورينا”
وهنا بنعبد الله لا يتحدث فقط عن حسن استقبال أو لقاء إيجابي، بل عن “تجاوب كبير وتطابق عميق” مع الرؤية التي يحملها حزبه، و”نقط التقاء برنامجية” ولقاءات جرت في “أجواء الثقة” وعزم على بناء “توجه إصلاحي جديد ومشترك”.
ومع ذلك، لا تسمح هذه العبارات بالقفز إلى نتيجة أن التقدم والاشتراكية حسم المشاركة، فالأمين العام نفسه وضع خيار المعارضة أمام اللجنة المركزية ووصفه بأنه قابل للنقاش وله مبرراته كما وصف المشاركة بالخيار الصعب كما أن موقفه السابق يجعل تركيبة الأغلبية والبرنامج النهائي عنصرين في القرار، وليس فقط طبيعة علاقته الجيدة بالمنصوري ووهبي أو بـ”البام”











