وضعت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة المشاركة السياسية والعدالة المجالية وأوضاع العالم القروي في صلب اللقاء التواصلي الثاني لمبادرة “أنا كاين” المنظمة تحت شعار ” أنا كاين.. صوت” في محطة جاءت في الأمتار الأخيرة من الحملة الانتخابية لتشريعيات 23 شتنبر، وحملت خطابا موجها أساسا إلى الشباب بشأن معنى التصويت وطبيعة العلاقة التي يفترض أن تربط الناخب بالمرشح بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
اللقاء لم يتوقف عند الدعوة إلى المشاركة في الانتخابات بل انتقل إلى مناقشة ما بعدها، من خلال طرح مفهوم “العقد” بين الناخب والمنتخب وربط الاختيار الانتخابي بالتزامات تمتد لخمس سنوات، بالتوازي مع الدفاع عن حضور أكبر لقضايا العالم القروي داخل البرامج والسياسات العمومية، خصوصا في مجالات القدرة الشرائية والصحة والخدمات الأساسية.
وتوزعت المداخلات بين صلاح الدين عبقري رئيس منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، وسلمى أبلحساين، وكيلة اللائحة الجهوية للحزب، وسعد أسريفي عضو المكتب التنفيذي للمنظمة، فيما شكل الشباب والعالم القروي والعدالة بين المجالات الخيط الناظم لمختلف الكلمات.
عبقري: لا نريد “عقدا” ينتهي يوم الاقتراع
صلاح الدين عبقري اختار أن يبدأ مداخلته بفصل مبادرة “أنا كاين” عن الظرفية الانتخابية وحدها، مؤكدا أن اللقاءات التي تنظمها الشبيبة ليست مرتبطة حصرا بالحملة الجارية، وأن المنظمة تعتزم مواصلة هذه الدينامية بعد الانتخابات، بما في ذلك تنظيم لقاءات أكبر في المجال القروي وإقليم شفشاون.

وسعى عبقري إلى وضع المبادرة ضمن مسار أوسع من يوم الاقتراع، وإن كان اللقاء ينعقد في قلب الحملة الانتخابية وقبل أيام قليلة من توجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في مجلس النواب، وما سيترتب عن نتائج الانتخابات من تشكيل الأغلبية الحكومية المقبلة، وقال رئيس منظمة شباب “البام” إن الأولوية، قبل الحديث عن الحزب أو المرشح الذي سيختاره الناخب، ينبغي أن تكون للمشاركة نفسها، داعيا الشباب إلى عدم التعامل مع يوم التصويت باعتباره موعدا يمكن تجاوزه أو تركه للآخرين.
وفي هذا السياق، وجه عبقري رسالته إلى المترددين في المشاركة، معتبرا أن تخصيص جزء من يوم الاقتراع للتوجه إلى مكتب التصويت هو الحد الأدنى المطلوب من المواطن الراغب في أن يكون له صوت في تحديد الاختيارات السياسية للسنوات المقبلة.
لكن الجزء الأبرز في مداخلته ارتبط بالطريقة التي قدم بها العلاقة بين الناخب والمرشح، إذ وصف عملية التصويت بأنها “عقد” قبل أن يميز بين ما سماه “العقد الغالي” و”العقد الرخيص”
وبحسب عبقري، فإن “العقد الغالي” هو ذلك الذي لا ينتهي بوضع ورقة التصويت في الصندوق، وإنما يقوم على التزامات واضحة تمتد لخمس سنوات كاملة، ويختار فيه المواطن مرشحا أو حزبا بناء على البرنامج وما قدمه سابقا وقدرته على الترافع عن قضايا الناخبين وتنفيذ الالتزامات التي تقدم بها.
ومن هذا المنطلق، دعا الشباب إلى التدقيق في اختياراتهم قبل التصويت، والنظر إلى المرشح ومساره وما قدمه وطبيعة البرنامج الذي يحمله ومدى إمكانية تنزيله على أرض الواقع، حتى يتحول التصويت في نهاية المطاف إلى أساس للمحاسبة السياسية.
وقال عبقري إن قيمة هذا النوع من “العقود” تكمن في أن المواطن يستطيع العودة إلى المنتخب بعد نجاحه ومساءلته عما وعد به، لأن العلاقة بين الطرفين لم تنته يوم الانتخابات، وإنما بدأت منه وتمتد طوال الولاية الانتدابية.
في المقابل، حذر رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة مما سماه “العقد الرخيص” أي التصويت المبني على مصلحة ضيقة أو منفعة ظرفية تنتهي بانتهاء يوم الاقتراع واعتبر أن هذا النوع من العلاقة يجعل إمكانية المحاسبة لاحقا ضعيفة، لأن أساس الاختيار نفسه لم يكن برنامجا أو التزاما سياسيا يمتد لسنوات.
وبالنسبة لعبقري، فإن الرهان الذي ينبغي أن يؤطر المشاركة السياسية هو بناء علاقة طويلة المدى بين المواطنين والمرشحين والأحزاب، تسمح للناخب، بعد الانتخابات، بأن يسأل المنتخب عن التزاماته وحصيلته وما تحقق منها.
أبلحساين: العدالة المجالية تبدأ من تقليص المسافة بين القرية والمدينة
من جهتها، وضعت سلمى أبلحساين وكيلة اللائحة الجهوية لحزب الأصالة والمعاصرة، ملف العدالة المجالية في مقدمة مداخلتها، معتبرة أن تقليص الفوارق بين العالمين القروي والحضري يظل أحد التحديات الأساسية المطروحة على العمل السياسي.
وأعربت أبلحساين عن اعتزازها بالحضور الشبابي القادم من العالم القروي بإقليم شفشاون، معتبرة أن تنمية هذه المجالات تحتاج إلى إشراك شبابها في النقاش السياسي وفي تحديد الأولويات المحلية، بدل التعامل معهم باعتبارهم مجرد متلقين للقرارات والسياسات.

وقالت إن الإقليم في حاجة إلى عمل جماعي يضع تنمية العالم القروي في صلب الأولويات، موجهة رسالة إلى شباب المنطقة مفادها أن يد المنظمة والحزب “مفتوحة” للعمل معهم، مقابل انخراطهم بدورهم في بناء تصور تنموي يخدم الإقليم.
وتوقفت أبلحساين عند تحول وصفته بالدال داخل صفوف جزء من الشباب، مشيرة إلى أن اللقاء عرف حضور وجوه كانت في السابق متخوفة من الاقتراب من السياسة، قبل أن تختار اليوم المشاركة والحضور في النقاش.
وربطت المتحدثة هذا التحول بالفلسفة التي قامت عليها مبادرة “أنا كاين”، موضحة أن منظمة الشباب اختارت منذ نسختها الأولى، أن يكون الحوار مع الشباب عبر الشباب أنفسهم، وليس من خلال خطاب عمودي يقدم لهم مواقف جاهزة.
وفي هذا السياق، أكدت أبلحساين أن التصور الذي تدافع عنه لا يقوم على البحث عن “أتباع” وإنما عن شباب قادرين على اتخاذ قراراتهم السياسية عن وعي واقتناع.
وبالنسبة إليها، فإن انخراط الشاب في السياسة ينبغي أن يكون نتيجة فهم ووعي بالاختيارات، لا مجرد اصطفاف تنظيمي، مشددة على أن العمل السياسي الذي تتصوره المنظمة يقوم على “الغيرة الوطنية” والالتزام والانضباط وتحمل المسؤولية.
أسريفي ينقل النقاش إلى الأسعار والوسطاء
أما سعد أسريفي، عضو المكتب التنفيذي لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، فنقل النقاش من المشاركة السياسية إلى عدد من المقترحات الاجتماعية والاقتصادية التي يحملها البرنامج الانتخابي للحزب، مركزا بصورة خاصة على انعكاسها المحتمل على ساكنة العالم القروي.
واستهل أسريفي هذا الجزء من مداخلته بملف الأسعار، معتبرا أن معالجة ارتفاعها تمر وفق تصور الحزب، عبر مراجعة حلقات التوزيع الموجودة بين المنتج والمستهلك، خصوصا عندما تتسبب كثرة الوسطاء في رفع الكلفة التي يتحملها المواطن في نهاية السلسلة.
وتحدث في هذا السياق عن تصور يقوم على إحداث شركات جهوية للتوزيع في حال ترؤس الحزب للحكومة المقبلة، مقدما هذا المقترح باعتباره إحدى الآليات التي يقترحها “البام” لإعادة تنظيم مسالك التوزيع والحد من أثر الوسطاء بين الفلاح أو المنتج والمستهلك.
واختار أسريفي ربط هذه المسألة مباشرة بالعالم القروي، بالنظر إلى طبيعة إقليم شفشاون الذي يغلب على أجزاء واسعة منه الطابع القروي، لينتقل بعدها إلى ملف آخر يتعلق بكلفة الخدمات الأساسية على الأسر.
وفي هذا الإطار، عرض أسريفي مقترح الحزب المتعلق بالكهرباء في العالم القروي، موضحا أن البرنامج يقترح تحمل الدولة فاتورة الكهرباء عن الأسر القروية عندما لا تتجاوز قيمتها 100 درهم.
وقدم عضو المكتب التنفيذي لشبيبة “البام” هذا الإجراء باعتباره جزءا من تصور أوسع يستهدف ساكنة القرى، وليس إجراء معزولا في محاولة لربط النقاش حول القدرة الشرائية بالخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية للمجالات القروية.

كما توقف عند طريقة إعداد البرنامج الانتخابي للحزب، قائلا إنه جاء نتيجة اشتغال كفاءات وأبناء وبنات الحزب ومن بينهم الشباب، وليس نتيجة تفويض صياغته إلى مكاتب دراسات خارجية، بحسب تعبيره.
ومن القدرة الشرائية، انتقل أسريفي إلى واحد من أكثر الملفات ارتباطا بالفوارق المجالية، وهو الصحة، حيث اعتبر أن استمرار التفاوت في الولوج إلى الخدمات الصحية بين سكان المدن الكبرى والمواطنين في الأقاليم والمناطق القروية يمثل إحدى صور الاختلال المجالي التي ينبغي معالجتها واستحضر في هذا السياق وضع إقليم شفشاون، متسائلا عن استمرار اختلاف ظروف الاستفادة من المستشفى العمومي بين مواطن يعيش في الإقليم وآخر يقيم في الدار البيضاء أو الرباط.
وأكد أن الرهان، من وجهة نظره، هو أن يجد المواطن في شفشاون مستشفى عموميا يقدم خدمات تليق بساكنة الإقليم، وأن تصبح الخدمات الصحية الأساسية والمتخصصة أقرب إلى المواطنين، عوض اضطرارهم إلى تحمل كلفة التنقل والمسافات بحثا عن العلاج.

وخصص أسريفي جزءا من مداخلته لوضع النساء الحوامل في الجماعات القروية، واضعا الولوج إلى خدمات طب النساء والتوليد ضمن المؤشرات العملية التي ينبغي أن تقاس بها العدالة المجالية في قطاع الصحة.
وبالنسبة إليه، فإن الحديث عن تقليص الفوارق بين المدينة والقرية لا يمكن أن يظل عنوانا عاما، بل ينبغي أن يترجم إلى قدرة المرأة الحامل في جماعة قروية على الوصول إلى خدمات التوليد والرعاية الطبية دون أن تتحول المسافة بينها وبين الطبيب أو المستشفى إلى عائق أمام حقها في العلاج.











