كلما مرت الأيام، تكاثرت التحليلات والتأويلات بشأن التشكيلة الحكومية المقبلة. والمثير للاستغراب أن بعض المحللين، الذين كانوا إلى وقت قريب يتشبثون بضرورة التحليل العميق والموضوعي، أصبحوا اليوم يقفزون مباشرة إلى الاستنتاجات والخلاصات، ثم يبنون عليها طرحهم وتحليلهم، في حين أن المنطق العلمي والعقلاني يقتضي العكس تماما: أن ننطلق من المعطيات والتحليل لنصل إلى الخلاصات، لا أن نحدد الخلاصات مسبقا ثم نبحث عما يبررها.
ومن بين التحليلات التي تكررت مؤخرا، تلك التي تدعي أن حزب الأصالة والمعاصرة يسعى إلى التحالف مع مكونات «الكتلة» بحثا عن شرعية سياسية. ولتفكيك هذا الطرح، لا بد من الانطلاق من فرضيته الأولى: هل يريد الپام فعلا التحالف مع «الكتلة»؟
لنفترض بداية أن هذه الفرضية صحيحة، ولنطرح بعض الأسئلة البسيطة: هل يوجد اليوم تحالف سياسي قائم بين أحزاب الكتلة؟ الجواب لا. هل يوجد، على الأقل، تنسيق سياسي يجمع هذه المكونات؟ الجواب أيضا لا. هل يتفاوض الپام مع هذه الأحزاب باعتبارها كتلة سياسية واحدة، أم يحاور كل حزب منها على حدة؟ الواقع أنه يحاورها بشكل منفصل.
إذن، نحن أمام ثلاثة أحزاب سياسية مختلفة، يتفاوض معها الپام كل على حدة، ولسنا أمام تحالف مع مكون سياسي موحد أو كتلة قائمة. وبالتالي، لا نحتاج إلى كثير من التفكيك للوصول إلى بطلان الاستنتاج الثاني، المتعلق بالبحث عن الشرعية السياسية، ما دامت الفرضية التي بُني عليها غير صحيحة أصلا. ثم إن الشرعية السياسية لا تُستمد من التحالفات وحدها، بل تُبنى عبر سنوات من العمل السياسي والمعارضة، ومن خلال مشروع مجتمعي وبرنامج انتخابي واضحين، وتُكرَّس في صناديق الاقتراع، وهي كلها مقومات يتوفر عليها حزب الأصالة والمعاصرة.
فما الذي يبحث عنه الپام حقيقة خلال هذه المفاوضات؟
أولا، يبحث الپام عن تشكيل حكومة سياسية مصغرة، حتى وإن كان ذلك سيجعل أغلبيته أقل راحة من الناحية العددية. فمن الواضح أن الحزب يعطي الأولوية لانسجام التحالف الحكومي وفعاليته السياسية على حساب البحث عن أغلبية عددية واسعة ومريحة، قد يصعب معها تحقيق الانسجام المطلوب في تدبير المرحلة المقبلة.
ثانيا، ينطلق الپام في اختياراته وتحالفاته من مرجعيتين أساسيتين:
المرجعية الأولى هي احترام إرادة الناخبين ونتائج صناديق الاقتراع. فمن هذا المنطلق، يفضل الحزب عدم التحالف مع من فقد نحو 30% من مقاعده، ويعطي الأولوية للأحزاب التي حافظ لها الناخبون على مكانتها ووزنها السياسي والانتخابي.
أما المرجعية الثانية، فتتمثل في البحث عن تحالفات قائمة على التقارب الإيديولوجي والبرنامجي، والانسجام في الرؤية المجتمعية. وهو ما يفسر، إلى حد كبير، اختيار الحزب التفاوض مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، باعتبارهما حزبين تقدميين وحداثيين يتقاطعان معه في عدد من التوجهات والاختيارات المجتمعية.
وتزداد أهمية هذا الاختيار إذا استحضرنا البلوكاج الذي واجهه عبد اللطيف وهبي في ملفات إصلاحية كبرى، وعلى رأسها تعديل مدونة الأسرة ومراجعة القانون الجنائي، وما عرفه مسارهما التشريعي من عراقيل، كان من بين أسبابها غياب الانسجام الكافي بين مكونات التحالف الحكومي السابق في ما يتعلق ببعض القضايا المجتمعية. كما أن هذا الاختيار يجد تفسيره في البعد الاجتماعي واليساري الذي يحمله البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، والذي يمكن أن يشكل أرضية مشتركة لبناء تحالف حكومي منسجم.
ولا ينبغي إغفال عامل سياسي آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالبروفايلات والكفاءات السياسية التي تتوفر عليها هذه الأحزاب الثلاثة، وقدرتها على خوض النقاش السياسي والمؤسساتي، ومواجهة معارضة يُنتظر أن تكون قوية، والترافع عن الاختيارات الحكومية والدفاع عنها سياسيا وبرلمانيا وإعلاميا.
وبالتالي، فإن ما يبحث عنه الپام ليس إعادة إحياء «الكتلة»، ولا استعارة شرعية سياسية من أي طرف، بل بناء أغلبية سياسية متماسكة داخل حكومة مصغرة، تجمعها تقاطعات برنامجية وإيديولوجية ومجتمعية واضحة، وتتوفر على القدرة السياسية اللازمة لتنزيل الإصلاحات والدفاع عنها.
وهنا يكمن الفرق بين من يبحث عن تحالف حسابي لتشكيل أغلبية مريحة، ومن يبحث عن تحالف سياسي لتشكيل حكومة منسجمة.











