أعادت التوجيهات الملكية الداعية إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، خاصة في مجالات الأمن الطاقي والمائي والغذائي والتعجيل بتطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية، ملف السيادة الطاقية إلى صدارة الأولويات الوطنية، في ظرفية سياسية يستعد فيها حزب الأصالة والمعاصرة لقيادة الحكومة المقبلة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، مستندا إلى برنامج انتخابي يتضمن التزامات محددة لتأمين الإمدادات الطاقية وتقوية مساهمة الطاقات المتجددة في الاستهلاك الكهربائي الوطني.
ويكشف الرجوع إلى البرنامج الانتخابي للحزب “من أجل تغيير المسار.. كْلمة وحْدة” عن تقاطع مباشر بين التوجيهات التي أكدها الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة، والالتزام السابع عشر الذي أدرجه الأصالة والمعاصرة ضمن “ميثاق الأمان” والذي يقوم على ضمان مخزون من المحروقات يغطي ثلاثة أشهر من الاستهلاك الوطني، وتسريع إنجاز استراتيجية الطاقات المتجددة للرفع من نسبتها في الاستهلاك الكهربائي من 46 إلى 52 في المائة.
ويكتسي هذا الالتزام أهمية سياسية خاصة، بالنظر إلى أن الحزب الذي قدم هذه الأهداف إلى الناخبين أصبح معنيا، من موقع قيادة الحكومة المقبلة بترجمتها إلى اختيارات تنفيذية، في وقت جدد فيه الملك محمد السادس التأكيد على ضرورة تعزيز قدرة المملكة على مواجهة المخاطر المرتبطة بتأمين المواد الأساسية، وتطوير الاستراتيجيات الكفيلة بحماية الاقتصاد الوطني من التقلبات الخارجية.
ولا ينحصر الرهان الذي يطرحه البرنامج الانتخابي في الرفع من إنتاج الكهرباء المتجددة، بل يشمل أيضا تأمين المحروقات باعتبارها موردا أساسيا لاستمرار النشاط الاقتصادي، بما يجعل السيادة الطاقية مرتبطة بقدرة الدولة على ضمان انتظام الإمدادات، والحد من آثار اضطرابات الأسواق الدولية على الإنتاج والنقل والأسعار.
ثلاثة أشهر من المحروقات.. التزام انتخابي في صلب التوجيهات الملكية
خصص حزب الأصالة والمعاصرة الشق الأول من التزامه السابع عشر لضمان مخزون من المحروقات يغطي الاستهلاك الوطني لمدة ثلاثة أشهر، واضعا بذلك هدفا كميا واضحا في مجال الاحتياطات الاستراتيجية.
ولم يقتصر البرنامج الانتخابي على تحديد المدة المستهدفة، بل أورد بعض الوسائل التي يقترح الحزب اعتمادها لتحقيقها، من خلال استغلال الخزانات المتوفرة، وإلزام المستوردين بالتوفر على مخازن خاصة ذات طاقة استيعابية كافية، إلى جانب تفعيل مراقبة صارمة لضمان تزويد السوق في الظروف العادية.
ويكشف هذا التوجه عن اختيار يقوم على توزيع المسؤوليات بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين. فبينما تتولى السلطات العمومية وضع القواعد التنظيمية ومراقبة احترامها، يتحمل المستوردون جزءا من مسؤولية توفير القدرات اللازمة للتخزين وتأمين استمرارية التزويد.
وتبرز أهمية هذا الالتزام في طبيعة المخاطر التي تواجه الاقتصادات المستوردة للمحروقات، إذ لا تقتصر الاضطرابات الدولية على ارتفاع الأسعار، وإنما قد تمتد إلى سلاسل الإمداد وطرق النقل البحري وتكاليف الشحن والتأمين، بما يجعل توفر مخزون كاف عاملا أساسيا في حماية السوق الداخلية.
غير أن الانتقال إلى احتياطي يغطي ثلاثة أشهر يقتضي معالجة مجموعة من الجوانب التنظيمية والمالية، تتعلق بحجم الاستهلاك الوطني، وسعات التخزين المتوفرة، والاستثمارات المطلوبة لتوسيعها، فضلا عن شروط توزيع المخزون وتجديده ومراقبته.
كما أن إلزام المستوردين بالتوفر على قدرات تخزين كافية يطرح مسألة الكلفة الاقتصادية لهذا الالتزام، وكيفية توزيعها بين الفاعلين، ومدى انعكاسها على أسعار المحروقات في السوق الوطنية.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى ارتباط المحروقات بقطاعات النقل والصناعة والفلاحة والخدمات، حيث تنتقل تقلبات أسعار الطاقة إلى تكاليف الإنتاج والتوزيع، وتنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على القدرة الشرائية للأسر.
ومن هذه الزاوية، لا يتعلق الالتزام الانتخابي بمجرد رفع كمية المحروقات المخزنة، وإنما بتقوية قدرة الاقتصاد الوطني على الاستمرار في ظروف الاضطرابات الخارجية، وهو ما يمنحه ارتباطا مباشرا بالدعوة الملكية إلى تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية.
المخزون الاستراتيجي.. مسؤولية الدولة والتزامات المستوردين
يحمل اختيار الأصالة والمعاصرة إلزام المستوردين بتوفير مخازن خاصة دلالة تتصل بطبيعة تدخل الدولة في سوق المحروقات.
فالبرنامج الانتخابي لا يقدم الدولة باعتبارها الجهة التي ستتولى وحدها شراء المخزون وتخزينه، وإنما يقترح الاستفادة من القدرات المتوفرة لدى الفاعلين، مع تعزيز التزاماتهم ومراقبة مدى احترامها.
ويقتضي هذا الاختيار إطارا تنظيميا يحدد مستويات المخزون المطلوبة وشروط احتسابها والجهات المكلفة بالمراقبة، والجزاءات المترتبة عن الإخلال بالالتزامات، حتى لا يبقى هدف الأشهر الثلاثة مرتبطا بإعلانات الشركات أو بقدرات تخزين نظرية.
كما يفرض التمييز بين السعة الإجمالية للخزانات والمخزون الفعلي المتاح، لأن توفر منشآت قادرة على استيعاب كميات كبيرة لا يعني بالضرورة وجود احتياطي جاهز للاستعمال عند حدوث اضطراب في الإمدادات.
ويبرز هنا أحد أهم التحديات التي ستواجه الحكومة المقبلة، والمتمثل في تحويل الالتزام الانتخابي إلى منظومة قابلة للتتبع والتقييم، عبر مؤشرات دقيقة تشمل عدد أيام الاستهلاك التي يغطيها المخزون الفعلي، وتوزيع القدرات التخزينية، ومدى انتظام عمليات التزويد.
ولا ينفصل هذا الجانب عن الدور الرقابي للسلطات العمومية، الذي يمنحه البرنامج الانتخابي موقعا مركزيا من خلال التنصيص على مراقبة صارمة لضمان تزويد السوق في الظروف العادية.
وتسمح هذه المقاربة بقراءة الالتزام من زاوية أوسع، ترتبط بقدرة الدولة على استباق الأزمات بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع اضطرابات في الأسعار أو الإمدادات.
52 في المائة من الطاقات المتجددة.. الشق الثاني من السيادة الطاقية
إلى جانب تأمين المحروقات، يتضمن الالتزام السابع عشر تعهدا بتسريع إنجاز استراتيجية الطاقات المتجددة، والرفع من نسبتها في الاستهلاك الكهربائي من 46 إلى 52 في المائة، وفق الأرقام التي أوردها البرنامج الانتخابي.
ويعكس الجمع بين الاحتياطات الاستراتيجية والطاقات المتجددة داخل التزام واحد طبيعة الرهان الذي يطرحه الحزب؛ فتأمين المحروقات يستجيب لحاجيات الاقتصاد الحالية، بينما يستهدف تطوير الطاقات المتجددة تعزيز مساهمة الموارد الوطنية في تلبية الطلب على الكهرباء.
ويكتسي هذا الاختيار أهمية اقتصادية بالنسبة إلى المغرب، الذي يتوفر على إمكانات شمسية وريحية مهمة، ويواصل تطوير قدراته في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة.
غير أن تحقيق النسبة المستهدفة لا يرتبط فقط بإنجاز محطات إضافية، بل يتطلب ضمان مساهمة هذه المحطات في تغطية الاستهلاك الكهربائي بصورة منتظمة، بالنظر إلى أن الإنتاج الشمسي والريحي يتأثر بالظروف الطبيعية، بينما يستمر الطلب على الكهرباء طوال اليوم.
وتطرح هذه المعادلة ضرورة مواكبة التوسع في الإنتاج المتجدد بتطوير البنيات التحتية الكهربائية وتحسين قدرة الشبكة على استيعاب الإنتاج ونقله نحو مراكز الاستهلاك.
كما يظل تقييم الالتزام مرتبطا بتحديد المؤشر المعتمد بصورة دقيقة، بالنظر إلى اختلاف حصة الطاقات المتجددة في القدرة الكهربائية المركبة عن حصتها في الإنتاج الفعلي أو الاستهلاك الكهربائي.
وقد اختار البرنامج الانتخابي صياغة ترتبط بالاستهلاك الكهربائي، وهو ما يجعل تتبع تنفيذ الالتزام مرتبطا بقياس المساهمة الفعلية للكهرباء المتجددة في تلبية الحاجيات الوطنية، وليس فقط بحجم القدرات الإنتاجية التي يجري الإعلان عن إنجازها.
ويكتسي هذا التمييز أهمية بالنسبة إلى الحكومة المقبلة، لأن ارتفاع عدد المحطات أو قدرتها المركبة لا يمثل، بمفرده، دليلا كافيا على تحقق النسبة التي تعهد بها الحزب أمام الناخبين.
بين أمن الإمدادات والانتقال الطاقي.. معادلة الولاية المقبلة
تكشف قراءة الالتزام السابع عشر عن رهان مزدوج، يقوم على تأمين حاجيات المغرب من المحروقات خلال السنوات المقبلة، وتسريع تطوير مصادر الكهرباء المتجددة بما يساهم في تقليص التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية.
ولا يتعلق الأمر بمسارين متعارضين، إذ يستمر الاقتصاد الوطني في الاعتماد على المحروقات في قطاعات أساسية، بينما يحتاج توسيع استعمال الكهرباء المتجددة إلى استثمارات ووقت وقدرات تقنية وتنظيمية.
ومن ثم، فإن بناء أمن طاقي أكثر متانة يقتضي تدبير الحاجيات الحالية دون إبطاء التحول نحو مصادر إنتاج أقل ارتباطا بالواردات.
ويضع هذا التوجه الحكومة المقبلة أمام ضرورة تحقيق التوازن بين الاستثمارات المطلوبة لتوسيع المخزون الاستراتيجي، وتلك اللازمة لتطوير المنظومة الكهربائية، مع المحافظة على استقرار التزود وتنافسية الأسعار.
كما يبرز البعد الاقتصادي لهذا الالتزام عند ربطه بتكاليف الإنتاج الصناعي والنقل والخدمات، إذ يشكل توفر الطاقة واستقرار كلفتها أحد العوامل المؤثرة في قرارات الاستثمار وقدرة المقاولات على المنافسة.
وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة الملكية إلى الارتقاء بالقطاع الخاص إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي أهمية إضافية، بالنظر إلى الدور الذي يمنحه البرنامج الانتخابي للمستوردين في توفير قدرات التخزين، فضلا عن الحاجة إلى تعبئة الاستثمارات اللازمة لمواصلة تطوير الطاقات المتجددة.
“ميثاق الأمان”.. السيادة الطاقية ضمن التزامات مالية للبام
أدرج الأصالة والمعاصرة الالتزام المتعلق بالأمن الطاقي ضمن “ميثاق الأمان”، الذي خصص له غلافا إجماليا قدره 50 مليار درهم، ويضم أربعة التزامات ترتبط بالأمن الاستراتيجي في مجالات الطاقة والماء والغذاء والعلم والتكنولوجيا.
ويأتي هذا الميثاق ضمن البرنامج الانتخابي “من أجل تغيير المسار.. كْلمة وحْدة” الذي يتضمن خمسة مواثيق وعشرين التزاما، بكلفة إجمالية معلنة تبلغ 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات.
ولا يمثل مبلغ 50 مليار درهم ميزانية مخصصة حصريا للطاقة، وإنما الغلاف الإجمالي المعلن لـ”ميثاق الأمان” بمختلف التزاماته، وهو تمييز ضروري عند قراءة الكلفة المالية للبرنامج.
ويكشف إدراج الطاقة ضمن هذا الميثاق عن اعتبار أمن الإمدادات والانتقال نحو المصادر المتجددة جزءا من أولويات الاستقرار الاقتصادي، بالنظر إلى انعكاساتهما على النشاط الإنتاجي والأسعار وقدرة الاقتصاد على مواجهة الاضطرابات الخارجية.
غير أن تحويل الالتزامات إلى سياسات عمومية سيحتاج إلى تحديد الاعتمادات المخصصة لكل إجراء ومصادر التمويل، والجدولة الزمنية للتنفيذ، فضلا عن توزيع المسؤوليات بين القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والفاعلين الخواص.
وتكتسي هذه التفاصيل أهمية خاصة بالنسبة إلى الالتزام المتعلق بمخزون المحروقات، الذي يتطلب استثمارات وقدرات تخزين فعلية، وكذلك بالنسبة إلى هدف الطاقات المتجددة الذي يرتبط بمشاريع متعددة وآجال إنجاز مختلفة.
حكومة المنصوري أمام مسؤولية التنفيذ
تمنح نتائج الانتخابات التشريعية وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة المقبلة التزامات الأصالة والمعاصرة في مجال الأمن الطاقي بعدا سياسيا جديدا، بالنظر إلى انتقال الحزب من موقع تقديم البرنامج إلى موقع قيادة السلطة التنفيذية.
فالبرنامج الانتخابي يحدد هدفين يمكن تتبعهما بصورة مباشرة، يتعلق الأول بتوفير احتياطي من المحروقات يغطي ثلاثة أشهر من الاستهلاك الوطني، فيما يرتبط الثاني برفع حصة الطاقات المتجددة في الاستهلاك الكهربائي إلى 52 في المائة.
غير أن تحقيق هذين الهدفين سيظل مرتبطا بمضمون البرنامج الحكومي الذي ستعرضه الحكومة على البرلمان، وبالاختيارات التنظيمية والمالية التي ستعتمدها، وبقدرتها على تعبئة مختلف المتدخلين في القطاع.
وتبرز أهمية هذا الانتقال في أن الالتزامات الانتخابية ستصبح موضوعا للمساءلة السياسية، سواء من حيث احترام الأهداف المعلنة أو من حيث النتائج التي ستتحقق على مستوى تأمين الإمدادات وتطوير الإنتاج الكهربائي المتجدد.
كما أن التوجيهات الملكية الأخيرة تضع هذه الملفات ضمن أولويات استراتيجية وطنية أوسع، بما يفرض على الحكومة المقبلة تسريع العمل في المجالات المرتبطة بالاحتياطات الاستراتيجية والأمن الطاقي، وتوفير شروط التنفيذ الفعلي للمشاريع والإصلاحات.











