سلط باحثون ومفكرون، اليوم الأربعاء بالرباط، الضوء على تاريخ وتطور عمارة المساجد في القدس وأرض فلسطين، وذلك خلال ندوة ثمنت هذا الإرث المعماري الذي يجمع بين الخصائص التاريخية والمعمارية والحضارية.
الندوة، التي نظمها مركز الحوار الحضاري، التابع لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “إيسيسكو”، بتعاون مع مؤسسة خالد الحسن للدراسات والأبحاث، تندرج ضمن سلسلة “العمارة والحضارة” الرامية إلى دراسة العلاقة بين العمارة والهوية والذاكرة الحضارية.
وسعى اللقاء إلى إبراز الإرث المعماري الذي تجسده عمارة المساجد في القدس وأرض فلسطين، وذلك عبر اعتماد مقاربة تتقاطع فيها مختلف الأبعاد التاريخية والمعمارية والحضارية، بمشاركة نخبة من المختصين من منظمة الإيسيسكو، إلى جانب عدد من الخبراء والباحثين المهتمين بهذا المجال.
وقال مدير مركز الحوار الحضاري، خالد فتح الرحمان، في كلمة خلال اللقاء، إن “الأبعاد المعمارية في العالم تتقدم كل يوم باطراد وتكشف عن وجه العالم الجديد، خاصة في ظل عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي”، معتبرا أن هذا الواقع “لا ينبغي أن يبعدنا عن الفكرة الأساسية المتمثلة في كون العمارة هي إحدى إفرازات التطور الحضاري”.
ولفت إلى أن ندوة اليوم تستمد أهميتها من كونها الحلقة الأولى ضمن سلسلة ممتدة يشرف عليها مركز الحوار الحضاري حول “الحضارة والعمارة”، مؤكدا أن العالم الإسلامي يمتلك حضارة غنية “نتمسك بهويتها ونعتز بها، وتمنحنا قدرة على الانفتاح على الحضارات الأخرى دون الانغلاق عليها”.
وأشار خالد فتح الرحمان في هذا الصدد إلى أن الحضارات الإنسانية أخذت من بعضها ملامح وخصائص متعددة، بما في ذلك الحضارة الإسلامية التي كان لها تأثير كبير في تاريخ وفكرة العمارة العالمية، مضيفا أن هذه الأخيرة أخذت من باقي الحضارات وامتدت لها الفتوحات لتمتزج الثقافات في ما بينها.
من جانبه، أكد رئيس مؤسسة خالد الحسن للدراسات والأبحاث، سعيد خالد الحسن، أن المعمار يشكل أحد أبرز المعالم التي ترتكز عليها الذاكرة، والهوية، ونتيجة لذلك الوجود الحضاري.
وأوضح الحسن أهمية الذاكرة المعمارية بالنسبة لأرض فلسطين بوصفها قضية أساسية لتثبيت وتأكيد الهوية، معتبرا أن “الاحتلال هو نوع من تعطيل الحياة، لكونه يقطع التواصل والاستمرارية في الحياة المجتمعية الطبيعية العادية”.
وأشار المتحدث إلى أهمية تنظيم مثل هذه اللقاءات والندوات في أفق معاينة ومواكبة النهضة التي تشهدها مجالات علم الآثار والتنقيب وإحياء المعالم العمرانية، سواء في فلسطين أو في سائر بلدان العالم الإسلامي.
بدوره، شدد الباحث الفلسطيني عبد الرازق متاني، على أن “العمارة في فلسطين ليست مجرد مباني، وإنما هي عبارة عن قصة تنطوي على علاقة الإنسان بتلك المباني، وأقوى ما تعكسه هذه العمارة لهوية الإنسان وحاضره”.
وبهذا الصدد، سجل الباحث أن الحديث عن المساجد لا ينبغي أن يقتصر على البعد الديني فقط، وإنما يجب أن يشمل كذلك البعد الحضاري الذي تكتسبه، مذكرا بأن العمارة الفلسطينية تضم الكنائس أيضا، وبالتالي ينبغي العمل على تطوير مشروع بحثي وعلمي يسلط الضوء على خصائص ومميزات العمارة الدينية المسيحية المتواجدة حاليا في أرض فلسطين.
وخلص متاني إلى أن العمارة الفلسطينية “تمثل بدون منازع عصارة العمارة والجماليات الفنية من القدس والمسجد الأقصى وغيرها من بقاع أرض فلسطين المباركة، التي تعكس مختلف جوانب وخصائص تاريخ العمارة الإسلامية ككل”.
وتميزت أشغال هذه الندوة بعرض مشروع دراسة بحثية حول “عمارة المساجد في القدس وأرض فلسطين”، لاسيما منهجيتها ومحاورها الأساسية، وكذا تبادل الملاحظات بشأنها، بما يعزز التعاون بين منظمة الإيسيسكو والمؤسسات والخبراء المهتمين بالعمارة والتراث والدراسات الحضارية.











