وضع محمد المهدي بنسعيد عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، تغيير فلسفة الدعم العمومي في صلب العرض الانتخابي لحزبه، مقترحا الانتقال من تمويل المقاولة إلى توجيه الدعم مباشرة إلى المواطن ومراجعة مؤشر الاستفادة من الدعم الاجتماعي بما قد يفتح الباب، وفق تقديرات الحزب أمام نحو مليوني مغربي إضافي، بالتوازي مع رفع الدعم المباشر تدريجيا من 500 إلى 1000 درهم وإعادة النظر في الضريبة على دخل الأجراء.
وفي كلمة خلال لقاء تواصلي مع مرشحي الحزب بدائرة الرباط المحيط، قدم بنسعيد هذه الإجراءات باعتبارها جزءا من تغيير أوسع في منهجية تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية، يقوم على وضع دخل الأسرة وقدرتها الشرائية في قلب السياسة العمومية، بدل الانطلاق من دعم المنتج أو المقاولة وانتظار انتقال أثر ذلك الدعم إلى المستهلك.
وقال بنسعيد إن “الاجتهاد الذي قمنا به مرتبط كذلك بتغيير المنظومة والمفهوم ديال البرنامج الحكومي”، معتبرا أن عددا من السياسات السابقة، سواء في المحروقات أو الغاز أو السكن قامت على توجيه الدعم إلى الشركات، بينما حاول البام خلال مشاركته في الحكومة بين 2021 و2026 الدفع نحو منهجية مختلفة.
واختصر بنسعيد منطقه بالقول إن دعم الشركة لا يعني بالضرورة أن أثر الدعم سيصل إلى المواطن، لأن “همّ الشركة هو الربح دائما ولو دعمتها، بينما همّ المواطن هو الحياة الكريمة”،كما ربط هذه “الحياة الكريمة” بأربعة ملفات مباشرة هي الصحة والتعليم والقدرة الشرائية والحفاظ على دخل الأسر.
من دعم المنتج إلى تمويل اختيار المواطن
واستحضر بنسعيد برنامج الدعم المباشر للسكن باعتباره نموذجا للطريقة التي يريد حزبه توسيعها إلى مجالات أخرى، موضحا أن الدعم في الصيغة السابقة كان يرتبط أكثر بالمنتجين، بينما انتقلت المنظومة الجديدة إلى تقديم مساعدة مالية مباشرة للمقتني.
وبحسب بنسعيد، فإن الفارق لا يتعلق فقط بالجهة التي تتلقى المال، وإنما بمن يملك القرار في النهايةk وقال إن توجيه الدعم إلى المواطن يمنحه حرية اختيار السكن الذي يلائم احتياجاته ومكان عمله وظروف أسرته، بدل ربط الاستفادة بعرض سكني محدد، مشددا على أن المنهجية التي يدافع عنها حزبه تقوم على أن يكون”الخيار دائما للمواطن”
ومن هذا النموذج انتقل بنسعيد إلى الدعم الاجتماعي المباشر، حيث اقترح حزبه إعادة النظر في المؤشر الذي يحدد المستفيدين، وانتقد اعتماد الممتلكات ضمن العناصر المؤثرة في احتساب الاستحقاق، معتبرا أن امتلاك المواطن لمنزل على سبيل المثال لا يعني بالضرورة توفره على دخل يسمح له بتغطية حاجاته اليومية.
ودافع في المقابل عن إعطاء وزن أكبر للدخل الفعلي للأسرة عند تحديد أهليتها للاستفادة، فبحسب الأرقام التي قدمها، فإن تغيير طريقة احتساب المؤشر يمكن أن يسمح لنحو مليوني مغربي إضافي بالدخول إلى دائرة المستفيدين من الدعم الاجتماعي.
ولا يقف المقترح عند توسيع قاعدة المستفيدين، إذ أعاد بنسعيد التأكيد على التزام حزبه بالرفع التدريجي لقيمة الدعم المباشر من 500 إلى 1000 درهم خلال الولاية المقبلة، وربط عضو القيادة الجماعية لـ”البام” الإشكال نفسه بالتأمين الإجباري عن المرض، قائلا إن أسر»ا ونساء قد يجدن أنفسهن خارج الاستفادة بسبب مستوى المؤشر، وداعيا إلى إعادة النظر في هذه المعايير لتوسيع الاستفادة من منظومة الحماية الاجتماعية.
بنسعيد: دعم الشركة لا يعني بالضرورة دعم المواطن
ولا يقدم بنسعيد نقل الدعم إلى المواطن باعتباره إجراء اجتماعيا منفصلا عن الاقتصاد، بل يربطه بدورة الاستثمار والاستهلاك والتشغيل، فحسب تصوره عندما ترتفع القدرة الشرائية للأسرة يرتفع استهلاكها وهو ما يولد طلبا إضافيا على السلع والخدمات، وبالتالي يحفز المقاولات على الاستثمار والتوسع وخلق فرص الشغل.
ودافع بنسعيد عن دعم الطلب والاستهلاك كأحد محركات الاقتصاد، دون إلغاء دور المقاولة والاستثمار في خلق الوظائف، وقال إن التحدي يكمن في جعل “العجلة الاقتصادية” تتحرك انطلاقا من المواطن: دخل أكبر يسمح بالاستهلاك، والاستهلاك يحفز الاستثمار، والاستثمار يولد فرص العمل.
من درهمين في تزنيت إلى 12 درهما في الرباط
وفي ملف الأسعار، توقف بنسعيد عند الفارق بين ثمن المنتجات الفلاحية في مناطق الإنتاج والسعر الذي تصل به إلى المستهلك النهائي واستعمل الطماطم مثالا، قائلا إن سعرها قد لا يتجاوز درهمين أو ثلاثة دراهم في تزنيت، قبل أن يصل بحسب الظروف، إلى عشرة أو اثني عشر درهما في الرباط.
واقترح لمواجهة هذه الفجوة إحداث شركات جهوية تساهم فيها الدولة ويكون هدفها التدخل لتحقيق التوازن في السوق، لا تعظيم الأرباح، ويأتي المقترح امتدادا لتصور سبق أن عرضه برنامج البام بشأن إحداث مؤسسات جهوية في عدد من الجهات تتدخل في شراء الخضر من الفلاحين وتسويقها بهدف تقليص حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك.
وبحسب التصور الذي قدمه، فإن وظيفة هذه الشركات ستكون التدخل عندما تتسع الهوة بين ثمن المنتج في الحقل وسعره في السوق، بما يسمح بحماية الفلاح من جهة والقدرة الشرائية للمستهلك من جهة ثانية.
الضريبة على الدخل.. بنسعيد يضع الطبقة الوسطى في قلب المقترحات
ومن الأسعار انتقل بنسعيد إلى الأجور، واضعا الضريبة على الدخل ضمن الأدوات التي يقترح حزبه استعمالها لزيادة ما يبقى فعليا في جيوب الموظفين والأجراء وتحدث عن إعفاء ضريبي لفئات من الأجراء الذين تقل أجورهم عن 12 ألفا و500 درهم، إلى جانب خفض العبء الضريبي على شرائح أخرى.
وكان بنسعيد قد عرض في تصريحات سابقة خلال الحملة مقترح إعفاء من يقل دخلهم عن 12.500 درهم، وخفض النسبة إلى 10 في المائة لشريحة من الأجور الأعلى، ثم 20 في المائة بالنسبة إلى الشريحة الموالية، إذ يضع الحزب هذه الإجراءات ضمن تصور لرفع القدرة الشرائية ليس فقط بواسطة الدعم، وإنما كذلك عبر تقليص ما يقتطع من دخل الأسرة.
أما بالنسبة إلى المتقاعدين، فدافع بنسعيد عن رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، وقال إنه “ما يمكنناش نعيشوا اليوم في المغرب ديال 2026 بـ500، بـ600، ولا بـ1000، ولا بـ120درهم” معتبرا أن مستوى الأسعار وكلفة الحياة يفرضان إعادة النظر في الحدود الدنيا للمعاشات.
ولم يحصر المقترح في أصحاب المعاشات الأقل من 3000 درهم، بل قال إن الرفع ينبغي أن يواكبه تحسن في معاشات فئات أخرى، مستحضرا منطق الزيادة في الحد الأدنى للأجور وانعكاسها على مستويات دخل أخرى، كما توقف عند معاش الأرملة، مقترحا أن تحصل المرأة بعد وفاة زوجها على 100 في المائة من معاشه بدل 50 في المائة ومبررا ذلك باستمرار الأعباء الأسرية بعد وفاة المعيل.
الشباب.. “الفلوس وحدها ما كافياش“
وفي ملف الشباب، انتقد بنسعيد اختزال دعم حاملي المشاريع في التمويل، معتبرا أن منح المال دون مواكبة قد ينتهي إلى فشل المشروع واستحضر تجارب برامج لدعم الشباب، من بينها “فرصة” قائلا إن عددا من المشاريع لم يتمكن من الاستمرار بسبب غياب التأطير والمواكبة الكافيين.
ويضع البرنامج الذي عرضه بنسعيد هذه المسألة ضمن “ميثاق الشباب” الذي يشمل التكوين والهدر المدرسي والولوج الأول إلى سوق الشغل ومساعدة حاملي المشاريع على تحويل أفكارهم إلى مقاولات قابلة للاستمرار.
وبالنسبة إليه، لا تنتهي مهمة الدولة عند منح التمويل، بل تبدأ بعده مرحلة أخرى تشمل التوجيه والتكوين وربط الشباب باحتياجات سوق الشغل ومساعدتهم على الوصول إلى أول فرصة مهنية.
والمنطق نفسه بحسب بنسعيد، ينبغي أن يطبق على المقاولات الصغرى والمتوسطة، فامتلاك فكرة مشروع، كما قال، لا يعني أن صاحبها يمتلك بالضرورة الخبرة في إعداد مخطط الأعمال أو التسويق أو المحاسبة أو تدبير المقاولة، ولذلك يقترح الحزب مواكبة هذه المشاريع خلال أول سنتين أو ثلاث سنوات من عمرها، وهي المرحلة التي تحدد في كثير من الأحيان قدرتها على البقاء في السوق.
الأمن الخاص.. عقد لثماني ساعات وعمل لـ12 ساعة
وفي انتقال من الدخل إلى ظروف العمل، أثار بنسعيد أوضاع العاملين في قطاع الأمن الخاص، متوقفا عند حالات يوقع فيها العامل عقدا على أساس ثماني ساعات ثم يجد نفسه أمام اثنتي عشرة ساعة من العمل، فضلا عن اقتطاعات من الأجر في بعض الحالات.
وربط معالجة هذه الممارسات بالتنظيم القانوني للقطاع، مؤكدا أن المسؤولية عن احترام ساعات العمل والتعويض عن الساعات الإضافية تقع على المشغل وليس العامل، ووضع بنسعيد هذا الملف ضمن ما سماه ضرورة “تغيير العقليات” ليس فقط داخل الإدارة وإنما أيضا في العلاقة بين المقاولة والعامل.
وقال إن الحديث عن ظروف العمل يعني في النهاية مواطنا “كيعرق باش يمشي يجيب طرف ديال الخبز لوليداتو”، معتبرا أن العمل اللائق لا يختزل في الحصول على وظيفة، وإنما يشمل احترام ساعات العمل والأجر والحقوق وإمكانية التطور المهني.











