لم يعد المسار الأممي بشأن الصحراء، يدور خلال السنة الجارية فقط حول إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات أو تقريب مواقفها المتباعدة، إذ كشف أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة أن المباحثات دخلت مستوى أكثر تقدما انتقلت معه إلى مناقشة هندسة حل سياسي محتمل انطلاقا من مقترح الحكم الذاتي المغربي، وصولا إلى بحث إنشاء “مجلس انتقالي” وصياغة “اتفاق إطار” لمرحلة انتقالية، ومناقشة تقاسم الموارد والمصالحة ونزع السلاح والترتيبات الأمنية والانتخابات والضمانات الدولية.
ووفق تفاصيل التقرير الأممي المؤرخ في فاتح أكتوبر الجاري، فإن ثلاث جولات تفاوضية رفيعة المستوى انعقدت في ظرف أسابيع قليلة مطلع السنة نقلت الملف من مرحلة عرض التصورات السياسية إلى الاشتغال على ترتيبات يمكن أن تؤطر اليوم التالي لأي اتفاق، فيما خلص الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى دعوة الأطراف لاستكشاف إمكانية إقامة حكم ذاتي حقيقي لسكان الصحراء، باعتباره خيارا “يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتطبيق” وفق ما ورد في قرار مجلس الأمن 2797.
ورسم التقرير الأممي ملامح تحول نوعي في إدارة واحد من أطول النزاعات الإقليمية، فبعد نحو سبع سنوات من توقف المفاوضات المباشرة، لم تعد المسألة وفق المعطيات التي يعرضها المستند، مقتصرة على سؤال استئناف الحوار وإنما انتقلت إلى محاولة بناء أرضية سياسية ومؤسساتية وأمنية لتنفيذ حل محتمل، رغم استمرار الخلافات العميقة بشأن السيادة وتقرير المصير وفجوة الثقة بين المغرب وجبهة البوليساريو، بالتوازي مع استمرار التوتر العسكري منخفض الحدة على الأرض.
القرار 2797 يغير إيقاع الملف
وأفاد تقرير الأمين العام، المعنون بالرمز S/2026/781بأن اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 سنة 2025 منح دفعة جديدة للعملية السياسية، ومكّن المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، بالتنسيق مع الولايات المتحدة من إعادة إطلاق مفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا بعد توقف دام نحو سبع سنوات.
وجرت المفاوضات عبر ثلاث جولات رفيعة المستوى في بداية 2026، شاركت فيها المغرب والجزائر وموريتانيا على مستوى وزراء الخارجية، فيما مثل جبهة البوليساريو مسؤول مكلف بملف السياسة الخارجية.
ولم يكن الحضور الأمريكي في هذه الجولة مقتصرا على المواكبة إذ جرت المباحثات برئاسة مشتركة بين دي ميستورا والممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، وبمشاركة مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس ومسؤولين أمريكيين آخرين.
الحكم الذاتي أساس المباحثات
وسجل التقرير أول تحول جوهري في طبيعة العملية السياسية، حين يؤكد أن المفاوضات أخذت وفقا للقرار 2797، مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمباحثات.
وخلال الجولة الأولى، التي احتضنتها واشنطن يومي 18 و19 يناير، قدم المغرب نسخة موسعة من مبادرته للحكم الذاتي المقدمة سنة 2007، كما أجاب عن ملاحظات وأسئلة المشاركين والرئاستين المشتركتين.
ووفق الوثيقة الأممية، أبدى المغرب استعداده للعمل مع جبهة البوليساريو بشأن التفاوض حول حل مقبول من الطرفين وتنفيذه، بما يجعل النتيجة المتوصل إليها مشتركة في تطويرها وملكيتها من أطراف النزاع.
وفي المقابل، قدمت جبهة البوليساريو أفكارها ومقترحاتها الخاصة، انطلاقا من وثيقة سبق أن أحالتها على الأمين العام للأمم المتحدة في أكتوبر 2025.
ويشير التقرير إلى أن الجولة الأولى أسهمت بشكل كبير في توضيح مواقف الأطراف والبدء في بناء قدر من الثقة بينها، قبل أن تنتقل المباحثات إلى مستوى أكثر تفصيلا في الجولة الثانية المنعقدة في مدريد يومي 8 و9 فبراير.
“مجلس انتقالي” يدخل المفاوضات
في مدريد، دخلت المفاوضات مرحلة مختلفة، إذ انتقلت من مناقشة التصورات العامة للحل إلى بحث المؤسسات والترتيبات التي يمكن أن تؤطر مرحلة انتقالية محتملة.
وكشف التقرير أن المشاركين ناقشوا إمكانية إنشاء “مجلس انتقالي” يتولى تدبير عدد من المسارات الانتقالية، ويوفر في الوقت نفسه إطارا للتفاوض حول تفاصيل حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.
لكن النقاش لم يتوقف عند شكل المؤسسة الانتقالية فقد امتد إلى دور الأطراف الدولية والضمانات المتعلقة بتنفيذ أي اتفاق محتمل، إضافة إلى أفكار ومقترحات بشأن تقاسم الموارد والعفو والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والتدابير الأمنية والأنظمة الانتخابية.
وفي السياق نفسه، شددت موريتانيا على ضرورة تشكيل لجنة تتولى على أساس توافقي توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للمنطقة المتنازع عليها.
والأهم أن جولة مدريد انتهت بتكليف ذي طبيعة عملية، إذ طلب المشاركون من فريقي الأمم المتحدة والولايات المتحدة إعداد مشروع أولي لاتفاق إطار بشأن مرحلة انتقالية محتملة، إلى جانب مقترحات توفيقية للقضايا التي طُرحت خلال المباحثات، تمهيدا لعرضها في الجولة الثالثة.
من ترتيبات الانتقال إلى عقدتي السيادة وتقرير المصير
وخلال الجولة الثالثة، التي انعقدت في واشنطن يومي 23 و24 فبراير، تعمقت المناقشات بشأن المجلس الانتقالي وبقية العناصر التي طرحت في الجولات السابقة، قبل الانتقال إلى مستوى بالغ الحساسية بفتح نقاش مباشر لأول مرة حول قضيتي السيادة وتقرير المصير.
وسجل التقرير بروز تباينات كبيرة بشأن هذين الملفين، دفعت الرئيسين المشتركين للمفاوضات إلى مناقشة التفاصيل بصورة منفصلة مع كل طرف، بحثا عن حلول ممكنة.
وفي مختلف مراحل المفاوضات، شدد دي ميستورا على أن أي مقترح الحكم الذاتي في الصحراء ينبغي أن يستجيب لأعلى المعايير الدولية، وأن الانتقال إلى حكم ذاتي حقيقي يحتاج إلى ضمانات دولية قوية.
كما أكد المبعوث الأممي ضرورة أن يتضمن أي حل للنزاع عملية تشاور ذات مغزى مع الصحراويين، في إطار مبدأ تقرير المصير.
دي ميستورا يتحرك بين الأطراف
ولم تنته العملية بانتهاء الجولات الثلاث، فقد واصل دي ميستورا بتنسيق وثيق مع الولايات المتحدة باعتبارها راعيا رئيسيا للمفاوضات، مشاوراته مع الأطراف.
والتقى ممثلي جبهة البوليساريو في بروكسيل يوم 23 مارس، ثم عقد لقاءات مع مسؤولين جزائريين في فاتح أبريل، قبل اجتماعه مع مسؤولين مغاربة في نيويورك يومي 21 و23 أبريل.
وانتقل بعد ذلك إلى تندوف يومي 7 و8 يونيو للقاء قيادة جبهة البوليساريو، بمن فيها أمينها العام إبراهيم غالي كما التقى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في الجزائر العاصمة يوم 15 يونيو، ثم الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني في نواكشوط يوم 18 يونيو.
وأفاد التقرير بأن مختلف الأطراف أكدت خلال هذه المشاورات التزامها بالمسار السياسي، واعتبرت أن التقدم الذي تحقق يحمل أهمية تاريخية.
لكن هذا التقدم وفق الوثيقة نفسها، يصطدم بعقبة مركزية لم تختف بعد، تتمثل في غياب الثقة خصوصا بين المغرب وجبهة البوليساريو، وهو ما اعتبره الأطراف عائقا رئيسيا أمام الوصول إلى حل مقبول من الطرفين وقابل للتنفيذ.
مشروع منقح لـ”اتفاق إطار“
وبعد جولة المشاورات، عاد دي ميستورا بالتنسيق مع الولايات المتحدة، إلى الاشتغال على مجالات التوافق النسبي بين الأطراف، وأعد مشروعا منقحا لـ”اتفاق إطار” خاص بمرحلة انتقالية.
وهنا سجل التقرير واحدة من أبرز خلاصاته إذ يشير بوضوح إلى أن اعتماد هذا الاتفاق الإطار يمكن أن يوفر أساسا للتفاوض بشأن نموذج مفصل للحكم الذاتي في الصحراء، إلى جانب مسار ذي مغزى للتشاور مع سكان المنطقة، بما يسمح بدفع العملية السياسية إلى الأمام.
وتجاوز التقرير الحديث التقليدي عن الحكم الذاتي باعتباره مجرد مبادرة سياسية مطروحة للنقاش، إلى عرض مسار تفاوضي يبحث بالفعل إمكانية بناء اتفاق إطار ومرحلة انتقالية يمكن أن يقودا إلى التفاوض بشأن نموذج مفصل لهذا الحكم الذاتي.
خريطة المواقف الدولية تتحرك
ويضع التقرير هذا التحول التفاوضي في سياق دولي يسجل بدوره تغيرات متواصلة في مواقف عدد من الدول تجاه النزاع، خصوصا بعد اعتماد القرار 2797.
فوفق الوثيقة الأممية، عبرت السويد وسويسرا عن دعمهما لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسا ذا مصداقية للمفاوضات، فيما علقت مالي وهندوراس اعترافهما بما تسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” كما علقت بوليفيا علاقاتها الدبلوماسية معها في فبراير 2026.
وسجل التقرير أيضا أن مدغشقر وكندا واليابان جددت صراحة دعمها للمقترح المغربي للحكم الذاتي، فيما حدّث الاتحاد الأوروبي موقفه الجماعي في يناير 2026، ليؤكد أن المفاوضات ينبغي أن تتخذ من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا لها.
وفي إطار توسيع المشاورات الدولية، أجرى دي ميستورا اتصالات مع عدد من العواصم والشركاء، والتقى وزير الخارجية الإسباني في مدريد، كما قدم رفقة مايكل والتز إحاطات لمسؤولين أوروبيين وكنديين.
والتقى المبعوث الشخصي كذلك مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، لبحث الحلول الدائمة للاجئين الصحراويين.
المفاوضات تتقدم.. والميدان لم يهدأ
وفي مقابل التحول السياسي، كشف التقرير أن الواقع الميداني لا يزال محكوما بالتوتر والأعمال العدائية منخفضة الحدة بين المغرب وجبهة البوليساريو.
وتلقت بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء، “المينورسو” تقارير بشأن إطلاق جبهة البوليساريو النار باتجاه وحدات الجيش المغربي بالقرب من الجدار الرملي إلى جانب تقارير عن ضربات بطائرات مسيرة تابعة للجيش المغربي شرق الجدار.
وفي 5 ماي، وقع حادث إطلاق نار في السمارة بمنطقة يوجد فيها مدنيون، حيث عاينت دورية أممية حفرتي ارتطام وبقايا بينها بقايا بالقرب من منشأة احتجاز وأسفر الحادث وفق التقرير، عن إصابة مدني واحد وأضرار مادية.
كما حققت المينورسو في حادث ضربة بطائرة مسيرة استهدفت، في 31 دجنبر 2025، مركبة على بعد نحو 130 كيلومترا شمال موقع الفريق في ميجك، بالقرب من منطقة للتنقيب التقليدي عن الذهب.
وعثرت البعثة على أدلة تتوافق مع وقوع الضربة، بينها شظايا صاروخ وحطام المركبة، دون تسجيل ضحايا.
وفي يونيو، حققت البعثة أيضا في ضربتين بطائرات مسيرة بمنطقة ميجك، وعثرت على مركبتين مدنيتين متضررتين تحملان لوحات تسجيل صحراوية، وقدرت أن طبيعة الأضرار تتوافق مع إصابتهما بصواريخ أطلقتها طائرات مسيرة.
تعاون مع الجيش المغربي وقيود شرق الجدار
وقدم التقرير معطيات تفصيلية بشأن عمل “المينورسو” على الأرض، مسجلا استمرار التعاون والتنسيق مع الجيش المغربي، في مقابل غياب الاتصالات المباشرة بين قائد القوة العسكرية للبعثة والقيادة العسكرية لجبهة البوليساريو مع استمرار المراسلات بين الطرفين عبر القنوات الكتابية.
وبلغ قوام المكون العسكري للبعثة، إلى غاية 15 غشت 2026، ما مجموعه 155 عنصرا، بينهم 27 امرأة وخلال الفترة الممتدة من فاتح أكتوبر 2025 إلى 15 غشت 2026، نفذت البعثة دوريات برية غطت حوالي 296 ألفا و164 كيلومترا.
كما نفذت 8076 زيارة إلى مقرات ووحدات ونقاط مراقبة تابعة للجيش المغربي غرب الجدار، إلى جانب 152 رحلة استطلاع جوي.
وأفاد الجيش المغربي البعثة بتسجيل 129 حادث إطلاق نار غرب الجدار خلال الفترة نفسها أما شرق الجدار، فيسجل التقرير استمرار جبهة البوليساريو في تقييد تحركات الدوريات التابعة للبعثة داخل نطاق 20 كيلومترا من كل موقع للفريق، فضلا عن فرض قيود إضافية على الدوريات في منطقتي تيفاريتي وميجك كما استمر منع رحلات الاستطلاع بالمروحيات منذ نونبر 2020.
1330 مهمة لمواجهة الألغام
وخصص التقرير حيزا لخطر الألغام ومخلفات الحرب التي لا تزال منتشرة في المنطقة، مشيرا إلى أن فرق دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام نفذت 1330 مهمة بين فاتح أكتوبر 2025 و30 شتنبر 2026.
وهدفت هذه العمليات إلى ضمان سلامة تنقل أفراد البعثة والقوافل اللوجستية، إضافة إلى تقديم الخبرة التقنية خلال التحقيقات المتعلقة بضربات الطائرات المسيرة.
ووفق المعطيات الواردة في الوثيقة، بلغت مساحة الطرق التي جرى تقييمها شرق الجدار 12 ألفا و401 كيلومتر، فيما جرى تطهير حوالي مليون و794 ألف متر مربع.
ورغم ذلك، ما تزال حقول ألغام ومناطق ملوثة بمخلفات الذخائر العنقودية تحتاج إلى عمليات تطهير.
80.3 مليون دولار متأخرات تثقل “المينورسو“
ولا تقتصر التحديات التي تواجه البعثة الأممية على الوضع الأمني والميداني، إذ يكشف التقرير عن ضغوط مالية مرتبطة بالمتأخرات في المساهمات المقررة لحساب “المينورسو”
وبلغت هذه المتأخرات، إلى غاية 20 غشت 2026 نحو 80.3 مليون دولار.
وبحسب التقرير، انعكس هذا الوضع على تمويل مجموعة من أنشطة البعثة، من بينها المراقبة العسكرية والإجراءات المتعلقة بالألغام، والطيران والخدمات الطارئة.
غوتيريش يدفع نحو “حكم ذاتي حقيقي”
وبعد عرض التحولات السياسية والمفاوضات والوضع الميداني، يصل التقرير إلى خلاصته السياسية الأبرز حيث دعا الأمين العام للأمم المتحدة الأطراف إلى اغتنام الفرصة التي أتاحها استئناف الاتصالات المباشرة، والانخراط في مفاوضات منسقة وبحسن نية تحت رعاية مبعوثه الشخصي.
ويبرز التقرير في هذا السياق، دعوة غوتيريش الأطراف إلى استكشاف إمكانية إقامة “حكم ذاتي حقيقي” لسكان الصحراء، مشددا على أن هذا الخيار “يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتطبيق” وفق ما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 2797.
وربط الأمين العام هذا المسار بالمقترح الذي قدمه دي ميستورا بشأن اتفاق إطار تعقبه مرحلة انتقالية، مؤكدا أن هذه الصيغة يمكن أن تتيح إجراء المفاوضات في أفضل الظروف الممكنة.
وفي الوقت ذاته، شدد المستند على أن أي مقترح ينبغي أن يخضع لعملية تشاور ذات مغزى مع سكان الصحراء، تضمن لهم حرية الاختيار الطوعي بين قبوله أو رفضه، معتبرا أن هذه العملية ضرورية لضمان ممارسة حقهم في تقرير المصير.











