قال المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إن مشروع قانون المالية لسنة2027 يتجه نحو تحسين رصيد ميزانية الدولة بـ18 مليار درهم، مدفوعا بارتفاع المداخيل الضريبية بـ61.3 مليار درهم، بالتزامن مع تعزيز الاعتمادات المخصصة للقطاعات الاجتماعية والتنمية الترابية، مقابل تراجع المناصب المالية الجديدة بـ2441 منصبا، وانخفاض توظيف الأساتذة عبر الأكاديميات الجهوية بنسبة 17.9 في المائة.
وأبرز المركز، في تقرير بحثي قارن فيه مشروع قانون المالية لسنة 2027 بالقانون النافذ لسنة 2026، أن التوجهات المالية الجديدة تمنح حيزا أكبر للقدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية والتنمية الترابية، مع المحافظة على التوازنات الميزانياتية، غير أن تطور الاعتمادات يكشف تفاوتا بين حجم الموارد المرصودة للقطاعات والأهداف المعلنة في مجال التشغيل وتوسيع الخدمات العمومية.
ووفق معطيات التقريرالصادر تحت عنوان “مشروع قانون المالية 2027: ما الذي يتغير مقارنة بقانون المالية النافذ لسنة 2026؟” يرتقب أن ترتفع المداخيل العادية للدولة من 421.3 مليار درهم سنة 2026 إلى 482.4 مليار درهم سنة 2027، بزيادة قدرها 61.1 مليار درهم، فيما تنتقل المداخيل الضريبية من 376.1 مليار درهم إلى 437.4 مليار درهم، مسجلة نموا بنسبة 16.3 في المائة.
وفي المقابل، يتوقع أن ترتفع النفقات العادية من 391.5 مليار درهم إلى 433.1 مليار درهم، بزيادة قدرها 41.5 مليار درهم، أي بنسبة 10.6 في المائة، وهو ما يجعل نمو الموارد الضريبية أسرع من وتيرة ارتفاع النفقات.
وبحسب قراءة المركز، فإن هذا الفارق سيمكن من رفع الرصيد العادي للميزانية من 29.8 مليار درهم إلى 49.3 مليار درهم، وتحسين رصيد ميزانية الدولة من ناقص 107.6 مليارات درهم إلى ناقص 89.6 مليار درهم، بما يعادل تقليصا للعجز المحاسبي بنسبة 16.7 في المائة.
واعتبر التقرير أن التحسن المرتقب في التوازن الميزانياتي يستند أساسا إلى نمو الموارد، وليس إلى تقليص النفقات، مشيرا إلى أن الضريبة على الشركات تفسر وحدها نحو نصف الزيادة المنتظرة في المداخيل الجبائية، بعدما ارتفعت تقديراتها من 95.6 مليار درهم إلى 126 مليار درهم.
وفي الجانب الاجتماعي، سجل المركز ارتفاع الاعتمادات المخصصة للصحة والحماية الاجتماعية من 42.4 مليار درهم إلى 45.4 مليار درهم، بزيادة ثلاثة مليارات درهم، فيما ترتفع ميزانية التربية الوطنية من 102.2 مليار درهم إلى 106.9 مليارات درهم، أي بإضافة 4.7 مليارات درهم.
وتتزامن هذه الزيادات مع ارتفاع التكاليف المشتركة للتسيير من 45.5 مليار درهم إلى 64 مليار درهم، بزيادة تبلغ 18.5 مليار درهم، ترتبط أساسا بتمويل الالتزامات الاجتماعية، بما فيها المقاصة والتقاعد والاحتياط الاجتماعي والحماية الاجتماعية.
كما رصد التقرير مضاعفة موارد صندوق التنمية الترابية المندمجة من خمسة مليارات درهم إلى عشرة مليارات درهم، وارتفاع الحصة المحولة إلى الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة من 57.6 مليار درهم إلى 64.7 مليار درهم، بما يعكس تعزيز الموارد الموجهة لتمويل البرامج الترابية.
غير أن هذه الزيادات تتزامن بحسب الدراسة، مع تراجع في إحداث المناصب المالية، إذ ينتقل العدد الإجمالي من 36 ألفا و895 منصبا سنة 2026 إلى 34 ألفا و454 منصبا سنة 2027، بانخفاض قدره 2441 منصبا، أي بنسبة 6.6 في المائة.
وتستفيد وزارة الداخلية من أكبر زيادة في التوظيف، بإحداث 14 ألفا و200 منصب، مقابل 13 ألف منصب خلال السنة السابقة، لترتفع حصتها من المناصب المدرجة في الجدول الوزاري إلى 41.8 في المائة.
وفي المقابل، تتراجع المناصب المخصصة مباشرة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية من ثمانية آلاف إلى 5400 منصب، غير أن التقرير يوضح أن المشروع يخصص 2600 منصب إضافي للمجموعات الصحية الترابية، ما يبقي العدد الإجمالي الموجه للقطاع مستقرا عند ثمانية آلاف منصب، مع إعادة توزيع التوظيف بين الوزارة وهذه المجموعات.
أما في قطاع التعليم، فتظهر المقارنة تراجع المناصب المخصصة لتوظيف الأساتذة عبر الأكاديميات الجهوية من 19 ألف منصب إلى 15 ألفا و590 منصبا، بانخفاض قدره 3410 مناصب، رغم ارتفاع الميزانية الإجمالية للقطاع.
ولفت المركز إلى أن 4.57 مليارات درهم من الزيادة المخصصة للتربية الوطنية تتجه إلى الأجور، معتبرا أن المجهود المالي الجديد يركز بدرجة أكبر على تحمل تكاليف الموارد البشرية القائمة، مقارنة بتوسيع التوظيف الجديد.
وعند احتساب مجموع المناصب المالية المعلنة، بما فيها مناصب الأكاديميات الجهوية والمجموعات الصحية الترابية، ينخفض العدد من 55 ألفا و895 منصبا إلى 52 ألفا و644 منصبا، بتراجع نسبته 5.8 في المائة.
وفي محور إدماج الشباب، سجل التقرير بإيجابية أن صندوق النهوض بتشغيل الشباب سيظل شبه مستقر، بموارد تناهز 1.99 مليار درهم مقابل ملياري درهم سنة 2026، رغم إعلان برنامج وطني مندمج للشباب للفترة 2027-2031، لم تحدد المذكرة التقديمية للمشروع غلافا ماليا مستقلا له.
كما توقف المركز عند تخصيص 20 منصبا لوزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، مقابل 65 منصبا للوزارة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي سنة 2026، مع التنبيه إلى تغير المحيط الوزاري بين السنتين، وهو ما يستدعي الحذر عند مقارنة الموارد البشرية والمالية للقطاع.
وفي جانب الاستثمار، كشف التقرير أن اعتمادات الأداء سترتفع بشكل محدود من 136.1 مليار درهم إلى 138 مليار درهم، بنسبة 1.4 في المائة، مقابل ارتفاع اعتمادات الالتزام للسنوات اللاحقة من 79.5 مليار درهم إلى 88.8 مليار درهم، بزيادة 11.6 في المائة.
واعتبر المركز أن هذه الأرقام تعكس توجها نحو برمجة جزء أكبر من كلفة المشاريع الاستثمارية على السنوات المقبلة، في وقت يرتفع فيه مجموع الالتزامات المسبقة من 185.5 مليار درهم إلى 215.6 مليار درهم، بما فيها الالتزامات المرتبطة بمعدات القوات المسلحة.
وفي المقابل، يرتقب أن ترتفع خدمة الدين من 108.2 مليارات درهم إلى 115.3 مليار درهم، بزيادة قدرها 7.1 مليارات درهم، رغم تقلص الحاجيات الإجمالية للتمويل من 171.7 مليار درهم إلى 159 مليار درهم.
وخلص المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة إلى أن مشروع مالية 2027 يعكس إعادة ترتيب للأولويات لفائدة القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية والتنمية الترابية، مع توسيع الالتزامات الاستثمارية المستقبلية، غير أن ترجمة هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة تظل مرتبطة بقدرة القطاعات الحكومية على تنفيذ البرامج وتحقيق الأهداف المعلنة.
وشدد التقرير على أن تقييم المجهود العمومي لا يمكن أن يستند إلى حجم الاعتمادات وحده، داعيا إلى نشر معطيات موحدة حول التوظيف العمومي تشمل الإدارات والأكاديميات والمجموعات الصحية والمؤسسات العمومية، موزعة حسب الجهات والأسلاك، إلى جانب مؤشرات دقيقة لقياس أثر النفقات الاجتماعية والاستثمارية.
وأكد أن التحسن المتوقع في التوازنات المالية يبقى مشروطا بتحقق تقديرات المداخيل الضريبية، خصوصا الضريبة على الشركات، في حين سيشكل تنفيذ الالتزامات الاجتماعية والترابية واختبار قدرتها على تحسين الخدمات العمومية أحد أبرز رهانات السنة المالية المقبلة.











