تستعد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لإطلاق برنامج وطني لإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل، بتمويل يقارب 6 مليارات درهم ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، يستهدف سنويا تكوين 100 ألف شاب وفق حاجيات المقاولات وتمكين 100 ألف آخرين من اكتساب أول تجربة مهنية، مع توسيع التكوين بالتدرج، وإحداث آليات لتسهيل التنقل والسكن بالقرب من مناطق التشغيل.
وتضع هذه الإجراءات ملف إدماج الشباب أمام مقاربة حكومية تشمل التأهيل المهني ومواكبة المقاولات ومعالجة العوائق الجغرافية التي تحد من فرص الولوج إلى سوق العمل، في وقت تشير فيه دراسة للمندوبية السامية للتخطيط إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة خارج التعليم والتكوين والشغل، تشكل النساء أكثر من 72 في المائة منهم.
وكان فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، قد كشف خلال تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، الجمعة 23 أكتوبر، عن استهداف مواكبة 12 ألف مقاولة سنويا، وإحداث جواز للحركية المهنية لفائدة 250 ألف شاب خلال خمس سنوات، فضلا عن تطوير عرض للسكن بالإيجار بأسعار ميسرة.
وفي تصريح للقناة الثانية “دوزيم” أكد صلاح الدين عبقري الوزير المنتدب المكلف بالشباب، أن إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل يشكل أحد محاور البرنامج الحكومي، مشددا على ضرورة الاستجابة لانتظاراتهم من خلال فرص حقيقية للتأهيل والعمل، وسياسات تعترف بمجهوداتهم وتستجيب لحاجياتهم الاقتصادية والاجتماعية.
التكوين حسب حاجيات المقاولات.. وأول تجربة مهنية لـ100 ألف شاب
تستند الإجراءات المعلنة إلى معالجة صعوبتين تواجهان الشباب عند البحث عن العمل، تتعلق الأولى بعدم تطابق بعض المؤهلات مع الكفاءات المطلوبة لدى المقاولات، بينما ترتبط الثانية باشتراط الخبرة المهنية في عدد من عروض التوظيف، بما يحد من فرص الخريجين الجدد في الحصول على أول وظيفة.
ولهذا الغرض، حددت الحكومة هدف تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق الاحتياجات الفعلية للنسيج الاقتصادي، إلى جانب تمكين 100 ألف آخرين من خوض أول تجربة مهنية، بما يتيح لهم اكتساب مهارات عملية داخل المقاولات وتحسين فرص إدماجهم.
ويتضمن البرنامج رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج المهني إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا، وهو مسار يجمع بين اكتساب المعارف والتدريب داخل بيئة العمل، ويتيح للمستفيدين التعرف على متطلبات المهن قبل الالتحاق الفعلي بسوق الشغل.
وباحتساب الأهداف المعلنة لهذه المسارات، يتراوح مجموع فرص التكوين والتجربة المهنية المستهدفة بين 350 ألفا و400 ألف سنويا. غير أن هذا الرقم لا يمثل بالضرورة العدد الصافي للمستفيدين، كما لا يعادل مناصب شغل محدثة، بالنظر إلى احتمال استفادة الشاب نفسه من أكثر من مسار.
ويكتسي الربط بين التكوين والمقاولات أهمية اقتصادية، إذ يسمح بتوجيه التأهيل نحو المهن التي يتوفر عليها طلب فعلي، بدل الاقتصار على رفع أعداد المتخرجين دون ضمان توافق مؤهلاتهم مع احتياجات سوق العمل. كما يتيح مسار التجربة المهنية الأولى معالجة إحدى العقبات التي تواجه الشباب المؤهلين، خصوصا عندما يصبح توفر الخبرة شرطا للحصول على وظيفة يفترض أن تكون الأولى في مسارهم المهني.
من البرامج السابقة إلى منظومة أوسع للإدماج
لم يبدأ التكوين المهني الموجه للشباب غير الحاصلين على شهادات مع مشروع مالية 2027، إذ سبق للحكومة السابقة أن أعلنت في مارس الماضي، توسيع برنامج “إدماج” مع استهداف 100 ألف مستفيد سنويا من التكوين بالتعلم في تخصصات مهنية متعددة.
وتتجه حكومة المنصوري إلى توسيع مجالات التدخل، من خلال الجمع بين التأهيل المرتبط بحاجيات المقاولات واكتساب التجربة المهنية الأولى، مع إدراج تكاليف الانتقال والسكن ضمن الإجراءات الموجهة لتسهيل الالتحاق بفرص العمل.
ويبرز هذا التوجه في تخصيص مسار مستقل للتجربة المهنية، وإشراك المقاولات في تحديد الكفاءات المطلوبة، إلى جانب إجراءات تستهدف الشباب الذين تحول ظروف إقامتهم دون الاستفادة من فرص التكوين والتشغيل المتوفرة في مناطق أخرى.
كما يشمل البرنامج مواكبة المقاولات، بما يربط جهود تأهيل اليد العاملة بدعم النسيج الاقتصادي القادر على استيعابها. وتظل معرفة الطاقة التكوينية الإضافية التي ستحدثها هذه التدابير مرتبطة بتحديد وضعية البرامج القائمة وحجم الاعتمادات الجديدة المخصصة لكل مسار.
جواز الحركية المهنية.. الانتقال إلى حيث توجد فرص العمل
خصص البرنامج الحكومي حيزا لمعالجة الفوارق الجغرافية في الولوج إلى التكوين والتشغيل، من خلال إحداث “جواز الحركية المهنية والتكوين والشغل” الذي يستهدف 250 ألف مستفيد خلال خمس سنوات.
ويروم هذا الإجراء مساعدة الشباب على الانتقال من مناطق إقامتهم إلى المدن والأقطاب الاقتصادية التي تتوفر فيها فرص العمل، عبر المساهمة في تغطية تكاليف التنقل والإقامة المؤقتة، خصوصا لفائدة القاطنين بالمناطق القروية والنائية.
وتكمن أهمية هذا التدبير في أن توفر فرصة عمل لا يعني بالضرورة قدرة الشاب على الالتحاق بها، خاصة عندما تكون بعيدة عن محل إقامته وتتطلب نفقات إضافية للنقل أو السكن قد تتجاوز إمكانياته المادية.
وتبقى شروط الاستفادة من الجواز وسقف الدعم ومدته من التفاصيل التي ستحدد نطاق تدخل هذه الآلية، ومدى قدرتها على تسهيل الانتقال الفعلي نحو فرص التكوين والتشغيل.
السكن بالإيجار.. إجراء لمواكبة الحركية المهنية
أدرجت الحكومة ضمن البرنامج تطوير عرض للسكن بالإيجار بأسعار ميسرة، بالاعتماد على تعبئة العقار العمومي لفائدة مستثمرين يلتزمون بسقوف محددة للكراء ومدد الاستغلال.
وتمنح التدابير المعلنة الأولوية للمواقع القريبة من مناطق التشغيل والجامعات وشبكات النقل العمومي، مع اعتماد آليات لتأمين العلاقات الكرائية.
ويأتي هذا الإجراء مكملا لجواز الحركية المهنية، بالنظر إلى تأثير تكاليف السكن في قدرة الشباب على الانتقال إلى المدن المستقطبة للاستثمارات وفرص الشغل، حيث قد تتحول نفقات الكراء إلى عائق أمام قبول وظيفة أو متابعة تكوين.
12 ألف مقاولة سنويا.. دعم النسيج الاقتصادي لخلق فرص التشغيل
يمتد البرنامج إلى مواكبة 12 ألف مقاولة سنويا، من خلال خدمات الاحتضان وتسهيل الولوج إلى التمويل والضمان والأسواق، بما فيها الصفقات العمومية.
ويستهدف هذا المسار تحسين قدرة المقاولات على تطوير أنشطتها وتوسيع فرص التشغيل، باعتبار أن استيعاب الشباب المؤهلين يرتبط أيضا بحجم الطلب على اليد العاملة داخل الاقتصاد الوطني.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تواجه تحديات مرتبطة بالتمويل والولوج إلى الأسواق واستمرارية النشاط، وهي عوامل تؤثر في قدرتها على التوسع والتوظيف.
وتقدم دراسة المندوبية السامية للتخطيط، المنجزة بشراكة مع منظمة العمل الدولية والمنشورة في أبريل الماضي، معطيات تفصيلية عن وضعية الشباب الذين لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين.
واستنادا إلى بيانات البحث الوطني حول التشغيل، ولا سيما معطيات سنة 2023، بلغ عدد الشباب الموجودين في هذه الوضعية نحو 2.9 مليون شخص، يمثلون 33.6 في المائة من الفئة العمرية بين 15 و29 سنة.
وتشكل النساء نحو 72 في المائة من هذه الفئة، فيما لا يتوفر حوالي 76 في المائة من الشباب المعنيين على شهادة تأهيلية، وهي مؤشرات تكشف تفاوت الاحتياجات بين الباحثين عن أول وظيفة، والمنقطعين عن الدراسة، والأشخاص الموجودين خارج النشاط الاقتصادي.
وتبرز أهمية هذا التمييز في أن الشباب غير المشتغلين وغير المتابعين للتعليم أو التكوين لا ينتمون جميعا إلى فئة العاطلين الباحثين عن العمل، بل يشملون أيضا أشخاصا غير نشيطين اقتصاديا، قد تحول ظروفهم الاجتماعية أو الأسرية أو الجغرافية دون ولوج سوق الشغل.
ومن ثم، فإن الوصول إلى هذه الفئات يتطلب خدمات للتوجيه والتأهيل والمواكبة تتلاءم مع أوضاعها المختلفة، خصوصا بالنسبة إلى الشابات والشباب غير الحاصلين على شهادات وسكان المناطق التي تعاني ضعف فرص التكوين والتشغيل.
6 مليارات درهم وحكامة تحت إشراف رئاسة الحكومة
رصد مشروع قانون المالية لسنة 2027 غلافا يقارب 6 مليارات درهم للبرنامج الوطني المندمج للشباب، وفق المعطيات التي قدمها فوزي لقجع أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب في 23 أكتوبر الجاري.
وعلى مستوى الحكامة، تتضمن الإجراءات إحداث لجنة وطنية دائمة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، وبنية موحدة بفروع ترابية، إلى جانب نظام معلوماتي لتتبع تنفيذ البرنامج على المستويين الوطني والمحلي.
ويتقاطع هذا التنظيم مع ما أكده الوزير المنتدب المكلف بالشباب، صلاح الدين عبقري في تصريحه للقناة الثانية، بشأن ضرورة تنسيق تدخلات القطاعات المعنية بالتعليم والتكوين والتشغيل، حتى تستجيب البرامج العمومية لحاجيات الشباب وتصل إلى مختلف الفئات المستهدفة.
ويمنح إشراف رئاسة الحكومة على هذا الورش إطارا لتنسيق تدخلات القطاعات والمؤسسات المعنية، فيما ستظل فعالية التنفيذ مرتبطة بتحديد مسؤوليات كل متدخل، وضبط المعطيات المتعلقة بالمستفيدين، وتتبع نتائج التكوين والإدماج المهني.
وتدخل حكومة المنصوري سنة 2027 بأهداف محددة في ملف الشباب تشمل توسيع التكوين المهني وفتح مسارات للتجربة المهنية الأولى ودعم المقاولات، وتخفيف أعباء التنقل والسكن المرتبطة بالبحث عن العمل.
وتتيح هذه الالتزامات إمكانية تتبع حصيلة التنفيذ، سواء من حيث عدد المستفيدين أو توزيع الفرص بين الجهات، أو نسب الانتقال من التكوين إلى التشغيل، ومدى استمرار الشباب في وظائفهم بعد انتهاء فترات المواكبة سيما في بلد يوجد فيه نحو 2.9 مليون شاب وشابة خارج التعليم والتكوين والشغل.











