رصد المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة تحولا في ترتيب الأولويات الحكومية ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، مع تقدم القدرة الشرائية وإدماج الشباب والسيادة الاستراتيجية والتنمية الترابية في الخيارات الميزانياتية، وتزايد الاهتمام بالخدمات العمومية وشروط استفادة المواطنين منها، مقابل تراجع الحضور النسبي للمفردات المرتبطة بالأوراش والبنيات التحتية في الوثائق المالية.
وكشف المركز، في تقريره الصادر في أكتوبر 2026 تحت عنوان “مشروع قانون المالية 2027: ما الذي يتغير مقارنة بقانون المالية النافذ لسنة 2026؟” أن التحولات التي يحملها المشروع تتجاوز إعادة توزيع الاعتمادات المالية، لتشمل ترتيب الأهداف الحكومية وطريقة تقديمها، استنادا إلى مقارنة المقتضيات الميزانياتية وتحليل معجمي للمذكرات التقديمية لمشاريع قوانين المالية لسنوات 2025 و2026 و2027.
وأظهرت نتائج الدراسة أن مشروع مالية 2027 يمنح الصدارة لحماية القدرة الشرائية وترسيخ الدولة الاجتماعية وإدماج الشباب في الحياة الاقتصادية وتسريع الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية المندمجة وتعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، إلى جانب تقوية الاقتصاد ومواصلة الإصلاحات المؤسساتية والحفاظ على التوازنات المالية.
وبحسب المركز، فإن هذا الترتيب يكشف اختلافا في التأطير الحكومي بين السنوات الثلاث، بعدما تصدر توطيد المكتسبات الاقتصادية أولويات مشروع مالية 2026، بينما ركز مشروع 2025 على تقوية ركائز الدولة الاجتماعية. أما مشروع 2027، فيضع الالتزامات الاجتماعية وقضايا السيادة والتنمية الترابية ضمن المحاور المتقدمة في الوثيقة المالية.
وسجل التقرير أن التحول يظهر بوضوح في المفردات المعتمدة داخل الوثائق الميزانياتية، إذ ارتفع حضور كلمة “السيادة” من 0.7 تكرار لكل عشرة آلاف كلمة سنة 2026 إلى 5.8 تكرارات سنة 2027، مقابل 0.5 تكرار سنة 2025، بما يعكس اتساع موقع الأمن المائي والطاقي والغذائي والرقمي في التوجهات المعلنة.
كما ارتفع الوزن المعجمي لمحور الشغل والشباب والتكوين من 32.2 إلى 64.7 تكرارا لكل عشرة آلاف كلمة، فيما انتقل حضور القدرة الشرائية والأسعار من 5.8 إلى 13 تكرارا، والسيادة الاستراتيجية من 5.6 إلى 11.8 تكرارا.
وفي المقابل، أظهرت الدراسة انخفاض استعمال مفردتي “الأشغال” و”البناء” بأكثر من النصف مقابل تضاعف حضور مفردة “الولوج” بنحو 2.6 مرة، وارتفاع استعمال مصطلحات ترتبط بالخدمات والتغطية والتنقل والمسارات المهنية.
وتصدرت كلمة “الخدمة” الكلمات المفتاحية الأكثر حضورا في مشروع مالية 2027، بمعدل 25.6 تكرارا لكل عشرة آلاف كلمة، وهو ما قرأه المركز باعتباره مؤشرا على تزايد الاهتمام بشروط الولوج إلى المرافق العمومية وجودة الخدمات المقدمة، بعد سنوات تميز فيها الخطاب الميزانياتي بحضور أكبر للأوراش والتجهيزات.
وامتد هذا التحول إلى الخدمات العمومية المحلية، مع ارتفاع حضور مفردات النقل الحضري والحافلات وسيارات الأجرة والمحطات الطرقية وحفظ الصحة، وهي مجالات ترتبط مباشرة بتدبير الحياة اليومية للمواطنين، وتشكل جزءا من اختصاصات الجماعات الترابية.
وعلى مستوى الاعتمادات، أورد التقرير أن مشروع مالية 2027 يرفع التكاليف المشتركة للتسيير من 45.5 مليار درهم إلى 64 مليار درهم، بزيادة قدرها 18.5 مليار درهم، ترتبط أساسا بتمويل الالتزامات الاجتماعية، بما فيها المقاصة والتقاعد والاحتياط الاجتماعي والحماية الاجتماعية.
وتوقف المركز عند الإجراءات المرتبطة بالقدرة الشرائية، وفي مقدمتها تحسين معاشات التقاعد، والرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح الضريبة على الدخل، باعتبارها تدابير تتجه إلى تحسين مداخيل الأسر والتخفيف من أعبائها.
وفي ملف الشباب، أبرز التقرير أن مشروع القانون يقدم برنامجا وطنيا مندمجا للفترة 2027-2031، يقوم على تنسيق تدخلات التعليم والتكوين والتشغيل، مع إحداث منصة لتسجيل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة، ممن لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين.
ويراهن هذا البرنامج، وفق المعطيات التي أوردها المركز على تتبع مسارات الشباب وربط التكوين بفرص الاندماج الاقتصادي، بما يسمح بتجاوز تشتت التدخلات القطاعية وتوجيهها نحو أهداف قابلة للقياس.
غير أن الدراسة سجلت عدم تحديد غلاف مالي مستقل لهذا البرنامج في المذكرة التقديمية، في وقت تستقر فيه موارد صندوق النهوض بتشغيل الشباب عند نحو 1.99 مليار درهم، مقابل ملياري درهم سنة 2026، وهو ما يجعل تتبع التمويل الفعلي للبرنامج وآليات تنفيذه مسألة أساسية لتقييم نتائجه.
أما على المستوى الترابي، فقد رصد المركز مضاعفة موارد صندوق التنمية الترابية المندمجة من خمسة مليارات درهم إلى عشرة مليارات درهم، إلى جانب ارتفاع الحصة المحولة إلى الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة من 57.6 مليار درهم إلى 64.7 مليار درهم.
وتأتي هذه الزيادات ضمن التوجه الرامي إلى تعزيز دور الجهات والجماعات الترابية في تنفيذ السياسات العمومية، بالتوازي مع برامج تنموية مندمجة ينتظر أن تعبئ نحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، منها 25 مليار درهم خلال سنة 2027.
كما استحضر التقرير الالتزام برفع تحويلات الدولة إلى الجهات إلى 12 مليار درهم سنويا على الأقل، وتسريع اللاتمركز الإداري، بما يدعم نقل الموارد والاختصاصات إلى المستوى الترابي، ويربط تنفيذ البرامج التنموية بحاجيات الجهات.
وفي محور السيادة الاستراتيجية، سجل المركز اتساع حضور الالتزامات المرتبطة بتأمين الموارد الأساسية، من بينها رفع قدرات تحلية مياه البحر إلى أكثر من 1.8 مليار متر مكعب سنويا في أفق 2031، وتعزيز المخزون الاستراتيجي للمحروقات والحبوب، وتطوير السحابة السيادية.
كما أورد التوجه نحو رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة، ضمن التدابير المرتبطة بالسيادة الغذائية، إلى جانب تطوير القدرات الوطنية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
ولفت التقرير إلى أن تقدم هذه الأولويات لا يعني التخلي عن الاستثمارات الكبرى في البنيات التحتية، إذ يستمر المشروع في مواكبة الأوراش المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030، خصوصا السكك الحديدية والمطارات وشبكات النقل.
وفي هذا الجانب، شدد المركز على أهمية التوفيق بين المشاريع الكبرى ذات الآجال المحددة والبرامج الاجتماعية والترابية التي تتطلب تمويلا متواصلا، مع ضمان توزيع الموارد والقدرات التنفيذية وفق الحاجيات الفعلية لمختلف الجهات.
وكشفت الدراسة، في جانب آخر من التحليل المعجمي عن تفاوت بين حضور بعض الأولويات في التأطير العام للمشروع وحضورها في عرض البرامج التفصيلية، إذ بلغ تكرار عبارة “القدرة الشرائية” 11.4 مرة لكل عشرة آلاف كلمة في التأطير، مقابل 1.7 مرة في البرامج فيما سجلت مفردة “السيادة” 17.1 تكرارا في التأطير مقابل 4.2 في البرامج.
ونبه المركز إلى أن هذا التفاوت لا يكفي للحكم على حجم التمويل أو مستوى الالتزام الحكومي، لكنه يبرز أهمية الانتقال من إعلان الأولويات إلى تحديد الاعتمادات والبرامج ومؤشرات قياس النتائج.
وخلص تقرير “مشروع قانون المالية 2027 ما الذي يتغير مقارنة بقانون المالية النافذ لسنة 2026؟” إلى أن الوثيقة المالية الجديدة تعكس إعادة ترتيب للأولويات الحكومية، مع حضور أكبر للقدرة الشرائية والشباب والسيادة والتنمية الترابية والخدمات العمومية.
واعتبر أن اختبار هذه التوجهات خلال الفترة 2027-2031 سيكون مرتبطا بقدرة البرامج المعلنة على تحسين جودة الخدمات وتوسيع فرص إدماج الشباب وتقليص الفوارق بين الجهات، وتحويل الاعتمادات المالية إلى نتائج قابلة للقياس في حياة المواطنين.











