كشفت المفوضية الأوروبية، استحواذ المغرب على نحو ثلاثة مليارات درهم من التمويلات المخصصة لاتفاقيات الصيد البحري خلال الفترة الممتدة من 2014 إلى 2025، أي ما يناهز 20.5 في المائة من مجموع المساهمات المالية للاتحاد الأوروبي، محتلا المرتبة الثانية بين شركائه خلف موريتانيا ما يعيد إلى الواجهة الأهمية الاقتصادية لاتفاق الصيد المغربي الأوروبي، الذي استفادت بموجبه 128 سفينة أوروبية من إمكانيات الصيد في المياه المشمولة بالبروتوكول الأخير، قبل توقف العمل به في يوليوز 2023، فيما حصلت المفوضية الأوروبية مطلع السنة الجارية على تفويض لفتح مفاوضات بشأن اتفاق جديد مع المملكة.
الحصيلة التي نشرتها بروكسيل، تفيد بأن المغرب استحوذ على نحو 278 مليون يورو من أصل 1.355 مليار يورو رصدها الاتحاد الأوروبي لاتفاقيات الصيد البحري على مدى اثنتي عشرة سنة، مقابل 612 مليون يورو لموريتانيا، التي تصدرت الترتيب بنسبة 45.2 في المائة.
وجاءت غرينلاند في المرتبة الثالثة بنسبة 14.3 في المائة، تلتها غينيا بيساو بنسبة 9.5 في المائة، ثم السيشل بنسبة 4.1 في المائة. واستأثر هؤلاء الشركاء الخمسة وحدهم بنسبة 93.6 في المائة من مجموع التمويلات الأوروبية، مقابل 6.4 في المائة تقاسمتها بقية الدول المستفيدة.
وتشمل هذه المبالغ المساهمات التي تؤديها الميزانية الأوروبية مقابل ولوج سفن الصيد إلى الموارد السمكية للدول الشريكة، والاعتمادات الموجهة لدعم سياساتها القطاعية، دون احتساب الرسوم التي يؤديها مجهزو السفن الأوروبيون مباشرة.
وبلغ متوسط الإنفاق الأوروبي على هذه الاتفاقيات نحو 113 مليون يورو سنويا، بعدما ارتفع من 69.3 مليون يورو سنة 2014 إلى 153.6 مليون يورو سنة 2022، قبل أن يتراجع خلال السنوات اللاحقة.
18 سفينة استحوذت على 99 في المائة من المصطادات الأوروبية
تظهر تفاصيل الشراكة المغربية الأوروبية أن الجزء الأكبر من المصطادات التي حققها الأسطول الأوروبي في المياه المشمولة ببروتوكول 2019 كان من نصيب عدد محدود من السفن الصناعية الكبيرة.
فبحسب دراسة نشرها البرلمان الأوروبي سنة 2025، استحوذت 18 سفينة متخصصة في الصيد الصناعي للأسماك السطحية على 99 في المائة من مجموع المصطادات الأوروبية في المنطقة التي شملها البروتوكول، بينما لم تستغل بقية فئات السفن سوى جزء أقل بكثير من إمكانيات الصيد المتاحة لها.
وكان بروتوكول 2019 قد أتاح إمكانيات الصيد لفائدة 128 سفينة أوروبية، موزعة على ست فئات تشمل الصيد التقليدي، والصيد القاعي، وصيد التونة، والصيد الصناعي للأسماك السطحية.
وحدد البروتوكول الكميات المسموح بصيدها بالنسبة إلى الفئة الصناعية في 85 ألف طن خلال السنة الأولى، و90 ألف طن خلال الثانية، قبل رفعها إلى 100 ألف طن سنويا خلال السنتين الأخيرتين.
وتبرز هذه المعطيات أهمية الموارد السمكية التي أتاحتها الشراكة لقطاعات من الأسطول الأوروبي، خصوصا السفن الصناعية التي استحوذت على النصيب الأكبر من المصطادات، كما توضح أن المقابل المالي الذي كان يحصل عليه المغرب ارتبط بإمكانيات صيد محددة استفاد منها مجهزون أوروبيون بموجب ترتيبات تعاقدية امتدت لسنوات.
280 مليون يورو من الميزانية الأوروبية خلال بروتوكولين
تعود الحصة التي سجلها المغرب في التمويلات الأوروبية إلى بروتوكولين متتاليين، دخل أولهما حيز التنفيذ في 15 يوليوز 2014، واستمر إلى غاية 14 يوليوز 2018.
ونص البروتوكول الأول على مساهمة سنوية من ميزانية الاتحاد الأوروبي بقيمة 30 مليون يورو، منها 16 مليون يورو مقابل حقوق الصيد، و14 مليون يورو لدعم السياسة المغربية في القطاع، إلى جانب نحو 10 ملايين يورو سنويا من الرسوم التي يؤديها مجهزو السفن الأوروبية.
وبلغت الالتزامات المالية للميزانية الأوروبية خلال السنوات الأربع 120 مليون يورو، دون احتساب المدفوعات الخاصة.
أما البروتوكول الثاني، الذي دخل حيز التنفيذ في 18 يوليوز 2019، فقد رفع المساهمة المالية الإجمالية إلى نحو 208 ملايين يورو خلال أربع سنوات، بما يشمل رسوم مجهزي السفن، فيما بلغت حصة الميزانية الأوروبية وحدها 160.6 مليون يورو.
وتدرجت المساهمة الأوروبية السنوية من 37 مليون يورو في السنة الأولى إلى 42.4 مليون يورو خلال كل واحدة من السنتين الثالثة والرابعة.
وخصص جزء من هذه المبالغ لدعم قطاع الصيد البحري المغربي، إذ بلغت اعتمادات الدعم القطاعي 17.9 مليون يورو في السنة الأولى، و18.8 مليون يورو في الثانية، ثم 20.5 مليون يورو سنويا خلال السنتين الأخيرتين.
وشملت مجالات التمويل البحث العلمي، ومراقبة أنشطة الصيد، والتجهيزات المينائية والمعدات المهنية، وتربية الأحياء المائية، والسلامة البحرية، وتكوين العاملين في القطاع.
وكانت اللجنة المشتركة المغربية الأوروبية قد ناقشت، خلال اجتماع عقدته بالرباط يومي 9 و10 نونبر 2022، التوزيع الجغرافي والاجتماعي للمساهمات المالية المرتبطة بالبروتوكول، بالنظر إلى أنشطة السفن الأوروبية.
اتفاق متوقف منذ ثلاث سنوات ومفاوضات جديدة تلوح في الأفق
انتهى العمل بآخر بروتوكول للصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي في 17 يوليوز 2023، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد الأسطول الأوروبي يتوفر على إمكانيات للصيد في المياه المشمولة بالاتفاق بموجب هذا الإطار التعاقدي.
وتصنف المفوضية الأوروبية الشراكة مع المغرب ضمن الاتفاقيات التي لا تتوفر على بروتوكول تنفيذي ساري المفعول، وهو ما يمنع منح تراخيص مباشرة لمجهزي السفن الأوروبية خارج القواعد التي تنظم هذه الشراكة.
وعليه، فإن حصة المغرب البالغة 20.5 في المائة من التمويلات الأوروبية تمثل حصيلة تراكمية للفترة الممتدة بين 2014 و2025، ولا تعني استمرار صرف المساهمات المالية بعد انتهاء البروتوكول.
وجاء توقف العمل بالاتفاق قبل صدور أحكام قضائية أوروبية أعادت طرح الإشكالات القانونية المرتبطة بتطبيقه على المياه المحاذية للصحراء.
ففي 4 أكتوبر 2024، أكدت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي إلغاء القرارات المتعلقة بإبرام اتفاق الصيد البحري لسنة 2019، معتبرة أن تطبيقه على المياه المحاذية للصحراء الغربية لم يستوف شرط موافقة شعب الإقليم، وفق التعليل القانوني الذي اعتمدته المحكمة.
وأوضحت المحكمة أن القرار المتعلق باتفاق الصيد كان قد توقف عن إنتاج آثاره بالفعل بعد انتهاء البروتوكول في يوليوز 2023 ورغم هذه التطورات، لم يُغلق الاتحاد الأوروبي باب التفاوض بشأن استئناف الشراكة مع المغرب.
فقد أفادت المفوضية الأوروبية، في جواب برلماني بتاريخ 21 ماي الماضي، بأن مجلس الاتحاد الأوروبي منحها، في 20 يناير من السنة نفسها، تفويضا لفتح مفاوضات بشأن اتفاق جديد للصيد البحري مع المملكة وبروتوكوله التنفيذي.
وأكدت المفوضية ضرورة احترام حكم محكمة العدل الأوروبية الصادر في أكتوبر 2024، بما يجعل التوصل إلى صيغة قانونية تستجيب لهذه المتطلبات جزءا أساسيا من أي اتفاق مرتقب.
ولم تعلن عن دخول بروتوكول جديد حيز التنفيذ، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على انتهاء العمل بالاتفاق السابق.
المغرب ثاني أكبر مستفيد تاريخيا رغم غيابه عن الاتفاقيات النشطة
تحتفظ موريتانيا بصدارة الشركاء المستفيدين من التمويلات الأوروبية للصيد البحري، بموجب بروتوكول ساري المفعول ينص على مساهمة سنوية من الميزانية الأوروبية تبلغ 60.8 مليون يورو، مقابل 17.3 مليون يورو لغرينلاند و17 مليون يورو لغينيا بيساو.
أما المغرب، الذي احتل المرتبة الثانية في الحصيلة التراكمية الممتدة من 2014 إلى 2025، فلا يتلقى حاليا مساهمات بموجب بروتوكول صيد نشط، رغم المكانة التي احتلتها المملكة في الاتفاقيات السابقة.
ويمنح التفويض الأوروبي الصادر في يناير 2026 بعدا جديدا لهذه الحصيلة، إذ يأتي التحرك نحو التفاوض بشأن اتفاق جديد بعد سنوات استفاد خلالها الأسطول الأوروبي من إمكانيات صيد مهمة، في مقابل مساهمات مالية وجه جزء منها لدعم القطاع المغربي.
وتظل عودة السفن الأوروبية إلى الصيد في المياه المشمولة بالشراكة رهينة بإبرام بروتوكول جديد يستوفي الشروط القانونية اللازمة، فيما تؤكد أرقام المفوضية الأوروبية أن المغرب ظل، على امتداد الفترة المدروسة، ثاني أكبر مستفيد من التمويلات التي رصدتها بروكسيل لاتفاقيات الصيد مع شركائها.











