أكد أحمد العبادي، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، أن قرار حزبه المشاركة في الحكومة كان صعبا وشجاعا، وجرى حسمه بالإجماع بعد نقاش داخلي عميق ومسؤول، موضحا أن هذا الاختيار استند أيضا إلى الأجوبة المطمئنة التي وجدها الحزب خلال المشاورات مع رئيسة الحكومة، في أجواء من الثقة والإرادة لبناء توجه إصلاحي جديد ومشترك.
وأوضح العبادي، خلال مداخلته في الجلسة المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي، أن الحزب، الذي تتواصل نضالاته الوطنية منذ 83 سنة على مختلف الواجهات، اتخذ قرارا “واعيا ومسؤولا” و”حرا ومستقلا”، بعد مناقشة الأدوار التي يمكن أن يضطلع بها في مواجهة حجم التحديات، ودفع مسار الإصلاح، والتجاوب مع الانتظارات الهائلة للمغاربة وأوضاعهم الصعبة.
ووصف النقاشات التي عرفها الحزب بأنها حادة لكنها صحية، رابطا ذلك بطابعه الديمقراطي والتقدمي واعتماده التحليل الملموس للواقع الملموس، وفق مصلحة الوطن والشعب.
وأكد أن الحزب وجد نفسه أمام اختيار صعب ووضع مركب له امتدادات في الماضي والمستقبل، وأن الموضوعية اقتضت التعامل مع الأمور والمواقف في ديناميتها وتطورها، انسجاما مع دفاعه عن فضاء سياسي وحزبي يشتغل ويتطور بحرية وبشكل طبيعي، واستحضارا للمجهودات التي بذلتها مختلف الأطراف لإعمال المراجعات والاجتهادات والتحولات الضرورية.
وعدّ أن المشاركة تمثل “الطريق الأصعب”، معربا عن موقف إيجابي، لأسباب موضوعية، من البرنامج الحكومي الذي وصفه بالطموح والمتقدم والواعد والواقعي، لما تضمنه من تفاعل إيجابي وتطابق كبير في الرؤية مع القضايا الأساسية التي طرحها ويواصل طرحها حزب التقدم والاشتراكية.
وفي مقدمة هذه القضايا، أبرز الارتكاز على النفس السياسي الديمقراطي وأولوية المسألة الاجتماعية، بالنظر إلى تدهور القدرة الشرائية، وما يفرضه من تدابير قوية وملموسة ذات أثر إيجابي مباشر على معيش المواطنين في القرى والمدن، وخاصة الفئات المستضعفة والطبقة المتوسطة.
وثمن العزم المعلن للحكومة على التفاعل مع الأولويات المشتركة، ومنها توطيد الفضاء الديمقراطي وتقوية الثقة والمصداقية، والتجاوب السريع والفعال مع الانتظارات، مؤكدا أن ذلك يستلزم تماسك الأغلبية وإرادة سياسية قوية لدى الفريق الحكومي لمواجهة الأوضاع الصعبة.
وقال رئيس فريق التقدم والاشتراكية إن الحاجة قائمة إلى حكومة في مستوى المرحلة وتحدياتها، “تلتقط إشارات المجتمع، وتنصت إلى نبضه، وتفتح آفاق الأمل، من خلال منجز حقيقي على أرض الواقع”. واستحضر، في هذا السياق، أحداث الهجرة نحو سبتة، التي وصفها بالمحتلة، وحراك جيل Z والعزوف الانتخابي، باعتبارها إشارات دالة يتعين عدم الاستخفاف بها.
وتوقف عند الاستياء والغضب المستشريين في أوساط مختلفة من المجتمع، وعزوف الشباب ومخاصمتهم السياسة والأحزاب والانتخابات والمؤسسات المنتخبة، واصفا هذه المظاهر بالمقلقة، ومؤكدا أنها تسائل الجميع وتستدعي إجابات تعيد الثقة.
وفي هذا الإطار، دعا الحكومة الجديدة إلى اتخاذ ما يلزم لخلق مناخ إيجابي جديد، “بما في ذلك السعي، بالأسلوب المناسب، نحو إطلاق سراح شباب حراك جيل زد وأي حراك سلمي آخر”.
وأكد أن الرأي العام ينتظر باهتمام وترقب التعامل مع عدد من الملفات، في مقدمتها الجدية والحزم في تخليق الحياة العامة ومكافحة كافة أشكال الفساد والريع وتضارب المصالح وتجريم الإثراء غير المشروع، مشيرا إلى ان الالتزام بالقطع مع هذه الممارسات ومواجهة الممارسات الاقتصادية الفاسدة واختلالات السوق من دواعي دعم حزبه للبرنامج الحكومي.
وأوضح أن البرنامج يجسد الإرادة المشتركة للأغلبية لإعطاء نفس جديد للإصلاح، ويتقاسم مع الحزب أولويات اقتصادية واجتماعية تستدعي الفعالية والسرعة في المعالجة، من بينها السيادة الاقتصادية والتحول نحو التصنيع ومعالجة ثغرات السياسة الفلاحية، وقضايا الشباب المرتبطة بالشغل والتكوين والتعليم، والتضخم وغلاء الأسعار وما يقتضيانه من تنقية سلاسل التوزيع والتسويق.
وأضاف إلى هذه الأولويات التعميم الفعلي للحماية الاجتماعية والرفع من الدخل، وقضايا التقاعد والمعاشات، ومسألة المؤشر واختلالات الدعم الاجتماعي المباشر، والارتقاء بالمرفق العمومي والخدمات العمومية، مؤكدا انخراط الفريق في توجهات البرنامج والتزاماته بشكل واع ومسؤول وبناء.
وفي تفصيل مبررات هذا الدعم، قال إن البرنامج يقوم على الثوابت الجامعة للأمة، بما فيها الاختيار الديمقراطي، ويستهدف تقوية الثقة وتحرير الطاقات، ويرتكز على مستلزمات ترسيخ الوحدة الترابية على أساس مشروع الحكم الذاتي في كنف السيادة المغربية. وشدد على ضرورة المضي، تحت قيادة الملك محمد السادس، نحو تمتين الجبهة الداخلية ديمقراطيا واقتصاديا واجتماعيا.
وبخصوص القضية الفلسطينية، أكد أنها تكتسي مرتبة “قضية وطنية”، مجددا التضامن المطلق مع الشعب الفلسطيني في مواجهة ما وصفه بحرب الإبادة ومخططات التهجير الإسرائيلية، مضيفا أن مساندة الحزب للشعب الفلسطيني ستظل ثابتة وقوية حتى نيله كافة حقوقه الوطنية المشروعة.
وأبرز أن البرنامج يستند إلى مرجعيات متماسكة وقوية تبني على تقاطعات برامج أحزاب الأغلبية وانسجامها، بما يتيح ترصيد المكتسبات وإحداث القطائع مع أعطاب السياسات العمومية، مع استحضار التحديات والسياقات الصعبة “بمنطق العزم على تحويلها إلى فرص، وليس بمنطق التبرير”.
وثمن وضع توطيد الديمقراطية ودولة الحق والحريات والقانون والمؤسسات وصيانة الهوية والمواطنة ضمن أولويات البرنامج، من خلال التزامات دقيقة تشمل المساواة وإخراج مدونة الأسرة، والشأن الثقافي وقضايا مغاربة العالم والتفعيل الحقيقي للأمازيغية.
وفي السياق نفسه، توقف عند تطوير الجهوية واللامركزية واللاتمركز، في ارتباط بالجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، داعيا الحكومة إلى تفعيله في ظل إشراك حقيقي للمنتخبين والهيئات المنتخبة.
وعلى المستوى الاجتماعي، عدّ أن البرنامج يسعى إلى وضع الحماية الاجتماعية على مسارها الصحيح من حيث الأثر والاستدامة، عبر إعادة بناء الدعم الاجتماعي المباشر على أساس الدخل الفعلي، والرفع من قيمته وجعله مدخلا للإدماج. وأكد أن ترسيخ الدولة الاجتماعية فعليا يستند إلى حماية القدرة الشرائية وإلى المستشفى العمومي والمدرسة العمومية والجامعة العمومية.
وثمن إدراج إدماج الشباب ضمن أولى الأولويات، على أساس سياسة مندمجة ومسار موحد، مع إعادة الاعتبار للتطوع، إلى جانب الالتزام بتأمين السيادة الاستراتيجية وتكريس الإشعاع الدولي للمغرب وبناء اقتصاد قوي قادر على تمويل طموحه الاجتماعي والسيادي، واستشراف دينامية اقتصادية واستثمارية تخلق مناصب الشغل اللائق اللازمة.
وعلى الصعيد المؤسساتي، هنأ العبادي النائبات والنواب بثقة الناخبات والناخبين، كما هنأ رئيسة الحكومة وعضواتها وأعضاءها بالثقة الملكية، معتبرا إياها تتويجا للإرادة الشعبية في احترام للدستور، ومتمنيا لهم التوفيق.
وتوقف عند الدلالات الرمزية لتعيين امرأة على رأس الحكومة للمرة الأولى، معربا عن تطلع حزبه إلى أن يشكل هذا الحدث قوة دافعة لمسار المساواة، ومعتبرا أن التعيين الملكي يتوج المسار الحزبي والانتخابي لرئيسة الحكومة كامرأة مغربية وسياسية مناضلة.
وأقر بأن التحديات كبيرة والرهانات أكبر، وأن سقف الانتظارات مرتفع بعد سنوات عسيرة، في وقت يعيش فيه العالم على إيقاع التقلبات واللايقين. لكنه أعرب عن تفاؤل واقعي بالبرنامج، معتبرا أنه يحمل الانتظارات الحقيقية ويتوفر على بذور النجاح، وأن مسؤولية الجميع، والحكومة تحديدا، تتمثل في فتح الآفاق وأبواب الأمل.
ودعا الحكومة إلى التحلي بأقصى درجات الشفافية والوضوح مع الرأي العام، والتواصل الدائم مع المجتمع وقول الحقيقة وتقبل الانتقادات، قائلا: “لا ديمقراطية من دون معارضة ومن دون ملاحظات، ولا من دون صحافة حرة ومستقلة”.
وأعرب عن يقينه بتشبع الحكومة بهذه القيم والروح الديمقراطية، متمنيا لها التوفيق في معركة تفعيل البرنامج وتنفيذه، ومؤكدا مساندته بثقة ووعي ومسؤولية والتزام.
وشدد العبادي، من منطلق الانتصار لقضايا الوطن والمواطنين، على أن حزبه “لن نتوانى عن الوفاء والتضامن في إطار الأغلبية، كما لن نتهاون عن ممارسة أدوارنا البرلمانية النضالية، بالتنبيه والاقتراح والمساءلة والمراقبة، بشكل بناء ومسؤول”.











