حدد رشيد ساري الخبير والمحلل الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، ثماني رسائل استراتيجية كبرى قال إن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، حملها إلى الحكومة والبرلمان وبقية الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين، معتبرا أن المرحلة المقبلة تضع المغرب أمام رهانات تتجاوز تدبير الملفات القطاعية إلى تسريع الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز السيادة الاقتصادية، وتفعيل الجهوية المتقدمة، وإعادة النظر في طبيعة الشراكات الدولية، ولا سيما في ملف الهجرة.
ساري وفي قراءة تحليلية لمضامين الخطاب، خص بها AM+MEDIAتوقف عند ما اعتبره انتقالا من مرحلة وضع الاستراتيجيات وإعلان الالتزامات إلى مرحلة تتطلب التنفيذ الميداني، وربط السياسات العمومية بالنتائج الملموسة، مشددا على أن تحقيق التنمية لم يعد مرتبطا فقط بحجم الاستثمارات أو طبيعة البرامج المعتمدة، وإنما أيضا بقدرة المؤسسات على تنزيلها، وتجاوز العراقيل الإدارية والمجالية، وإشراك القطاع الخاص والشباب في إنتاج الثروة وخلق فرص الشغل.
واعتبر المحلل الاقتصادي أن الرسائل الثماني تتقاطع حول إعادة ترتيب أولويات العمل العمومي، انطلاقا من تثمين المكتسبات الوطنية، مرورا بتحصين الأمن المائي والطاقي والغذائي، وصولا إلى تعزيز مسؤولية المؤسسة التشريعية أمام المواطنين، في سياق يتطلب، وفق قراءته، رفع وتيرة الإصلاح وتجاوز التأخر المسجل في عدد من الأوراش الاستراتيجية.
الهوية الوطنية والمكتسبات المغربية.. منطلق الإصلاحات المقبلة
وأوضح ساري أن أولى الرسائل التي استخلصها من الخطاب الملكي تتمثل في الاعتزاز بالهوية الوطنية والمكتسبات التي راكمها المغرب، باعتبارها منطلقا لمواصلة مسار الإصلاح والتنمية.
وتوقف في هذا السياق عند أهمية استحضار المنجزات الوطنية في مقاربة التحديات المقبلة، بما يجعل الحفاظ على المكتسبات وتعزيزها جزءا من الرؤية الاستراتيجية للدولة، بالتوازي مع ضرورة مواصلة الإصلاحات والاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية.
جيل جديد من الاستراتيجيات.. الأمن المائي والطاقي والغذائي والذكاء الاصطناعي
وفي الرسالة الثانية، أبرز رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن الخطاب وفق قراءته، دعا إلى إطلاق جيل جديد من الإصلاحات ذات الطابع الاستراتيجي، خاصة في القطاعات المرتبطة بالأمن المائي والأمن الطاقي والأمن الغذائي، إلى جانب الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
واعتبر ساري أن هذه المجالات تشكل محاور أساسية في بناء القدرة الاقتصادية للمغرب، بالنظر إلى ارتباطها المباشر باستمرارية الإنتاج وتلبية الحاجيات الأساسية ومواكبة التحولات التكنولوجية والصناعية المتسارعة.
وأشار أيضا إلى مسألة تعزيز الاحتياطات، التي أدرجها ضمن التوجهات الاستراتيجية التي توقف عندها، بما يعكس، في تحليله، أهمية الاستعداد للمخاطر والتقلبات التي يمكن أن تؤثر في الاقتصاد الوطني.
ويضع هذا التوجه بحسب القراءة التي قدمها، الأمن الاقتصادي بمختلف أبعاده في صلب السياسات العمومية، مع توسيع مفهوم التنمية ليشمل القدرة على تأمين الموارد الأساسية، وتطوير القطاعات الإنتاجية، وتعزيز حضور المغرب في الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيات الحديثة.
القطاع الخاص.. من فاعل اقتصادي إلى شريك استراتيجي في التنمية
أما الرسالة الثالثة، فتتعلق بحسب ساري بتعزيز دور القطاع الخاص في تحقيق النمو الاقتصادي، من خلال دعوة المقاولات الوطنية إلى التحول إلى فاعل استراتيجي في التنمية، بدل الاقتصار على أدوارها الاقتصادية التقليدية.
وأوضح أن هذا التحول يقتضي تشجيع المبادرات المقاولاتية والابتكار وتوسيع الاستثمارات والرفع من مستويات الإنتاج والتصدير، فضلا عن خلق مناصب شغل جديدة.
وفي هذا الإطار، ربط المحلل الاقتصادي بين مساهمة المقاولة الوطنية في النمو وبين قدرتها على الانخراط في الأوراش التنموية الكبرى، بما يجعل الاستثمار المنتج وخلق فرص العمل عنصرين أساسيين في قياس مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.
الشباب أولوية وطنية.. التشغيل والتكوين واستعادة الثقة في المستقبل
وتوقف ساري عند الرسالة الرابعة، التي قال إنها تندرج ضمن الاهتمامات المتواصلة للملك محمد السادس، والمتعلقة بجعل الشباب في صدارة السياسات العمومية.
وأوضح أن هذه الأولوية تشمل توفير فرص العمل، وتطوير التكوين، ودعم الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب تعزيز ثقة الشباب في المستقبل وفي مؤسسات الدولة.
واعتبر أن الاهتمام بالشباب لا يمكن اختزاله في البرامج الموجهة إلى التشغيل وحده، بل يرتبط أيضا بتوفير الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح لهم بالمشاركة الفعلية في التنمية والاستفادة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الوطني.
وبحسب قراءته، فإن وضع الشباب في مقدمة الأولويات يستدعي معالجة التحديات المرتبطة بالتأهيل والإدماج، وربط المبادرات العمومية بحاجيات هذه الفئة وانتظاراتها، بما يعزز علاقتها بالمؤسسات ويفتح أمامها آفاقا اقتصادية واجتماعية أوضح.
التنمية الترابية والعدالة المجالية.. الانتقال من الوعود إلى العمل الميداني
وفي الرسالة الخامسة، ركز ساري على التنمية الترابية والجهوية، معتبرا أن العدالة المجالية والجهوية المتقدمة ظلتا من القضايا الحاضرة باستمرار في الخطب الملكية غير أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال إلى مستوى أكثر تقدما في التنفيذ.
وأوضح أن الخطاب الملكي وضع العمل الميداني في صلب الأولويات، من خلال الدعوة إلى الوقوف على المشاكل الحقيقية التي تواجه مختلف الجهات والأقاليم، والعمل على معالجتها وفق مقاربات تراعي الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية لكل منطقة.
وشدد على أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقتصر على تقديم الوعود أو الإعلان عن البرامج، بل تتطلب عملا ميدانيا وعن قرب، يسمح بتحديد الحاجيات الفعلية للمواطنين، وتحسين جودة الخدمات العمومية، ودعم الاستثمار المنتج على المستوى الترابي.
وفي هذا السياق، اعتبر أن الاستثمار لا يمكن أن يخضع لمنطق موحد في جميع مناطق المملكة، بالنظر إلى اختلاف المؤهلات والموارد والحاجيات بين الجهات، وهو ما يستدعي، بحسب قراءته، سياسات تنموية تستحضر خصوصية كل مجال ترابي.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما ورد في الخطاب الملكي بشأن جعل العمل الميداني أساس المرحلة المقبلة، وربط التنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج بمسار الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.
الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.. ورش تأخر كثيرا ويحتاج معالجة فورية
وخصص ساري الرسالة السادسة لما اعتبره أحد أبرز الملفات التي تستوجب تدخلا عاجلا، ويتعلق بالتعجيل بتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، مؤكدا أن المغرب تأخر كثيرا في تنزيل هذا الورش.
وقال المحلل الاقتصادي إن هذا التأخر جعل من الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري ورشا حقيقيا يحتاج اليوم إلى معالجة فورية، خاصة بالنظر إلى تأثير العراقيل القائمة على قدرة المؤسسات الترابية على تنفيذ البرامج التنموية والاستجابة لانتظارات المواطنين.
وأوضح أن جلالة الملك محمد السادس توقف عند التأخر المسجل في تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري، ودعا إلى تجاوز الاختلالات التي تحول دون تفعيلهما الكامل.
وأبرز أن التوجيهات الملكية شملت ضرورة نقل الاختصاصات والموارد من المركز إلى الجهات والأقاليم، بما يتيح للمؤسسات الترابية الإمكانيات اللازمة لممارسة مسؤولياتها واتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع.
وأضاف أن الأمر يتعلق أيضا بإزالة العراقيل التي تحد من فعالية المؤسسات الجهوية، وتوضيح الاختصاصات، وتعزيز الموارد البشرية والمادية الموضوعة رهن إشارتها، بما يسمح بتجاوز الفجوة بين المسؤوليات المسندة إلى الجهات والإمكانيات المتاحة لها.
كما توقف عند الدعوة إلى إرساء آليات واضحة للتنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، معتبرا أن تنظيم هذه العلاقة يمثل جزءا أساسيا من إنجاح ورش الجهوية المتقدمة.
وفي هذا الإطار، شدد على أن استمرار التأخر في نقل الاختصاصات والموارد من شأنه أن ينعكس على فعالية التنمية الترابية، خصوصا أن الجهات تحتاج إلى صلاحيات وإمكانيات فعلية لتدبير المشاريع والاستجابة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية.
وكان الخطاب الملكي قد شدد على عدم قبول المزيد من التأخير في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، مع نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية إلى الأقاليم والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد تمكن الجهات من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
الهجرة مع أوروبا.. نموذج تعاون متجاوز ورفض للضغوط والابتزاز السياسي
وفي قراءته للرسالة السابعة، اعتبر رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن الخطاب الملكي حمل توجها نحو إعادة صياغة شراكات المغرب مع أوروبا في مجال الهجرة، انطلاقا من المكانة التي أصبحت المملكة تحتلها باعتبارها شريكا دوليا مسؤولا وموثوقا.
وأوضح ساري أن النموذج الحالي للتعاون في ملف الهجرة أصبح متجاوزا، معتبرا أن الحاجة إلى تغيير هذه المنظومة مطروحة منذ أكثر من عقد، في ظل التحولات التي عرفتها العلاقات بين المغرب وشركائه الأوروبيين.
وتوقف عند الإشكالات القضائية والقانونية التي تعيق التعاون مع إسبانيا، بما فيها بعض المقتضيات المرتبطة بالهجرة والقرارات القضائية التي تحول دون تنفيذ عدد من الإجراءات المتعلقة بتدبير هذا الملف.
وفي هذا الصدد، أشار إلى أن الخطاب الملكي تناول الصعوبات المرتبطة بترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، في ظل وجود مقتضيات قانونية وقرارات قضائية اعتبرها الخطاب غير منسجمة مع واقع التعاون القائم.
واعتبر ساري أن الرسالة الأساسية في هذا المحور تتعلق برفض أي ضغوط أو تهديدات أو ابتزاز سياسي بخصوص ملف الهجرة، انطلاقا من كون المغرب دولة ذات سيادة، وقادرة على تدبير شؤونها وعلاقاتها الخارجية بشكل رزين وحكيم.
وأضاف أن المملكة أصبحت وفق تقديره، أكثر قوة بمؤسساتها وحكامتها وقدرتها على إدارة مجموعة من الملفات الاستراتيجية، وهو ما ينعكس على طبيعة العلاقة التي تسعى إلى إرسائها مع شركائها الدوليين.
وربط المحلل الاقتصادي هذا التوجه بالدعوة الملكية إلى تقديم رؤية استراتيجية جديدة للشركاء الدوليين، بما يؤسس، بحسب قراءته، لمنظور مختلف للتعاون لا يقتصر على المقاربة التقليدية للهجرة، وإنما يستحضر المصالح المشتركة وموقع المغرب في علاقاته الدولية.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن الخطاب يفتح المجال أمام إعادة النظر في أسس التعاون مع الشركاء الأوروبيين، وفق رؤية تقوم على احترام السيادة الوطنية والتعامل المتوازن بين الأطراف.
وكان جلالة الملك محمد السادس قد أعلن في خطابه أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
البرلمان أمام تعاقد أخلاقي وسياسي.. المسؤولية أمام المواطنين والتاريخ
أما الرسالة الثامنة والأخيرة، فخصصها ساري للمؤسسة التشريعية معتبرا أن الخطاب الملكي وجه رسالة قوية إلى البرلمان المغربي، من خلال التذكير بطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتق البرلمانيين خلال الولاية التشريعية الجديدة.
وأوضح أن هذه المسؤولية لا تقتصر على ممارسة الاختصاصات الدستورية المرتبطة بالتشريع ومراقبة العمل الحكومي، بل تتجاوز ذلك إلى الالتزام السياسي والأخلاقي تجاه المواطنين الذين منحوا ممثليهم الثقة عبر صناديق الاقتراع.
وتوقف عند التذكير الملكي بأن الانتداب البرلماني يشكل تعاقدا أخلاقيا وسياسيا مع المواطنين، معتبرا أن هذه الرسالة تضع البرلمانيين أمام مسؤولية وطنية تتطلب الارتقاء إلى مستوى انتظارات المجتمع.
وأشار إلى أن الخطاب ربط المسؤولية البرلمانية بالمحاسبة أمام الله والمواطنين والتاريخ، وهو ما يمنح، في قراءته، بعدا أخلاقيا وسياسيا لممارسة العمل النيابي.
وبحسب ساري، فإن هذا التذكير يحمل دعوة إلى استحضار المسؤولية الوطنية في أداء المهام البرلمانية، بما يجعل تمثيل المواطنين التزاما يتجاوز حدود الانتداب الانتخابي إلى الوفاء بالثقة الممنوحة للمؤسسة التشريعية.
وقد اختتم جلالة الملك محمد السادس خطابه بالتأكيد على أن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي مع المواطنين، داعيا أعضاء البرلمان إلى تحمل مسؤولياتهم الوطنية أمام الله والمواطنين والتاريخ.











