عادت دفعة جديدة تضم أكثر من 300 مهاجر إلى المغرب عقب إخلاء مخيم بساحة مصنع “الغوانو” القديم في سبتة، في حلقة جديدة من عمليات تفكيك تجمعات المهاجرين التي شهدتها المدينة خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع اقتراب زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس.
وبحسب مصادر أمنية نقلت عنها وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”، شملت عملية الإخلاء، التي نُفذت يوم أمس الأحد 11 أكتوبر، نحو 500 مهاجر جرى نقلهم إلى مركز الاستقبال المؤقت للأجانب للتثبت من هوياتهم.
وأوضحت المصادر أن أكثر من 300 منهم أبدوا رغبتهم في العودة إلى المغرب، قبل مباشرة الإجراءات الخاصة بعودتهم، التي وصفتها بأنها طوعية.
وكشفت العملية، في المقابل، عن تسجيل نحو 70 طلبا للجوء، والتعرف على قرابة 30 قاصرا بين الأشخاص الذين شملهم الإخلاء.
ووفق المصادر نفسها، أنهى التدخل وجود آخر مخيم كبير ظل قائما منذ موجة الدخول الجماعي للمهاجرين إلى المدينة في نهاية يوليوز الماضي.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة حصيلة إخلاء مخيم شاطئ “ترامبولين”، حيث عاد أكثر من 1200 مهاجر إلى المغرب عقب العملية التي امتدت يومي 4 و5 أكتوبر.
وأفادت “إيفي” بأن كثيرا من المقيمين في المخيم اختاروا العودة بدلا من المرور بمركز الاستقبال المؤقت، بعدما أمضوا أكثر من شهرين في سبتة.
وكانت تدخلات سابقة بشاطئ “بينيتيث” قد أعقبتها أيضا عودة أكثر من 150 مهاجرا إلى المغرب.
ترقب لزيارة فيليبي السادس
تندرج هذه العمليات ضمن مسار تدبير أزمة الهجرة في 30 يوليوز الماضي، وإخلاء التجمعات المقامة في الفضاءات العامة.
وسبق لوزارة السياسة الترابية الإسبانية أن أعلنت أن إخلاء “ترامبولين” جاء تنفيذا لالتزام قطعه الوزير أنخيل فيكتور توريس، في 24 شتنبر، خلال لقاء مع أمهات من سكان المدينة كن يعتصمن أمام مقر مندوبية الحكومة، مؤكدة مشاركة الشرطة والجيش وهيئات أخرى في العملية.
غير أن توقيت التدخل الأخير يمنحه حضورا خاصا في المشهد السابق لزيارة الملك فيليبي السادس؛ إذ جرى إخلاء “الغوانو” قبل وصول فيليبي السادس بنحو 48 ساعة، وبمشاركة أكثر من 350 عنصرا أمنيا، وفق صحيفة “إل باييس”.
ومن المرتقب أن يزور فيليبي السادس، برفقة الملكة ليتيثيا، سبتة يوم غد الثلاثاء 13 أكتوبر، قبل الانتقال إلى مليلية الأربعاء.
وهي أول زيارة رسمية له إلى المدينتين منذ توليه العرش، وتقدمها التغطية الإسبانية باعتبارها رسالة دعم للسكان والمؤسسات المحلية في أعقاب أزمة الهجرة. كما تحمل الزيارة حساسية سياسية في ظل مطالبة المغرب بالسيادة على المدينتين.
سبتة تكشف حدود الاستجابة للأزمات
تفجرت أزمة سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026، مع دخول أكثر من 70 ألف شخص إلى سبتة، وفق ما أعلنته الحكومة الإسبانية في 25 غشت، قبل أن تعلن مدريد الوضع في المدينة المحتلة “ذا أهمية للأمن الوطني”، وإحداث قيادة موحدة لتنسيق تدخل الوزارات والسلطات المحلية، بما شمل الأمن والاستقبال والعودة.
وسبق لرئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، أن ربط اندفاع المهاجرين، خلال زيارته إلى سبتة في 31 يوليوز، بتداول شبكات التهريب تأويلا لحكم قضائي يتعلق بإعادة الأشخاص الذين يصلون سباحة، وهي الرواية التي تبرز كيف انتقلت آثار قرار قضائي إلى المجالين الأمني والسياسي، مع انتشار معلومات عن إمكان العبور عبر البحر.
ومع انحسار موجة العبور، بقيت مشكلة التكفل بمن عبروا إلى سبتة المحتلة قائمة، إذ رصدت تقارير دولية قاصرين يعيشون في مخيمات مؤقتة وفي الشوارع، وينتظرون الحصول على أماكن للإيواء.
عودة القاصرين.. تقاطع السياسة والقانون
يحتل ملف القاصرين غير المصحوبين موقعا مركزيا في الخلاف بين الرباط ومدريد، لأن معالجته ترتبط بالتحقق من الهوية والوضع الأسري وشروط العودة والحماية.
ووقع المغرب وإسبانيا في 6 مارس 2007 اتفاقا خاصا بمنع هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وعودتهم المتفق عليها، يجمع بين الوقاية والتكفل وإعادة الإدماج.
وينص الاتفاق على تبادل المعلومات وتحديد هوية القاصر وأسرته، وعلى ضمان لم الشمل الفعلي أو تسليمه إلى مؤسسة للرعاية، مع مراعاة مصلحته الفضلى واحترام القوانين الوطنية والالتزامات الدولية. كما يتضمن لجنة لتتبع إجراءات الوقاية والحماية والعودة وتقييمها.
وتوضح سابقة قضائية حدود تنفيذ الاتفاقات السياسية دون استكمال المساطر، فقد أكدت المحكمة العليا الإسبانية، في حكم أعلنت عنه سنة 2024، عدم قانونية إعادة قاصرين من سبتة إلى المغرب في غشت 2021، بسبب غياب الإجراءات الفردية التي يفرضها قانون الأجانب، بما فيها جمع المعلومات عن كل حالة والاستماع إلى القاصر عند توافر النضج وتدخل النيابة العامة.
وبناء على هذه السابقة القضائية، أصبحت فعالية التعاون مرتبطة بقدرة الطرفين على تجهيز الملفات وتبادل المعلومات وتوفير شروط الاستقبال، مع معالجة كل حالة وفق مسارها القانوني. كما يظل فحص طلبات اللجوء اختصاصا للهيئات المعنية، ويقتضي التحقق من استحقاق الحماية عبر الإجراءات المقررة.
شراكة بتصور استراتيجي جديد
أعاد الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان، في 9 أكتوبر 2026، ملف الهجرة إلى صدارة العلاقة مع إسبانيا، من خلال الدعوة إلى مراجعة نموذج تعاون وصفه جلالة الملك بأنه أصبح متجاوزا، في وقت تستمر تداعيات أزمة سبتة، التي كشفت صعوبات استقبال المهاجرين والقاصرين وتنظيم العودة، وأعادت اختبار قدرة الرباط ومدريد على إدارة الخلافات المرتبطة بالحدود.
وأقر الخطاب الملكي السامي بالنتائج التي حققتها المقاربة المغربية وبالتطورات المهمة في الشراكة مع إسبانيا، لكنه سجل تحديات مرتبطة بمقتضيات قانونية وقرارات قضائية تعيق ترحيل القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء.
وشدد العاهل المغربي على أن الشراكة “اختيار سيادي، والتزام إرادي”، معلنا تقديم رؤية استراتيجية للشركاء ترتكز على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وترى حنان السرغيني، أستاذة جامعية وباحثة في سياسات الهجرة واللجوء، أن الخطاب الملكي يمكن قراءته باعتباره دعوة إلى مراجعة منطق الشراكة، لا إلى التخلي عنها.
وأوضحت السرغيني أن المغرب “لا ينفي أهمية التعاون مع إسبانيا، ولا يتجاهل ما تحقق في العلاقات الثنائية، لكنه يطرح ضمنا سؤال التوازن: هل ينبغي أن تظل قيمة الشراكة مرتبطة أساساً بما ينجزه المغرب في الحد من الهجرة غير النظامية، أم أن الوقت قد حان لتقييمها أيضاً بما يحققه التعاون من مصالح متبادلة، وتنمية مشتركة، واحترام للالتزامات؟”.
وشددت على أن “هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في لحظة سياسية جديدة، مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة”، مشيرة إلى أن “التحدي الذي يلوح في الأفق لا يتعلق بملف الهجرة وحده، بل بكيفية تموقع الحكومة المقبلة داخل علاقة استراتيجية تحتاج إلى أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية تتجاوز الاستجابة للأزمات”.
الحكومة المقبلة أمام امتحان التنسيق والنتائج
يتطلب تنزيل التوجه الملكي عملا مشتركا بين القطاعات المكلفة بالداخلية والخارجية والتشغيل والتعليم والحماية الاجتماعية.
وتظهر الحاجة إلى هذا التنسيق في ملف القاصرين، حيث تتصل المعلومات القنصلية بالوضع الأسري، ثم بقدرة مؤسسات الاستقبال على توفير الرعاية ومواكبة إعادة الإدماج.
ويبرز هنا تحدي الاتفاق مع إسبانيا على إجراءات واضحة لتبادل المعطيات ومعالجة الملفات وتتبع العودة، مع تحديد المسؤوليات والموارد اللازمة. ومن شأن انتظام هذه الآليات أن يساعد على تقليص تراكم الحالات، ويمنح الطرفين أدوات لمعالجة الخلاف قبل تحوله إلى أزمة سياسية جديدة.
وعلى المستوى الداخلي، تربط دعوة الخطاب إلى وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية ملف الهجرة بالتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.
وتضع الدعوة الملكية أمام الحكومة مسؤولية توسيع فرص العمل والتنمية في المناطق الأقل استفادة من التنمية، بالتوازي مع التوعية بمخاطر العبور غير النظامي.
وتوضح السرغيني في هذا السياق أن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يكتسي أهمية سياسية تتجاوز شخص رئيس الحكومة، “فالحكومة الجديدة ستعمل في سياق يطرح أسئلة متداخلة حول التنمية، والتشغيل، والعلاقات الخارجية، وموقع المغرب في محيطه الأوروبي والمتوسطي”.
وأكدت أن ذلك “لا يعني أن ملف الهجرة سيصبح بالضرورة محور عمل الحكومة، أو أن نجاح الشراكة يتوقف على شخص واحد، لكن المرحلة تضع الحكومة المقبلة أمام مسؤولية التعامل مع ملف لا يمكن حصره في قطاع وزاري واحد، ولا يمكن فصله عن السياسة الخارجية وعن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية”.
وأقرت الأستاذة الجامعية والباحثة في سياسيات الهجرة واللجوء بأنه “لا يمكن الحكم على هذا المسار قبل الإعلان عن التوجهات الحكومية وتحديد أولوياتها”، مستطردة بأنه “من المشروع القول إن الخطاب الملكي وضع إطاراً سياسياً ستُقرأ في ضوئه طريقة تعامل الحكومة المقبلة مع الشراكة الخارجية”.
وأبرزت الأكاديمية ذاتها أن “الفرق بين نموذج قديم وشراكة متجددة لا يكمن في تغيير المفردات وحدها، ولا في توقيع اتفاق جديد يحمل عنواناً مختلفاً، بل يكمن في تغيير طريقة فهم العلاقة، فإذا كانت الهجرة تُستخدم معياراً وحيداً لقياس نجاح التعاون، فإن كل ارتفاع في محاولات العبور قد يتحول إلى مصدر توتر، مهما كانت النتائج المحققة في المجالات الأخرى، أما إذا وُضعت الهجرة ضمن إطار أوسع للعلاقات الثنائية، فإن تقييم الشراكة يصبح أكثر شمولاً، ويشمل التعاون الاقتصادي، والتنقل القانوني، وحماية القاصرين، ومكافحة شبكات التهريب، والاستقرار الإقليمي، والتنمية المشتركة”.
وشددت على أنه “لا يعني ذلك التقليل من أهمية أمن الحدود أو من حق الدول في تطبيق قوانينها، بل يعني أن الأمن المستدام يحتاج إلى سياسة أكثر اتساعاً، وأن احترام القانون لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل التعاون، كما لا يجوز أن يصبح التعاون مبرراً لتجاوز الضمانات القانونية”.
وأكدت حنان السرغيني أن هذه الرؤية تحتاج كذلك إلى “خطاب عمومي متوازن، فالمهاجرون ليسوا جميعاً ضحايا، كما أنهم ليسوا جميعاً مخالفين للقانون، ولكل حالة ظروفها ومسارها القانوني”، مضيفة أن “القاصر الذي يحتاج إلى الحماية لا ينبغي أن يُختزل في رقم ضمن إحصاءات العبور، مثلما لا يمكن التعامل مع شبكات الاتجار بالبشر باعتبارها مجرد نتيجة جانبية للهجرة، والتمييز بين هذه الحالات شرط لأي سياسة تجمع بين الفعالية والشرعية”.











