في الدبلوماسية، لا يحتاج رفع الصوت دائما إلى صوت مرتفع، فأحيانا تكفي جملة محسوبة ومادة من النظام الداخلي وطلب الكلمة في اللحظة المناسبة حتى تتغير وجهة النقاش داخل قاعة أممية كاملة.
خلال اجتماعات اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، كان اسم ماجدة الموتشو يتكرر كلما أخذ النقاش حول الصحراء منحى تعتبره البعثة المغربية خارجا عن قواعد الجلسة أو متضمنا إساءة إلى المملكة ومؤسساتها ورموزها.
كانت نائبة الممثل الدائم للمغرب تطلب نقطة نظام، تحدد موضع اعتراضها وتطالب رئاسة اللجنة بالتدخل قبل أن يعود المتحدث إلى مداخلته، وقد تكرر الأمر قرابة عشر مرات خلال إحدى جلسات أكتوبر الجاري فتحولت الموتشو إلى أحد أبرز وجوه المواجهة الدبلوماسية التي شهدتها القاعة.
اعترضت الموتشو، على استعمال تسميات غير رسمية للمملكة، وعلى ما اعتبرته إساءة إلى المسيرة الخضراء، وردت على إثارة ملف المدانين في أحداث اكديم إزيك بالتأكيد أن القضية تتعلق بأعمال عنف أفضت إلى مقتل 11 عنصرا من القوات العمومية وليست بمتابعات بسبب مواقف سياسية.
وعندما جرى إدخال قضية المياه في النقاش، أعادت توجيه الحديث نحو الأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف، أما عندما تدخل الوفد الجزائري للاعتراض على أداء الوفد المغربي، فكان جوابها أن الموقف الجزائري لا يشكل قاعدة إجرائية ملزمة للجنة.
هذه ليست المرة الأولى التي تدخل فيها الموتشو في مواجهة من هذا النوع وليست قضية الصحراء أيضا المدخل الذي بدأت منه مسيرتها في الأمم المتحدة.
بالاستناد إلى الموقع الرسمي لتلفزيون الأمم المتحدة، فإن أول مداخلة يوثقها لماجدة الموتشو باسم المغرب كانت بتاريخ 12 شتنبر 2012 خلال الدورة الحادية والعشرين لمجلس حقوق الإنسان بجنيف عندما كانت مستشارة مكلفة بحقوق الإنسان في البعثة الدائمة للمغرب بجنيف، إذ تحدثت باسم المملكة أمام مجلس حقوق الإنسان خلال مناقشة قضايا الفقر المدقع والحق في الماء والصرف الصحي، كما شاركت في أعمال مرتبطة بالاستعراض الدوري الشامل والتربية على حقوق الإنسان.
انتقلت لاحقا إلى البعثة المغربية في نيويورك، وبدأ اسمها يظهر بانتظام في سجلات الجمعية العامة، ووفق ما عاينته AM+MEDIA في وثائق الدورة السبعين سنة 2015 فإنها شاركت في عدد من اجتماعات اللجنة الثالثة، المكلفة بالقضايا الاجتماعية والإنسانية وحقوق الإنسان.
وتحدثت باسم المغرب في ملفات حقوق الطفل، والنهوض بالمرأة، والحق في التنمية، والتعليم والثقافة، والغذاء والسكن، ومكافحة الاتجار بالبشر والتمييز العنصري، فضلا عن تقرير المصير.
استمر حضورها بعد ذلك في ملفات أخرى، ففي 2017 شاركت في مناقشات متعلقة بحقوق الطفل والأشخاص في وضعية إعاقة، وظهرت لاحقا في نقاشات تتصل بالتعليم والفقر والهجرة، كما سجل أرشيف مجلس الأمن مشاركات لها في اجتماعات تناولت المرأة والسلام والأمن والنزاعات المسلحة والشرق الأوسط والقضية الفلسطينية.
مسارها داخل البعثة تطور بدوره، ويظهرها أرشيف الأمم المتحدة في مرحلة أولى مستشارة ثم وزيرة مفوضة قبل أن تتولى منصب نائبة الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، إلى جانب الممثل الدائم عمر هلال.
وفي هذا المسار واقعة تكشف جانبا من تخصصها أكثر من أي توصيف آخر، ففي 10 دجنبر 2019 شاركت الموتشو في مسابقة دولية نظمت في نيويورك بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وشارك فيها أكثر من 300 دبلوماسي وموظف في الأمم المتحدة وأكاديمي وطالب.
وتناول الاختبار تاريخ حقوق الإنسان والإعلان العالمي وحقوق الطفل والمهاجرين وتطور القانون الدولي لحقوق الإنسان وحصلت الدبلوماسية المغربية على المرتبة الأولى وتسلمت جائزتها من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
هذه الخلفية الحقوقية تظهر بوضوح في طبيعة مداخلاتها الحالية فهي تلجأ بكثرة إلى النصوص والقواعد الإجرائية، وتحرص على ضبط المصطلحات والصفات المستعملة داخل الاجتماعات.
وفي أكتوبر الجاري، عادت إلى الواجهة مرة أخرى خلال سجال حول وثيقة مرتبطة ببرنامج الأغذية العالمي ومخيمات تندوف، إذ لم يقتصر الاعتراض المغربي على مضمون الوثيقة، بل تناول أيضا شروط توزيعها والآجال المرتبطة بذلك مع الاستناد إلى المادة 120 من النظام الداخلي للجمعية العامة.
وفي ملف الصحراء، أصبحت الموتشو خلال السنوات الأخيرة من الوجوه التي تتولى الرد المباشر على المداخلات الجزائرية فخلال اجتماع لجنة الـ24 في يونيو 2025، استحضرت رسالة وجهتها الجزائر إلى مجلس الأمن في نونبر 1975 ضمن ردها على الطرح الجزائري بشأن موقع الجزائر من النزاع.
وربطت بين هذه الوثيقة وبين الموقف المغربي الذي يعتبر الجزائر طرفا أساسيا في الملف بحكم احتضانها ودعمها لجبهة البوليساريو.
وفي الاجتماع نفسه، ردت على إعادة طرح خيار الاستفتاء بالعودة إلى تطور المسار الذي رعته الأمم المتحدة، ودافعت عن موقف المغرب القائل إن تعذر تنفيذ مخطط التسوية قاد إلى البحث عن حل سياسي واقعي ومتوافق عليه كما أكدت أن ممارسة تقرير المصير لا تقتصر على صيغة الاستقلال، مستحضرة الحكم الذاتي ضمن الصيغ الممكنة، في سياق دفاعها عن المبادرة المغربية المقدمة سنة 2007.
ولم تبدأ مواجهاتها المباشرة مع الوفد الجزائري في 2026 ففي أكتوبر 2024، شهدت اللجنة الرابعة سجالا خلال مداخلة الجزائرية نورية حفصي، بعدما اعترضت الموتشو على عبارات اعتبرها الوفد المغربي مسيئة إلى المملكة ورموزها وتدخلت رئاسة الجلسة أكثر من مرة وتحولت الواقعة إلى مواجهة إجرائية داخل القاعة.
وفي المواجهات الأخيرة ظهر الأسلوب نفسه بصورة أكثر وضوحا، فالموتشو لا ترد بالضرورة على المداخلة كاملة بل تحدد العبارة التي تعترض عليها وتطالب بتطبيق القواعد المنظمة للجلسة.
وعندما رفع أحد المتدخلين نبرته خلال السجال، ردت بأن رفع الصوت لا يمنح الحجة قوة إضافية وعندما اتهم الوفد المغربي بمحاولة منع مقدمي الالتماسات من التعبير، أوضحت أن اعتراضاتها لا تستهدف حقهم في الكلام وإنما ما تعتبره تجاوزا لقواعد اللجنة والإساءة إلى دولة عضو.
كما رفضت في مداخلاتها التعامل مع الجزائر باعتبارها طرفا بعيدا عن النزاع المفتعل حول الصحراء، وهذه نقطة ثابتة تقريبا في ردودها المتعلقة بالصحراء فكلما قدم الوفد الجزائري موقفه باعتباره دفاعا عن تقرير المصير، أعادت الموتشو النقاش إلى مسؤولية الجزائر السياسية وإلى استضافتها مخيمات تندوف ودعمها للبوليساريو، وإلى دعوة قرارات مجلس الأمن الأطراف إلى الانخراط في العملية السياسية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام.
ورغم أن قضية الصحراء هي التي منحتها خلال السنوات الأخيرة حضورا إعلاميا أكبر، فإن نشاطها داخل الأمم المتحدة لم ينحصر فيها.
ففي أبريل 2026 شاركت في لقاء مرتبط بالمراجعة التاسعة للاستراتيجية العالمية للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب التي يتولى المغرب وفنلندا تيسيرها وتحدثت عن دور المجتمع المدني والشباب في الوقاية وتعزيز القدرة على الصمود كما واصلت حضورها في الملفات المتعلقة بالمرأة داخل أجهزة الأمم المتحدة، امتدادا لتجربة بدأت قبل سنوات في اللجنة الثالثة.
ولا تقدم المشاهد المتداولة لماجدة الموتشو في اللجنة الرابعة سوى الجزء الأكثر ظهورا من مسار طويل خلف نقاط النظام المتلاحقة دبلوماسية أمضت سنوات في لجان الأمم المتحدة، وتخصصت في الأصل في حقوق الإنسان، ثم انتقلت إلى ملفات أوسع قبل أن تصبح من الأصوات المغربية الحاضرة بقوة في نقاشات الصحراء.











