قال الحسن لشكر رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، إن انتقال الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من المعارضة إلى المشاركة في الأغلبية الحكومية مرده استجابة البرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري لجملة من المطالب والإصلاحات التي ظل الحزب يدافع عنها خلال الولاية السابقة وفي مقدمتها محاربة الفساد وتضارب المصالح، وتصحيح الاختلالات المؤسساتية وإعادة الاعتبار لأدوار البرلمان فضلا عن فتح ملفات إصلاحية ظلت، بحسب تعبيره، تواجه مقاومة من الأغلبيات السابقة.
لشكر، وفي مداخلة باسم الفريق الاشتراكي خلال مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس النواب، اليوم الخميس أكد أن التشكيلة الحكومية الجديدة وطريقة بناء أغلبيتها قدمتا أجوبة عن اختلالات المرحلة الماضية، خصوصا ما يتعلق بالهيمنة العددية والتضييق على المعارضة، معتبرا أن نجاح الحكومة لن يقاس بحجم أغلبيتها البرلمانية وإنما بقدرتها على تحويل التزاماتها إلى إصلاحات ملموسة، سيكون مشروع قانون المالية أول اختبار فعلي لها.
واستحضر رئيس الفريق الاشتراكي تجربة حزبه في المعارضة، مؤكدا أن انتقاداته السابقة انطلقت من الدفاع عن التوازن بين المؤسسات بعدما تحولت الهيمنة العددية وفق توصيفه، إلى تغول أضعف البرلمان وضيّق على المعارضة وأثر في ممارسة الرقابة التشريعية.
وقال لشكر: “حين كنا في المعارضة، لم نكن ننتقد من أجل تسجيل المواقف، ولم يكن تنبيهنا إلى اختلال التوازن المؤسساتي مجرد سجال عابر” مشددا على أن تشكيل أغلبية جديدة تحترم التوازن المؤسساتي يمثل بداية إيجابية ينبغي صونها بالممارسة.
وفي هذا السياق، هنأ رئيس الفريق الاشتراكي فاطمة الزهراء المنصوري على الثقة الملكية التي حظيت بها وعلى نجاحها في تشكيل الحكومة، منوها بنتائج المشاورات السياسية التي أفضت إلى أغلبية اعتبر أنها تتيح للمؤسسات الاشتغال في إطار من التوازن.
وأضاف مخاطبا رئيسة الحكومة أن قوة الأغلبية لا تقاس بعدد المقاعد وحده، بل بوضوح مرجعيتها وإيمانها بالتصور الديمقراطي واحترامها لأدوار البرلمان، أغلبية ومعارضة، مؤكدا أن “البرلمان القوي ليس عبئا على الحكومة، بل شرط من شروط نجاحها”
محاربة الفساد وتضارب المصالح.. مطالب اشتراكية تجد طريقها إلى البرنامج الحكومي
وخصص لشكر جانبا مهما من مداخلته لمحاربة الفساد وتضارب المصالح وتخليق الحياة العامة، معتبرا أن إدراج هذه الملفات ضمن أولويات حكومة المنصوري يشكل استجابة لمطالب سياسية وتشريعية ظل الاتحاد الاشتراكي يترافع بشأنها خلال وجوده في المعارضة.
وأوضح أن الفريق الاشتراكي سبق أن تقدم بمقترحات تشريعية في هذا المجال، من بينها مقترح الإثراء غير المشروع ومقترح إحداث هيأة قضايا الدولة، غير أن هذه المبادرات، بحسب قوله واجهت مقاومة من الأغلبيات السابقة كما شدد على أن النزاهة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها، وإنما شرط أساسي لاستعادة الثقة في الدولة، وضمان تكافؤ الفرص وحماية المال العام.
واعتبر أن تعهد الحكومة بإعداد ترسانة قانونية لمحاربة الفساد وتضارب المصالح والحد من استغلال المعلومات لأغراض غير مشروعة يمثل تحولا إيجابيا، لكنه ربط نجاح هذا التوجه بترجمته إلى نصوص واضحة وآليات فعالة للمساءلة والمحاسبة.
وقال في هذا الصدد: “حين يتضمن البرنامج إعداد ترسانة قانونية لمحاربة الفساد وتضارب المصالح والحد من استغلال المعلومة لأغراض غير مشروعة، فإننا نرى في ذلك استجابة لمطلب دافعنا عنه، وننتظر أن يتحول إلى نصوص واضحة وآليات فعالة ومحاسبة لا تستثني أحدا”
الدعم العمومي والأسعار.. إنهاء امتيازات الوسطاء
وفي الملف الاقتصادي والاجتماعي، أثار رئيس الفريق الاشتراكي قضية الدعم العمومي الموجه إلى تموين الأسواق، محذرا من استمراره في خدمة مصالح الوسطاء دون أن ينعكس أثره على الأسعار التي يؤديها المواطنون.
ورحب بالإجراءات التي تضمنها البرنامج الحكومي لضبط الأسواق ومحاربة الممارسات الاحتكارية وتحسين قنوات التوزيع، معتبرا أن معيار نجاح هذه السياسة لن يكون في حجم الدعم المعلن، بل في مدى استفادة المستهلك النهائي منه.
ودعا إلى وضع شروط معلنة للاستفادة من الدعم وإرساء مراقبة منتظمة للأسعار، ونشر المعطيات التي تتيح للبرلمان والرأي العام معرفة الجهات المستفيدة والمقابل الاقتصادي والاجتماعي للدعم العمومي.
كما أعرب عن تطلعه إلى أن يتضمن مشروع قانون المالية إجراءات عملية تنعكس مباشرة على القدرة الشرائية، ولا سيما أسعار المواد الغذائية والأسماك واللحوم والخضر والمواد الاستهلاكية الأساسية.
دعم اجتماعي بألف درهم ومعاشات بثلاثة آلاف درهم
وأشاد لشكر بالالتزامات الاجتماعية التي أعلنتها حكومة المنصوري، وفي مقدمتها الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم عند نهاية الولاية الحكومية، وزيادة الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى ثلاثة آلاف درهم شهريا، وتوسيع استفادة الأرامل إلى مائة في المائة من معاش الزوج المتوفى.
واعتبر أن هذه الإجراءات تلتقي مع المطالب التي دافع عنها الاتحاد الاشتراكي لحماية الكرامة الاجتماعية وتحسين أوضاع الفئات الهشة والمتقاعدين.
غير أنه شدد على أن إصلاح أنظمة التقاعد لا يمكن اختزاله في قرارات تقنية أو مالية منفردة، داعيا إلى اعتماد الحوار الاجتماعي، والحفاظ على الحقوق المكتسبة، وضمان استدامة الأنظمة وتحقيق العدالة بين الأجيال وطالب بنشر المؤشرات المرتبطة بالإصلاح بانتظام وعرض مساره على البرلمان، حتى لا يتحمل العمال والمتقاعدون وحدهم كلفة الاختلالات المتراكمة.
الصحة والتعليم والتشغيل.. النتائج لا عدد البرامج
وفي قطاع الصحة، أكد رئيس الفريق الاشتراكي أن نجاح الإصلاح لا يقاس بعدد المؤسسات أو النصوص القانونية، بل بقدرة المواطن على الحصول على موعد طبي في آجال معقولة، وتوفر الأدوية والأطر الصحية، وتحسين خدمات الاستقبال والعلاج.
ودعا إلى ربط الإصلاحات الصحية بمواعيد وأهداف قابلة للقياس، خصوصا تقليص فترات الانتظار، وسد الخصاص في الموارد البشرية، وتحقيق توزيع عادل للخدمات الصحية بين الجهات.
وأكد أن الفريق الاشتراكي، الذي سبق أن صوت من موقع المعارضة لصالح مشاريع إصلاح الصحة العمومية، سيكون مساندا للإجراءات الحكومية الرامية إلى تطوير هذا القطاع.
وفي التعليم، اعتبر أن إنقاذ المدرسة العمومية يبدأ بتحسين التعلمات الأساسية ومحاربة الهدر المدرسي، وتأهيل المؤسسات التعليمية في القرى والأحياء الهامشية، وإنصاف الأطر التربوية.
ودعا إلى جعل التعليم الأولي جزءا أساسيا من التعليم الأساسي، باعتباره شرطا لإنجاح المسار الدراسي للأطفال، معتبرا أن تقييم نتائج المنظومة التعليمية يجب ألا يتحول إلى تحميل المدرسين وحدهم مسؤولية الاختلالات.
أما في التشغيل، فشدد على ضرورة تجاوز منطق احتساب أعداد المستفيدين من التكوين نحو قياس فرص العمل المستقرة التي يحصلون عليها فعليا، وربط برامج الإدماج المهني بحاجيات الاقتصاد المحلي كما دعا إلى إصلاحات جريئة تصون حقوق الشغيلة وتضمن شروط العمل اللائق، وتتيح توزيع فرص الاستثمار والتشغيل بصورة أكثر إنصافا بين مختلف الجهات.
الاتحاد الاشتراكي يرى بصمته في البرنامج الحكومي
وأكد لشكر أن البرنامج الحكومي يتقاطع مع التوجهات التي حملها الاتحاد الاشتراكي في برنامجه الانتخابي لسنة 2026، ولا سيما التنمية العادلة والشغل المنتج والكرامة الاجتماعية، وبناء دولة قوية وفعالة في خدمة المواطنين.
واستحضر في هذا الإطار التجربة التاريخية للحزب في التدبير الحكومي، انطلاقا من حكومة عبد الله إبراهيم وصولا إلى تجربة التناوب التوافقي بقيادة عبد الرحمان اليوسفي، معتبرا أن الاتحاد الاشتراكي ظل يدافع عن هذه القضايا سواء من موقع المسؤولية أو المعارضة.
وأوضح أن مشاركة الحزب في الحكومة تضعه أمام مسؤولية مضاعفة، لأنه أصبح شريكا في اتخاذ القرار وتنفيذ الالتزامات، وليس مجرد طرف يراقب الأداء الحكومي من الخارج.
وقال في عبارة تلخص موقع الفريق داخل الأغلبية: “سنكون شركاء في الإنجاز وأول المنبهين إلى التعثر، لأن الوفاء للالتزامات المشتركة يقتضي الدفاع عنها ومتابعتها”
الصحراء المغربية وتفعيل القرار الأممي 2797
وفي ما يتعلق بالقضايا الوطنية، شدد رئيس الفريق الاشتراكي على ضرورة تماسك الجبهة الداخلية للحفاظ على المكتسبات التي حققتها المملكة في ملف وحدتها الترابية.
واعتبر أن المرحلة الراهنة تستدعي العمل على تفعيل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي قدمه في مداخلته باعتباره مقرا للحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية حلا وحيدا.
كما دعا إلى استحضار التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش وخطاب افتتاح الولاية التشريعية الحالية، ولا سيما ما يتعلق بتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، وتسريع تنزيل برامج التنمية الترابية المندمجة في جميع مناطق المملكة.
ميثاق اللاتمركز ومدونة الأسرة والقانون الجنائي.. ملفات رجحت خيار المشاركة
وعاد لشكر في ختام مداخلته إلى الأسباب السياسية التي دفعت الاتحاد الاشتراكي إلى الانتقال من المعارضة إلى الأغلبية، مؤكدا أن الأمر ارتبط أيضا بالتزامات حكومية تتجاوز التدابير الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح أن الحزب وجد في البرنامج الحكومي وطريقة تشكيل الأغلبية أجوبة عن أسئلة مؤسساتية وسياسية ظلت مطروحة خلال المرحلة السابقة، مشيرا إلى أن إهمال الإصلاحات القانونية والمؤسساتية ساهم في عرقلة التنمية.
وأبرز أن التزام الحكومة بتفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري وتطويره إلى جانب فتح ورش مدونة الأسرة والقانون الجنائي شكل جزءا من القضايا التي شجعت الاتحاد الاشتراكي على المشاركة في الأغلبية الجديدة.
واعتبر أن وجود مبادئ وقيم مشتركة بين مكونات الأغلبية يمنح الفريق الاشتراكي الثقة في إمكانية تحويل المطالب التي دافع عنها سابقا إلى قرارات وإصلاحات ملموسة.
قانون المالية 2027.. أول اختبار سياسي لحكومة المنصوري
وجعل رئيس الفريق الاشتراكي من مشروع قانون المالية أول امتحان حقيقي لمدى قدرة حكومة المنصوري على الانتقال من إعلان الالتزامات إلى تنفيذها حيث أكد أن الميزانية ستكشف طبيعة الأولويات الحكومية الفعلية، من خلال تحديد المشاريع التي سيشرع في تنفيذها، والموارد المالية المرصودة لها والفئات الاجتماعية والجهات المستفيدة منها.
وطالب بأن تكون الالتزامات الاجتماعية مصحوبة بمسارات تمويل واضحة، وبرمجة زمنية معلنة، ومؤشرات تسمح للبرلمان بتقييم النتائج، مع ضمان العدالة المجالية في توزيع الاستثمار والموارد والخدمات العمومية.
وشدد على ضرورة مصارحة المواطنين بشأن الإصلاحات التي تتطلب وقتا أو حوارا اجتماعيا أو تدخلا تشريعيا، حتى لا تتحول التعهدات الحكومية إلى وعود مفتوحة دون آجال محددة.
وأكد أن مشاركة الاتحاد الاشتراكي في الأغلبية لن تلغي دوره الرقابي داخل المؤسسة التشريعية، مشددا على استمرار الفريق في المساءلة وتقديم المقترحات وطلب المعطيات الضرورية لتقييم أثر السياسات العمومية.
واختتم لشكر مداخلته بالتأكيد على أن نجاح الحكومة سيكون نجاحا للمغاربة، وأن تعثرها سيضع جميع مكونات الأغلبية أمام مسؤولياتها السياسية، قائلا: “لقد بدأ الامتحان، وأول جواب عنه يجب أن يظهر في قانون المالية ثم في النتائج التي يراها المواطن في معاشه وعلاجه ومدرسته وفرصة عمله” معتبرا أن الوفاء الحقيقي لما دافع عنه الاتحاد الاشتراكي في المعارضة هو أن تتحول تلك المطالب إلى إنجازات يستفيد منها المواطنون في حياتهم اليومية.











