أعاد الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، ملف الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري إلى صلب النقاش السياسي حول طبيعة الإصلاحات التي تنتظر الحكومة المقبلة، بعدما وضع جلالة الملك محمد السادس حدا للمنطق الذي يفصل بين إعلان التوجهات التنموية وتوفير الشروط المؤسساتية لتنفيذها، بالتشديد على ضرورة نقل الصلاحيات والموارد إلى الجهات والأقاليم، وإنهاء التأخر في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري.
وتكتسي هذه التوجيهات دلالة سياسية خاصة بالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، الذي انتقل من تقديم عرضه السياسي “المغرب الصاعد” إلى خوض الانتخابات التشريعية ببرنامج “من أجل تغيير المسار.. كْلمة وحْدة” قبل أن يجد نفسه، بعد تصدر نتائج اقتراع 23 شتنبر، أمام مسؤولية قيادة المرحلة الحكومية المقبلة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، فقد أصبحت الاختيارات المرتبطة بالعدالة المجالية والاستثمار الترابي وتقليص الفوارق بين الجهات جزءا من اختبار القدرة على الانتقال من التصور السياسي إلى التدبير الحكومي.
ولم يكن تشديد الملك محمد السادس في خطاب افتتاح البرلمان، على إنهاء التأخر في تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري بعيدا عن النقاش الذي فتحه حزب الأصالة والمعاصرة في عرضه السياسي “زمن المغرب الصاعد” فقد خصص الحزب محورا كاملا لبناء “دولة عصرية، منصتة للمجالات الترابية” وشخّص فيه استمرار تمركز القرار وتجزؤ التدخلات العمومية ومحدودية أثر الجهوية المتقدمة في إعادة توزيع الثروة والفرص، وبعد ثلاثة أشهرأعاد الخطاب الملكي وضع هذه الاختلالات أمام الحكومة المقبلة، ولكن من زاوية أكثر إلحاحا، تتعلق بنقل الصلاحيات والموارد وتحميل المؤسسات مسؤولية التنفيذ.
ويمنح هذا التقاطع دلالة سياسية خاصة للمرحلة التي يستعد فيها الأصالة والمعاصرة لقيادة الحكومة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، فالحزب الذي وضع ضمن عرضه السياسي الانتقال من نظام إداري عمودي إلى دولة لاممركزة ترابيا، يجد نفسه أمام مسؤولية ترجمة هذا التصور إلى قرارات حكومية، بعدما أصبح اللاتمركز أحد الأوراش التي شدد الخطاب الملكي على ضرورة التعجيل بتنزيلها.
واللافت أن وثيقة “زمن المغرب الصاعد” تدرج اللاتمركز ضمن تصور لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجالات الترابية، فهي تقترح دولة استراتيجية تحتفظ بوظائف التوجيه والتنظيم والتنسيق، مقابل تحرير القرار الترابي، وتوسيع قدرة المؤسسات المحلية على التنفيذ والتقييم، ويعكس هذا التوجه إدراكا لطبيعة الخلل الذي لا يرتبط دائما بغياب البرامج أو الاعتمادات، وإنما بتعدد مراكز القرار وضعف الترابط بين السياسات الوطنية ونتائجها المحلية.
تشخيص سابق للتوجيه الملكي الأخير
تكشف العودة إلى العرض السياسي للبام أن الحزب كان قد وضع يده على عدد من الاختلالات التي أعاد الخطاب الملكي إثارتها أمس الجمعة، فقد سجل في محور “دولة عصرية، منصتة للمجالات الترابية” أن الجهوية المتقدمة لم تنتج بعد آثارا كافية في إعادة التوزيع والتحول التنموي، وأن العلاقات بين الدولة المركزية والمصالح اللاممركزة والجماعات الترابية ما زالت تفتقر إلى الوضوح.
ويذهب التشخيص أبعد من ذلك، حين يعتبر أن السلسلة الممتدة من القرار المركزي إلى الخدمة المقدمة للمواطن ما زالت مفككة، وأن الدولة لم تستكمل بعد انتقالها إلى نموذج يمنح المستويات الترابية قدرة فعلية على التدخل.
ولا تكمن أهمية هذا التشخيص في تطابق بعض مفرداته مع التوجيهات الملكية، بل في كونه يجعل إصلاح بنية الدولة جزءا من المشروع السياسي للحزب، بما يرفع سقف المسؤولية التي سيتحملها عند الانتقال إلى رئاسة الحكومة.
فالخطاب الملكي لا يطالب فقط بتحسين التنسيق بين الإدارات، وإنما يدعو إلى نقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية، وإزالة العراقيل التي تحد من فعالية المؤسسات الجهوية، وهذه مقتضيات ترتبط مباشرة بما يسميه العرض السياسي للبام “تحرير القرار الترابي”.
من الدولة العمودية إلى الدولة الاستراتيجية
يطرح العرض السياسي “زمن المغرب الصاعد” تحولا في وظيفة الدولة، من التدبير العمودي المتشعب إلى التركيز على التوجيه الاستراتيجي والتنظيم والتنسيق، مع تمكين المجالات الترابية من أدوات التنفيذ.
وهذا الاختيار ينطوي على بعد سياسي ومؤسساتي يتجاوز تحديث الإدارة، فهو يفترض إعادة توزيع المسؤوليات بين المستويات المركزية والترابية، وإعادة تحديد طبيعة تدخل القطاعات الحكومية، بما يسمح بتجاوز منطق البرامج القطاعية المنفصلة عن الحاجيات المحلية.
وتبرز أهمية هذا التحول في أن الدولة المركزية لا تفقد دورها الاستراتيجي عند نقل الاختصاصات، بل تعيد تنظيمه فهي تحتفظ بوظائف التخطيط وضمان الانسجام الوطني والتضامن بين المجالات الترابية، بينما تتسع مسؤولية المؤسسات الجهوية والمصالح اللاممركزة في التنفيذ والتدبير.
غير أن هذا التوجه يظل مرتبطا بمدى استعداد القطاعات الحكومية للتخلي عن جزء من سلطتها التدبيرية لفائدة المستويات الترابية، وبقدرة رئاسة الحكومة على ضمان انسجام هذا الانتقال بين مختلف الإدارات.
وبالنسبة إلى حكومة المنصوري المقبلة، فإن هذا الورش سيختبر قدرة القيادة الحكومية على الانتقال من التنسيق بين البرامج الوزارية إلى إعادة تنظيم شروط اتخاذ القرار داخل الإدارة.
العدالة المجالية.. إعادة توزيع الموارد قبل توزيع المشاريع
يتضمن العرض السياسي للبام تصورا أكثر تحديدا للإنصاف الترابي يقوم على تجاوز المقاربات الموحدة في صياغة السياسات العمومية، واعتماد توزيع للموارد يستحضر مستويات الهشاشة والحاجيات الفعلية وصعوبات الولوج إلى الخدمات.
وتقترح الوثيقة تخصيص الموارد العمومية وفق معايير ترابية مرتبطة بالهشاشة والتفعيل الكامل لصندوق التضامن بين الجهات، وضمان حد أدنى من الولوج إلى الخدمات الأساسية، واعتماد استراتيجيات اقتصادية متمايزة بحسب خصوصيات المجالات.
ويمنح هذا التصور للاتمركز الإداري وظيفة تتجاوز تسريع الإجراءات، لأنه يربط سلطة القرار بإمكانية تصحيح الاختلالات في توزيع الاستثمار والخدمات.
فالجهات لا تنطلق من الشروط الاقتصادية والاجتماعية نفسها، كما أن حاجياتها لا تستجيب بالضرورة للحلول القطاعية الموحدة وتستدعي معالجة هذه الفوارق قدرة محلية على تحديد الأولويات، وتعبئة الموارد، وتكييف التدخلات العمومية.
وتبرز هنا إحدى نقاط التقاطع مع الخطاب الملكي، الذي جعل العمل الميداني أساس المرحلة المقبلة، وربط التنمية الترابية بمعالجة المشاكل الحقيقية لكل جهة وإقليم.
البرنامج الانتخابي.. الالتزامات أمام إكراهات الإدارة
تزداد أهمية اللاتمركز عند الانتقال من العرض السياسي إلى البرنامج الانتخابي “من أجل تغيير المسار.. كْلمة وحْدة” الذي تضمن عشرين التزاما بكلفة معلنة تبلغ 350 مليار درهم خلال خمس سنوات.
فإحداث مليون منصب شغل وتوسيع العرض الصحي ودعم المقاولات، وتطوير السكن وتعزيز الأمن المائي والطاقي، كلها التزامات تتطلب تدخلا متزامنا لقطاعات ومؤسسات متعددة، وتفترض قدرة الجهات والأقاليم على استيعاب الاستثمارات وتنفيذ المشاريع.
ويكشف الربط بين الوثيقتين أن العرض السياسي يتناول في جانب منه البنية المؤسساتية اللازمة للفعل العمومي، بينما يحدد البرنامج الانتخابي أهدافا كمية واجتماعية واقتصادية يُفترض أن تتحول إلى سياسات حكومية.
وتتوقف فعالية هذه العلاقة على قدرة الحكومة المقبلة على تجنب الفصل بين إصلاح الإدارة وتنفيذ الالتزامات القطاعية. فالاستثمار في البنيات الصحية مثلا لا ينفصل عن تدبير الموارد البشرية، كما أن إحداث فرص الشغل يرتبط بتوفير شروط الاستثمار على المستوى الترابي من عقار وتجهيز وتكوين وخدمات إدارية.
المنصوري ومسؤولية الانتقال من التصور إلى القرار
يضع تصدر الأصالة والمعاصرة للانتخابات التشريعية وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة الحزب أمام تحول في موقعه السياسي، من تقديم مشروع لإصلاح الدولة إلى تحمل مسؤولية قيادة العمل الحكومي.
ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة في ملف اللاتمركز، لأن تنزيله لا يرتبط بقطاع حكومي واحد وإنما يستلزم تنسيقا بين رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية والمالية ومختلف القطاعات والمؤسسات العمومية.
كما يتطلب إصلاح العلاقة بين الإدارة المركزية والمصالح الترابية معالجة مسائل دقيقة تشمل تفويض الاختصاصات ونقل الاعتمادات، وتوزيع الموارد البشرية وتحديد المسؤوليات وآليات المحاسبة.
ويمنح وجود تصور سياسي سابق للحزب حول هذه القضايا أساسا مرجعيا يمكن العودة إليه عند تقييم اختيارات الحكومة المقبلة، لكنه لا يحسم مسبقا طبيعة القرارات التي ستعتمدها، ولا مدى قدرتها على تجاوز العراقيل القائمة.
وتظل الترجمة الحكومية لهذا التصور مرتبطة بمضمون البرنامج الحكومي والتوافقات داخل الأغلبية المقبلة والقرارات التنظيمية والمالية التي ستتخذها السلطة التنفيذية.
مساءلة التنفيذ بدل الاكتفاء بإعلان الإصلاح
من جهة ثانية، تلتقي قراءات الباحثين في الحكامة والتنمية الترابية مع التشخيص الذي يطرحه العرض السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، خاصة في اعتبار أن الإشكال لم يعد محصورا في وضع النصوص القانونية وإعلان البرامج التنموية وإنما في توفير الشروط المؤسساتية والإدارية والمالية الكفيلة بتنفيذها وتحقيق أثر ملموس على مستوى الجهات والأقاليم.
وفي هذا السياق، يعتبر الباحث في قضايا التنمية الترابية عبد الصمد المومني أن الخطاب الملكي يمثل محطة حاسمة للانتقال بالتنمية الترابية من مستوى الطموحات والشعارات والنصوص النظرية إلى العمل الميداني، مشددا على أن الوقوف المباشر على مشاكل كل جهة يشكل المدخل الأساسي للاستجابة لانشغالات المواطنين.
ويشخص المومني في حديثه لـ AM+MEDIA، استمرار عدد من الاختلالات التي تعيق هذا التحول وفي مقدمتها عدم اكتمال نقل الاختصاصات إلى الجهات وضعف الموارد البشرية والمالية، وغموض توزيع الأدوار بين المركز والفاعلين المحليين، معتبرا أن تسريع اللاتمركز الإداري شرط حاسم لنجاح الجهوية المتقدمة.
ويذهب الباحث أبعد من ذلك حين يعتبر أن التحدي لم يعد مرتبطا بالتمويل وحده، إذ إن تعبئة اعتمادات مالية ضخمة دون انعكاس واضح على الواقع الميداني تكشف، في تقديره، عن خلل في نموذج التنفيذ.
ويدعو تبعا لذلك، إلى اعتماد جودة الخدمات العمومية والفرص المتاحة للمواطنين معيارا لتقييم نجاعة السياسات التنموية، مع توضيح المسؤوليات بين الدولة والجهات، وتعزيز التقائية التدخلات العمومية، وإرساء آليات تعاقد ملزمة تحدد التزامات مختلف الأطراف.
من جانبه، يرى محمد عارف الباحث والأستاذ الجامعي في القانون العام والعلوم الإدارية، أن الخطاب الملكي لم يقتصر على تحديد أولويات الولاية التشريعية الجديدة، بل رسم أيضا منهجية العمل المطلوبة، القائمة على الانتقال من المقاربات التنموية العامة إلى تدخلات تستجيب للحاجيات الخاصة بكل جهة وإقليم.
ويعتبر عارف أن التنبيه الملكي إلى استمرار التأخر في تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري لسنة 2018 يعكس ضرورة تجاوز الحضور الشكلي للمصالح الخارجية للدولة، نحو تمكينها من صلاحيات حقيقية لاتخاذ القرار والمساهمة في تنفيذ المشاريع.
ويميز الباحث بين الجهوية المتقدمة، باعتبارها إطارا لتعزيز دور المجالس المنتخبة في تدبير التنمية واللاتمركز الإداري الذي يمنح المصالح الترابية للدولة الاختصاصات والوسائل الضرورية لتنفيذ السياسات العمومية ويؤكد أن التكامل بين المسارين يظل رهينا بتوضيح الاختصاصات وتنسيق عمل الإدارات وتوفير الموارد وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتتقاطع هذه القراءات مع ما ورد في العرض السياسي “زمن المغرب الصاعد” الذي يشخص تجزؤ العلاقة بين القرار المركزي والخدمة المقدمة للمواطن ويقترح إعادة تنظيم وظائف الدولة، وتحرير القرار الترابي، واعتماد حكامة قائمة على النتائج والتقييم والشفافية.
ويكتسي هذا التقاطع أهمية سياسية بالنسبة إلى الحكومة المقبلة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، بالنظر إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة لم يكتف في عرضه السياسي بالدعوة إلى تعزيز الجهوية المتقدمة، بل أدرج إصلاح العلاقة بين المركز والجهات ضمن تصوره لتحديث الدولة.











