بعد أزمة سبتة وتصريحات ماكرون والزيارة المرتقبة لملك إسبانيا، تواجه حكومة فاطمة الزهراء المنصوري اختباراً دقيقاً: كيف تحمي الحدود وتبني شراكة متوازنة مع أوروبا، من دون أن تُغلق أمام الشباب أفق المستقبل؟
لم يكن توقيت تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة عاديا. فبينما تبدأ مشاوراتها لتشكيل فريقها الحكومي، عاد ملف الهجرة إلى واجهة العلاقة بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، خصوصا بعد أحداث سبتة في يوليوز الماضي، ثم مع تصاعد الخطاب الأوروبي حول أمن الحدود والهجرة غير النظامية. وفي هذا السياق، تكتسب الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى سبتة ومليلية، يومي 13 و14 أكتوبر، حساسية خاصة لأنها تأتي بعد أسابيع من وضع المدينتين مجددا في قلب النقاش الإسباني والأوروبي.
لكن الهجرة ليست ملفا يمكن اختزاله في صور الحدود أو أرقام العابرين. إنها في الوقت نفسه ملف للشباب، والشغل، والتعليم، والأمل، والعلاقات الدولية، وحقوق الإنسان. ولهذا فإن أول اختبار حقيقي أمام حكومة المنصوري قد لا يكون فقط في تشكيل الأغلبية، بل في قدرتها على تقديم لغة جديدة لإدارة هذا الملف: لغة تحمي الحدود، من دون أن تختزل الإنسان في خطر أمني، وتتعاون مع أوروبا، من دون أن تقبل أن يتحول المغرب إلى مجرد حارس لحدودها الجنوبية.
سبتة ليست مجرد أزمة حدود
في الخطاب الأوروبي، تُقدَّم أزمة سبتة غالبا باعتبارها اختبارا لأمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وقد تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته إلى إسبانيا، عن “هجوم” وعن أثر المعلومات المضللة في دفع أسر وشباب إلى المخاطرة. كما برزت دعوات متكررة إلى تضامن أوروبي أكبر مع إسبانيا وتفعيل ميثاق الهجرة واللجوء.
هذا البعد الأمني مفهوم، فلا دولة تستطيع تجاهل سلامة حدودها أو شبكات التهريب التي تستغل هشاشة الناس. لكن الاقتصار عليه لا يفسر السؤال الأهم: لماذا يصدق شاب أن عبور البحر أو الاقتراب من سياج حدودي قد يكون أفضل من انتظار فرصة داخل بلده؟
الحدود قد توقف عبورا في لحظة محددة، لكنها لا توقف الرغبة في الرحيل. ولا يمكن لأي سياسة أمنية، مهما كانت صارمة، أن تلغي الحلم إذا لم ترافقها سياسات تجعل البقاء ممكنا ومحترما ومقنعا.
لا تختزلوا الهجرة في البطالة
الهجرة ليست دائما هروبا من الفقر، كما أنها ليست دائما بحثا بسيطا عن العمل. هناك من يهاجر بحثا عن استقلال شخصي، أو عن تعليم أفضل، أو عن تجربة جديدة، أو عن لمّ شمل العائلة، أو عن أفق يشعر فيه بأن جهده سيقابل بفرصة. كما أن شبكات التواصل الاجتماعي تصنع أحيانا صورة مبسطة عن أوروبا، فتجعل النجاح يبدو قريبا وسهلا، وتحجب كلفة الهجرة غير النظامية وما فيها من استغلال وخطر ووحدة.
لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب حقيقة أساسية: عندما يشعر الشباب بأن سنوات الدراسة لا تفتح أبوابا، وأن الشغل غير مستقر، وأن الاستقلال الاقتصادي يتأخر، وأن الفرص تختلف بشدة بين المناطق، تصبح الهجرة مشروعا للمستقبل لا مجرد مغامرة عابرة. لذلك، لا يكفي أن تقول الدولة للشباب: «لا تهاجروا». السؤال المسؤول هو: ماذا نقدم لهم حتى يصبح البقاء اختيارا حرا، لا استسلاما لغياب البدائل؟
علاقة متوازنة مع أوروبا
المغرب يحتاج إلى تعاون وثيق مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي في محاربة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب، وتبادل المعلومات، وإنقاذ الأرواح، وتدبير الحدود بصورة منظمة. لكن هذا التعاون ينبغي أن يقوم على الشراكة، لا على تحويل المغرب إلى فضاء انتظار أو منطقة عازلة تُرحَّل إليها أزمات أوروبا.
فالمغرب بلد منشأ وعبور واستقبال في آن واحد. وهو يواجه تحدياته الداخلية، لكنه يتحمل أيضا جزءا من تداعيات أزمات إقليمية وإفريقية تتجاوز قدراته وحده. لذلك، من غير العادل أن تُقاس العلاقة مع أوروبا فقط بعدد محاولات العبور التي تم منعها، من دون وضع موارد حقيقية للتنمية المحلية، والتكوين، والحماية، والتنقل القانوني، وإدماج المهاجرين.
الحوار مع مدريد وبروكسل يجب أن يربط أمن الحدود بمسؤولية مشتركة: مسؤولية في تمويل التنمية، وفي فتح قنوات تنقل قانونية، وفي حماية طالبي اللجوء، وفي التصدي للخطابات التي تخلط بين الهجرة والجريمة أو تجعل من كل مهاجر تهديدا.
من حراسة الحدود إلى إدارة التنقل
المطلوب من حكومة المنصوري ليس “إلغاء الهجرة”، فهذا هدف غير واقعي ولا إنساني. المطلوب هو الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة تدبير التنقل.
ذلك يعني، أولا، أن تظل مكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر أولوية، لأنها تتاجر بأحلام الشباب وتعرض حياتهم للخطر. ويعني، ثانيا، حماية الحدود في إطار يحترم الكرامة الإنسانية ولا يحوّل المهاجرين إلى أرقام أو خصوم.
لكن الأهم هو بناء بدائل ملموسة: توسيع برامج العمل الموسمي والدائري مع إسبانيا ودول أوروبية أخرى؛ تسهيل الاعتراف بالشهادات والمؤهلات؛ تطوير التكوين المرتبط بحاجات سوق العمل؛ تشجيع التنقل الدراسي والمهني؛ وربط التعاون الأوروبي بمشاريع حقيقية في المناطق التي تعرف هشاشة وبطالة مرتفعة.
الهجرة القانونية لا تعني تشجيع الجميع على الرحيل. إنها تعني تقليص سلطة المهربين، وتنظيم الحركة، وحماية الناس من المخاطرة، وتحويل التنقل إلى اختيار قانوني وآمن بدل أن يكون رحلة يائسة نحو المجهول.
الاختبار الحقيقي للمنصوري
فاطمة الزهراء المنصوري لن تحل أزمة الهجرة وحدها، كما لا يمكن تحميل حكومة واحدة مسؤولية ظاهرة تتداخل فيها أوضاع بلدان المنشأ والعبور، وسياسات التأشيرة الأوروبية، وشبكات التهريب، والتفاوتات الاقتصادية، وطموحات جيل كامل.
لكن حكومتها تستطيع أن تختار زاوية مختلفة للنظر إلى هذا الملف. تستطيع أن ترفض المعادلة السهلة التي تجعل الهجرة مشكلة أمنية فقط، وأن تعتبرها سؤالا عن الكرامة والفرصة والعدالة المجالية. وتستطيع أن تقول للشركاء الأوروبيين: المغرب مستعد للتعاون، لكن التعاون لا ينجح إذا اقتصر على المراقبة والمنع.
التحدي ليس أن نجعل الشباب يخافون من الهجرة، بل أن نجعل المستقبل هنا أكثر قابلية للتصديق. وليس المطلوب أن نلغي الحلم الأوروبي، بل أن نضمن ألا يصبح الحلم الوحيد المتاح أمام شاب فقد ثقته في إمكانية بناء حياة كريمة داخل بلده.
حين يستطيع الشاب أن يقول: “يمكنني أن أهاجر بصورة قانونية إذا اخترت، ويمكنني أيضا أن أجد فرصة حقيقية هنا”، عندها فقط نكون قد انتقلنا من إدارة أزمة حدود إلى بناء سياسة إنسانية ومنظمة للتنقل.
وهنا سيكون اختبار حكومة المنصوري: ليس في عدد المحاولات التي ستُمنع، بل في عدد البدائل التي ستُفتح.
أستاذة جامعية وباحثة في قضايا الهجرة واللجوء (*)











