أكد عز الدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، أن اعتماد التوقيت الميسر مكّن من تخفيض الاكتظاظ بالمؤسسات الجامعية بنسبة تناهز 30 في المئة، مستعرضا ملامح إصلاح يشمل مراجعة الخارطة الجامعية، وإعادة هيكلة المؤسسات الكبرى، وإحداث مؤسسات من جيل جديد، في أفق بلوغ 27 جامعة تغطي مختلف مناطق المملكة.
وقال الميداوي، عشية اليوم الإثنين خلال جلسة عمومية للأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن هذا الإجراء يرتبط بوزن الطلبة الموظفين والأجراء داخل بعض المؤسسات، قائلا إن “في بعض المؤسسات عدد الطلبة الموظفين أو أجراء يناهز 40 في المئة”.
وأوضح في تعقيبه على أسئلة النواب، ردا على نائبة فريق التجمع الوطني للأحرار، اعتماد الزاهيدي، أن التوقيت الميسر “مر في قانون صوت عليه البرلمان، والأغلبية السابقة صوتت عليه وصوتم أنتم عليه”، مشددا على أنه “مستعد لمناقشة كل النقاط في لجنة التعليم بمجلس النواب والتفاعل معها”.
وأشار الوزير إلى أن معالجة الاكتظاظ مرتبط بإصلاح أوسع لمنظومة التعليم العالي، يقوم على تشخيص واقع القطاع، وتحديد الإطار المرجعي والمقاربة العامة، وضمان استمرارية السياسات العمومية السابقة، إلى جانب المبادئ المؤطرة والآثار المنتظرة، والمخطط المديري والخارطة الجامعية المستقبلية، والجيل الجديد من المؤسسات والحكامة الجديدة.
وأكد أن “مسألة العدالة المجالية ليست وليدة اليوم”، وأن الإجراءات المتخذة تندرج ضمن عمل انطلق منذ زمن، وفي إطار المشاريع الكبرى التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس، مستحضرا الجهوية المتقدمة والجهوية الموسعة والقانون الإطار.
وفي تشخيصه لوضع التعليم العالي، تحدث الميداوي عن توزيع ترابي غير متوازن وغياب العدالة المجالية، وعن “جامعات ومؤسسات لا تنضبط إلى المعايير الدولية”، فضلا عن الاكتظاظ والضغط البيداغوجي والمالي، ووجود مؤسسات ومسالك مستنسخة ومنمطة، وعرض تكويني لا يستجيب دائما للأولويات الوطنية والجهوية والدولية ولا يواكبها.
وسجل ضعف المردودية الداخلية، قائلا إن “نصف الطلبة يغادرون الجامعة من السنة الأولى”، ومتحدثا عن “كلفة تكوين باهضة تصل 400 مليون درهم بسبب تأخر التخرج لسنتين مقابل 128 للأجل العادي”، مضيفا أن المردودية الخارجية بدورها هزيلة، مشيرا إلى أن بطالة خريجي الإجازات تتجاوز 20 في المئة.
وحذر وزير التعليم العالي من ارتفاع متوقع وكبير في أعداد الطلبة خلال السنوات الخمس المقبلة، مستحضرا توقعات بزيادة تبلغ 35 في المئة في أفق سنة 2035، وقال: “إذا لم نقم بشيء سيكون في كل جامعة 200 ألف طالب”.
وعلى المستوى الترابي، أورد أن نصف المؤسسات يتمركز في 8 أقاليم فقط، بينما يوجد أكثر من 37 إقليما من دون أي مؤسسة.
وأمام هذا الوضع، اعتبر المسؤول الحكومي أنه “كان لا بد من التفكير في إعادة ترتيب بيت التعليم العالي برمته”، انطلاقا من مسلمة مفادها أن التعليم العالي رافد أساسي للرأسمال البشري، وفاعل ضروري لتنزيل كل سياسة عمومية وضمان نجاحها.
وأبرز أن المرجعية الأولى لهذا العمل تتمثل في الخطب الملكية، وما تتضمنه من تأكيد على العدالة المجالية والدولة الاجتماعية، مشيرا إلى أن الخطب الأخيرة عادت إلى هذا الموضوع بشكل مكثف، وقال إن جلالة الملك نادى بـ”مغرب بسرعة وليس سرعتين وضرورة العدالة المجالية والاجتماعية”.
وأضاف أن المؤسسات الدستورية والحكومات المتعاقبة اشتغلت على هذا الورش، بدءا من الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي انبثق عنها القانون الإطار رقم 51.17، بما تضمنه من تأكيد على العدالة المجالية، ثم القانون رقم 59.24، الذي قال إن البرلمان السابق صادق عليه، ونصوصه التنظيمية الرامية إلى الدفع بهذا الورش إلى الأمام.
وأدرج الميداوي ضمن المرجعيات أيضا توصيات المؤسسات الدستورية من دون استثناء، و”البرنامج الحكومي 2026-2031″، إلى جانب المعايير الدولية التي قال إنها تتجه جميعها نحو العدالة المجالية وتكافؤ الفرص.
وشدد على أن المقاربة المعتمدة منذ انطلاق الورش شمولية، تشمل مختلف أنشطة الجامعة والتعليم العالي، من التكوين والبحث العلمي والابتكار إلى الحياة الطلابية، التي ينبغي أن تتحقق فيها بدورها العدالة المجالية، فضلا عن الجوانب التشريعية والتنظيمية والآليات الواجب توفيرها لإنجاح أي إصلاح.
وبخصوص المخطط المديري ومراجعة الخارطة الجامعية المنصوص عليهما في القانون الإطار، أوضح الوزير أن المخطط يهم منظومة التعليم العالي بأكملها، بما فيها الجامعات والمؤسسات القطاعية والقطاع الخاص، غير أن الوزارة فضلت التركيز في المرحلة الأولى على الخارطة الجامعية، لكون الجامعات تحتضن 89 في المئة من الطلبة، مؤكدا أن النجاح في هذا الورش سيسهل الاشتغال على التعليم العالي القطاعي والخاص.
وفي مقارنة مع تجارب دولية، أورد الميداوي أن عدد الطلبة يبلغ حاليا 95 ألف طالب لكل جامعة بالمغرب، مقابل 33 ألفا في تركيا، و23 ألفا في فرنسا، و20 ألفا في إسبانيا، و15 ألفا في كندا، و20 ألفا في تونس.
وأضاف أن المغرب يتوفر على 12 جامعة عمومية، بينما لا تتوفر أربع جهات على أي جامعة، مقابل 129 جامعة في تركيا، و50 في إسبانيا، و75 في فرنسا، مشيرا إلى وجود دول تتوفر على 400 جامعة.
وأوضح أن الخارطة المرتقبة تستهدف بلوغ 27 جامعة تغطي مجموع التراب الوطني، بما يشمل مناطق لم تكن تتوفر على جامعات، وهي الداخلة والعيون وكلميم والرشيدية، مع اعتماد معيار يقل عن 40 ألف طالب لكل جامعة.
وحدد الوزير الاستثمار الإجمالي للمرحلة الأولى، المتعلق ببنايات رئاسة الجامعات وتسييرها، في 200 مليون درهم، مشيرا إلى أن المشروع أُحيل على المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الذي أبدى بشأنه رأيا إيجابيا، مع ملاحظات وصفها بالجوهرية والأساسية، خصوصا في ما يتعلق بالحكامة والكلفة.
وبشأن الحكامة، أحال الميداوي على القانون رقم 59.24 والنصوص التنظيمية المرتبطة به، موضحا أن مجموعة كبيرة منها صدرت، بينما توجد أخرى في طور الإخراج. وأكد أن مشروع الخارطة الجامعية يوجد في أطواره الأخيرة، وأن خروجه سيتيح الانتقال إلى 27 جامعة.
وعلى مستوى المؤسسات، قال الوزير إن الوزارة الوصية بدأت بتقسيم المؤسسات الضخمة لضمان انسجامها، موضحا أن كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ستقسم إلى مؤسستين، وكذلك كليات الآداب والعلوم الإنسانية، بينما ستقسم الكليات متعددة التخصصات إلى أربع أو خمس مؤسسات.
وأوضح أن الهدف من هذا التقسيم يتمثل في تحسين المردودية وضمان الانسجام، والانتقال التدريجي من الاستقطاب المفتوح إلى الاستقطاب المحدود، إلى جانب تثمين هذه الكليات التي قال إن النظرة إليها تكون منتقصة، رغم الأدوار الكبيرة التي تؤديها.
وفي إطار إعادة تنظيم المؤسسات الكبرى وملاءمة العرض مع الحاجيات الجهوية والوطنية والمهن الدولية، أعلن الميداوي إحداث 66 مؤسسة جامعية جديدة، منها 46 مؤسسة ناتجة عن التقسيم، و20 مؤسسة من الجيل الجديد.
وأضاف أن 17 مؤسسة أخرى توجد في طور الإخراج، بعدما مرت من اللجنة الوطنية للتنسيق وأُرسلت مشاريع مراسيمها إلى الأمانة العامة للحكومة، مشيرا إلى استفادة أربعة أقاليم لم تكن تتوفر على مؤسسات، هي تاوريرت وتارودانت وتزنيت وتاونات، مشددا على أن التقسيم لم يتم بشكل عشوائي، وإنما استنادا إلى مقاييس علمية، وفي أفق إحداث الجامعات الجديدة.
وتحدث الوزير أيضا عن “81 مؤسسة جديدة موجودة”، مشيرا إلى أن الكلفة ستناهز ملياري درهم في أفق سنة 2030، وأن هذا الورش سيمكن من إحداث 50 مؤسسة أخرى من الجيل الجديد، تشمل مختلف الحقول المعرفية من دون استثناء.
ولفت إلى أن هذه المؤسسات ستهم المجالات القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، مستحضرا، على سبيل المثال، مدرسة الاقتصاد والاقتصاد القياسي، والمهن القضائية، واللغات والحضارات، والأنتروبولوجيا والفلسفة وغيرها. وفي العلوم والتقنيات، أشار إلى تخصصات الرياضيات والأمن السيبراني وتدبير المياه والطاقات الخضراء، إلى جانب تخصصات أخرى.
وعلى المستوى التشريعي والمؤسساتي، كشف المتحدث ذاته عن مشروع يوجد في مراحله الأخيرة لإعادة هيكلة الوزارة، حتى تكون قادرة على مواكبة هذه الأوراش.
وتحدث، ضمن المخطط التشريعي للفترة 2024-2025، عن إخراج أربعة قوانين جديدة، تشمل القانون رقم 59.24، الذي أشار مجددا إلى مصادقة البرلمان السابق عليه، والقانون المتعلق بالمركز الوطني للبحث العلمي، والقانون المتعلق بالمركز الوطني لحياة الطالب، الذي يوجد في مراحله الأخيرة ويرتبط بما سماه “المكتب الوطني للحياة الاجتماعية”، ثم قانون الوكالة الوطنية للتقييم والجودة، لما لها من صلة بجودة الحكامة وتتبع المشاريع.
وعلى المستوى الجهوي، قال وزير التعليم العالي إن الوزارة أعادت النظر في الحكامة والآليات والتنظيم الأمثل للتعليم العالي، ومنحت آليات جديدة، وردت في عرضه بصيغة “10 رؤساء جامعات، و4 نواب للعمداء”، إلى جانب مأسسة الشعب، ومراجعة القانون رقم 59.24 في الجانب المتعلق بالمجالس المسيرة للجامعات والمؤسسات.
وتوقف عند إحداث مجلس للأمناء، موضحا أنه لم يُحدث اعتباطا أو بغرض المراقبة، وإنما ليكون الضامن الأول لاستمرارية السياسات العمومية، التي اعتبر أن تدبيرها يطرح إشكالا كبيرا، متوقفا عند مسألة القطيعة والتراكم في هذه السياسات.
وأضاف أن المجلس يضطلع بدور استراتيجي في الإشراف على التجذر الترابي للجامعات داخل جهاتها، وتقييم الأثر والاستراتيجيات وعمل رؤساء الجامعات وتوجيههم.
وأشار الميداوي إلى منح الجامعات ومؤسسات التعليم العالي إمكانية إحداث أقطاب جامعية، وإحداث شركات مساهمة للتدبير الخاص، بما يتيح المرونة والسرعة والابتكار.
وعلى المستوى المحلي، أوضح أن العمل شمل إعادة هيكلة مجموعة من المؤسسات الجامعية الضخمة، وإحداث جيل جديد من المؤسسات يستجيب للحاجيات المحلية والجهوية، وأيضا للمهن الدولية، معتبرا أن المهن لم تعد محكومة ببعد جهوي أو وطني فحسب، وإنما أصبحت ذات بعد دولي.
وفي ما يتعلق بالمبادئ المؤطرة للإصلاح، شدد الوزير على الإنصاف المجالي وتقريب العرض الجامعي، وفق مقومات أساسية وشروط محددة، وليس بطريقة عفوية، مشيرا إلى أن القانون الإطار واضح في هذا الباب، ويتحدث عن المركبات الجامعية.
وأضاف أن التجذر الترابي يقتضي أن تجيب الجامعة أولا عن الحاجيات المحلية والجهوية وتواكبها، وأن تكون، في الوقت نفسه، قادرة على مواكبة الأوراش الوطنية والتحولات الدولية، وإحداث تكوينات أكثر جاذبية وارتباطا بسوق الشغل.
وعن الآثار المنتظرة عند استكمال الورش، قال الميداوي إن هذه السياسة ستتيح تخفيف كلفة التمدرس بالنسبة للعائلات، خصوصا نفقات النقل والسكن، وتعزيز الإدماج، لا سيما بالنسبة للفتيات والفئات الهشة في العالم القروي، وتحسين فرص الشغل والإدماج.
وأضاف أنها ستسهم في تعزيز جاذبية الجهات للاستثمار، موضحا أن المستثمر لا يسأل عن الوعاء العقاري فقط، وإنما عن الموارد البشرية المؤهلة المتوفرة في الجهة، إلى جانب تنشيط الحياة الثقافية والاجتماعية والعلمية في مختلف الجهات.
وأدرج ضمن النتائج المنتظرة تشجيع حركية الكفاءات وإعادة توزيع الموارد البشرية، حتى لا تظل متمركزة في الدار البيضاء أو الرباط أو الحواضر الكبرى، وتقليص الفوارق المجالية، وتقوية التماسك والتكامل الوطني.
وأكد الوزير أن إعداد هذه المشاريع يستند إلى عمل كبير داخل وزارة التعليم العالي، وإلى دراسات دقيقة تشمل الجهات الاثنتي عشرة، وتتناول عدد السكان والثروات ونقاط القوة في كل جهة.
وأوضح أن هذه الدراسات تحدد كيف يمكن للمؤسسات والجامعات الجديدة أن تضطلع ببعد جهوي يستجيب للخصاص، وبعد وطني يستثمر الخصوصيات ونقاط القوة، فضلا عن البعدين الدولي والقاري، لتشجيع الجاذبية القارية واستباق التحولات الدولية انطلاقا من مؤهلات كل جهة.











