قبل ثلاثة أيام فقط من فتح مكاتب التصويت في الانتخابات التشريعية، سيستيقظ المغرب الأحد 20 شتنبر على توقيت جديد قديم، فعند الثانية صباحا ستتراجع عقارب الساعة بستين دقيقة، ليعود البلد إلى توقيت غرينيتش وينهي بذلك ما يقارب ثماني سنوات من العمل المستمر بـGMT+1، باستثناء التوقف المؤقت خلال شهر رمضان.
وفي الظاهر، لا يتجاوز الأمر إجراء تنظيميا تحسمه بضعة أسطر في مرسوم حكومي ينسخ النص المعتمد منذ أكتوبر 2018، غير أن العودة إلى الوراء في مسار الملف تكشف أن الستين دقيقة التي ستختفي من التوقيت الرسمي تختزل وراءها واحدة من أكثر السياسات العمومية التصاقا بالحياة اليومية للمغاربة، كما تكشف أن القرار الذي سيدخل حيز التنفيذ عشية الانتخابات لم يولد يوم صادقت عليه الحكومة، بل سبقه تراكم طويل من الاعتراض الاجتماعي والمساءلة البرلمانية وإعادة تقييم المبررات التي استند إليها اعتماد الساعة الإضافية.
وهنا تحديدا تتجاوز القضية مسألة ضبط عقارب الساعة لتصبح مسألة ضبط للرواية السياسية نفسها، فتنفيذ القرار في 20 شتنبر، على بعد ثلاثة أيام من اقتراع 23 شتنبر، يضع إجراء ذا أثر مباشر على ملايين المواطنين في قلب اللحظة الانتخابية، ويفتح الباب أمام الأحزاب المشاركة في الحكومة لإبراز موقعها منه، لكن إعادة بناء الوقائع تفرض الفصل بين ثلاثة مستويات كثيرا ما تختلط في زمن الحملات بين الجهة التي تملك الاختصاص القانوني لاتخاذ القرار، والأطراف التي ساهمت في النقاش السابق عليه، والجهات التي يمكن أن تستثمره سياسيا بعد صدوره كما أن الخلط بين هذه المستويات هو ما يسمح بتحويل قرار حكومي جماعي إلى ملكية حزبية أو في الاتجاه المقابل بتحويل موقف سياسي سابق إلى ادعاء بصناعة القرار.
من الناحية القانونية، لا يترك النص مجالا واسعا للاجتهاد، ففي 25 يونيو 2026، صادق مجلس الحكومة على مشروع المرسوم رقم 2.26.530 المتعلق بالساعة القانونية، قبل نشره في الجريدة الرسمية، ناسخا المرسوم رقم 2.18.855 الصادر في أكتوبر 2018 والذي أرسى العمل بإضافة ستين دقيقة إلى الساعة القانونية.
وبذلك، فإن العودة إلى توقيت غرينيتش قرار صادر عن الحكومة باعتبارها الجهاز التنفيذي المختص، وليس قرارا صادرا عن حزب من أحزاب الأغلبية منفردا، وهذه ليست ملاحظة شكلية، لأن تحديد صاحب الاختصاص يسمح منذ البداية بفصل المسؤولية المؤسساتية عن المنافسة الحزبية حول القرار.
غير أن المرسوم، إذا كان يحسم الجهة التي قررت، لا يفسر المسار الذي سبق القرار فهو يحدد التوقيت الجديد وتاريخ دخوله حيز التنفيذ وينسخ النظام السابق، لكنه لا يكشف ما دار داخل الأغلبية، ولا ترتيب المواقف التي سبقت الحسم، ولا حجم تأثير الضغط الاجتماعي، ولا وزن المعطيات القطاعية أو المساءلات البرلمانية في انتقال الملف من الجدل إلى القرار ولهذا فإن قراءة قصة GMT انطلاقا من 25 يونيو وحده تنتج تاريخا مبتورا، تاريخا يبدأ بالنتيجة ويتجاهل المسار الذي سبقها.
ذلك المسار يصبح أكثر وضوحا عند الرجوع إلى ربيع 2026، ففي 30 مارس أي قبل قرابة ثلاثة أشهر من مصادقة الحكومة على المرسوم، وجهت النائبة حورية ديدي، عن فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، سؤالا حول “التداعيات السلبية لاعتماد الساعة الإضافية” ولم يقتصر السؤال على الاعتراض السياسي المجرد، بل نقل إلى المؤسسة التشريعية جملة من الانتقادات التي كانت متداولة مجتمعيا، من الآثار الصحية واضطراب الساعة البيولوجية إلى انعكاسات التوقيت على الحياة الأسرية والدراسة وتنقل التلاميذ، مطالبا الحكومة بتقييم اقتصادي واجتماعي وصحي وتربوي للنظام ومدى استعدادها لمراجعته.
أهمية هذه المحطة لا تكمن في أنها تمنح الأصالة والمعاصرة أسبقية مطلقة في الاعتراض على GMT+1، فالنقاش حول الساعة أقدم من ذلك بكثير وشارك فيه فاعلون سياسيون ومدنيون متعددون، وإنما في كونها تثبت انتقال الاعتراض في تلك المرحلة، إلى مساءلة صادرة من داخل أحد أحزاب الأغلبية نفسها، ففي 30 مارس لم يكن قرار العودة إلى غرينيتش قد اتّ»خذ، ولم يكن ثمة مرسوم يمكن الالتحاق به بعد صدوره أو استثماره بأثر رجعي وكانت الساعة الإضافية لا تزال سياسة رسمية قائمة، وكان فريق برلماني ينتمي إلى الأغلبية يسائل الحكومة عن كلفتها وجدوى استمرارها.
بعد أقل من أسبوعين، انتقل النقاش من آثار الساعة على الحياة اليومية إلى واحد من أهم المبررات التقنية التي رافقت الدفاع عنها، وهو أثرها المفترض في استهلاك الطاقة، ففي جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب يوم 13 أبريل، أوضحت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي أن تقييم آثار الساعة الإضافية يظل معقدا، وأن الدراسة المنجزة بشأنها تحتاج إلى تحيين بسبب تغير سلوك المستهلكين والفاعلين الاقتصاديين.
والأهم أن المعطيات التي عرضتها لم تمنح النظام القائم سندا تقنيا قاطعا، إذ أشارت إلى أن الساعة الإضافية خلال الشتاء لا تحقق المكاسب نفسها المسجلة خلال الصيف في مجال ترشيد الطاقة، وأن المعطيات الأولية لا تظهر خفضا فعليا وملموسا في الطلب الإجمالي على الكهرباء.
هذه المعطيات لم تكن إعلانا عن قرب إلغاء GMT+1، ولا يجوز قراءتها بأثر رجعي كما لو كانت تمهيدا رسميا لقرار حكومي محسوم سلفا، فدلالتها أدق من ذلك وهي أن أحد المبررات التي استند إليها الدفاع عن الساعة الإضافية أصبح هو نفسه موضوعا لإعادة التقييم وبعد سنوات من التعامل مع الاقتصاد في الطاقة باعتباره جزءا من منطق اعتماد النظام، أصبح السؤال المطروح داخل المؤسسة التشريعية هو ما إذا كانت النتائج المحققة لا تزال تبرر استمراره، ولا سيما خلال فصل الشتاء.
وهذا التحول مهم في تحليل السياسات العمومية، لأن بقاء إجراء ما لا يفترض أن يستمد شرعيته من مجرد كونه قائما، فإذا كان اعتماد GMT+1 قد ارتبط بمنافع اقتصادية وطاقية مفترضة، فإن استمرار النظام بعد سنوات من التطبيق يقتضي بدوره قياس تلك المنافع وبمجرد أن تصبح الدراسة القديمة في حاجة إلى التحيين، وأن تكشف المؤشرات الأولية تفاوتا بين الصيف والشتاء، يتغير مركز النقاش إذ لم يعد المطالبون بالمراجعة وحدهم مطالبين بتبرير موقفهم بل يصبح استمرار السياسة القائمة محتاجا بدوره إلى أدلة تثبت جدواها.
بعد أيام، أضاف محمد المهدي بنسعيد وزير الشباب والثقافة والتواصل وعضو القيادة الجماعية للأصالة والمعاصرة، بعدا سياسيا إلى هذا النقاش حين ربط موقف حزبه من الساعة الإضافية بنتائج تقييمها ولم يذهب إلى المطالبة بإلغائها دون شروط، بل قال في الجوهر، إن ثبوت فائدتها للاقتصاد الوطني يبرر استمرارها فيما يفتح عدم ثبوت تلك الجدوى الباب أمام مراجعتها، وبذلك لم يعد النقاش في خطابه، متعلقا بموقف مبدئي مع GMT+1 أو ضده، وإنما بمعيار يفترض أن يحكم أي سياسة عمومية وهو النتائج.
وعند وضع المحطات الثلاث جنبا إلى جنب، تظهر دلالتها بصورة أوضح، فسؤال حورية ديدي نقل الآثار الاجتماعية والصحية والتعليمية للساعة إلى المساءلة البرلمانية، ومداخلة بنعلي أعادت فحص واحد من مبرراتها التقنية الأساسية، فيما نقل بنسعيد مسألة الجدوى من مستوى التقييم القطاعي إلى موقف سياسي يجعل استمرار النظام مشروطا بإثبات فائدته، ولا يتعلق الأمر بثلاثة تصريحات متفرقة بقدر ما يتعلق خلال أسابيع قليلة، بانتقال النقاش من كلفة GMT+1 على الحياة اليومية إلى قياس مردوديته ثم إلى السؤال السياسي عن مبررات الإبقاء عليه.
ومنذ تثبيت GMT+1 سنة 2018، ظلت القضية تعود بانتظام إلى النقاش العمومي، لأن آثارها لم تكن مجردة أو تقنية بل كانت محسوسة في تنظيم الحياة اليومية، خصوصا خلال الشتاء بين مواعيد الاستيقاظ والدراسة والعمل، تنقل الأطفال والعمال في ساعات الظلام، إيقاع الأسر، وعلاقة الزمن الإداري بالزمن الشمسي.
وفي ربيع 2026، كانت التعبئة تتجاوز المؤسسات الحزبية، فقد عادت مبادرات مدنية إلى الواجهة، وتحركت اللجنة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية، فيما واصلت أصوات سياسية من مواقع مختلفة المطالبة بمراجعة النظام.
في 25 يونيو تغيرت طبيعة الملف، ما كان إلى ذلك التاريخ موضوع مساءلة وتقييم ومطالبة بالمراجعة أصبح قرارا حكوميا، وصادق مجلس الحكومة على العودة إلى توقيت غرينيتش وحدد 20 شتنبر موعدا للتنفيذ، وهذه النقلة من النقاش إلى المرسوم، هي اللحظة التي ينبغي عندها الفصل بين تاريخ تشكل القرار وبين السلطة التي حسمته إذ يمكن لأطراف عديدة أن تكون قد ساهمت في بناء المناخ الذي جعله ممكنا، لكن الحكومة وحدها هي التي حولته إلى قاعدة قانونية ملزمة.
من جهة ثانية، فإن المنافسة السياسية حول السياسات العمومية لا تدور دائما حول من يوقع القرار في نهايته، وإنما أيضا حول من أثار المشكلة، ومن نقلها إلى المؤسسات ومن قدم المعطيات التي غيرت شروط النقاش، ومن يملك بعد ذلك الأدلة التي تسمح له بإثبات موقعه في المسار.











