تتجه الحكومة الإسبانية اليوم الثلاثاء، نحو إقرار مسار استثنائي لتسريع إعادة المهاجرين الذين ما زالوا في سبتة منذ موجة العبور الجماعي في 30 و31 يوليوز الماضي، عبر مشروع مرسوم قانون يستهدف اختصار المساطر الإدارية والقضائية المرتبطة باللجوء والإعادة إلى المغرب، في وقت تتقاطع فيه رغبة مدريد في إنهاء الأزمة مع تحفظات داخل الائتلاف الحكومي وتحذيرات حقوقية من المساس بضمانات الحماية الدولية.
وكانت الحكومة الاسبانية، تعمل خلال الأيام الماضية على إنهاء صياغة النص أملا. في عرضه على مجلس الوزراء الثلاثاء 29 شتنبر، غير أن مصادر حكومية إسبانية ظلت حذرة بشأن تأكيد إدراجه في جدول الاجتماع، فيما قال الوزير أوسكار لوبيز السبت، إن الحكومة تدرس مختلف الإجراءات الممكنة لتسريع العودة وإعادة الوضع في سبتة إلى طبيعته، دون أن يؤكد اعتماد المرسوم في اجتماع الثلاثاء.
ويتجاوز المشروع، وفق التفاصيل التي كشفت عنها صحيفة “إلباييس” مجرد تعزيز الموارد البشرية أو تسريع معالجة الملفات داخل الإدارة الإسبانية، إذ يذهب إلى تعديل مؤقت لقواعد التعامل مع بعض طلبات الحماية الدولية، بما يسمح بتنفيذ قرارات إعادة في حالات محددة قبل انتهاء جميع مراحل الطعن، مع استمرار دراسة طلب الحماية بعد مغادرة صاحبه الأراضي الإسبانية.
من معالجة الملفات إلى تغيير قواعد الإعادة
النقطة الأكثر حساسية في النص ترتبط بوضع المهاجرين الذين تقدموا بطلبات لجوء، وهي الفئة التي كانت إجراءات إعادتها تصطدم بضرورة استكمال المسطرة القانونية قبل تنفيذ القرار.
وبحسب مشروع النص، سيظل الإجراء الاستثنائي مرتبطا. باستمرار “حالة المصلحة للأمن القومي” التي أعلنتها السلطات الإسبانية في سبتة في 25 غشت.
وخلال هذه الفترة، يمكن أن تشمل الإجراءات الجديدة مواطني البلدان التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي آمنة ومن بينها المغرب، إلى جانب الأشخاص الذين يقدمون طلبات حماية متتالية، ومن تعتبرهم السلطات تهديدا. للنظام العام أو الأمن القومي.
وبموجب الصيغة المتداولة لن يكون تقديم الطعن كافيا.، في بعض هذه الحالات، لإيقاف تنفيذ الإعادة إلى المغرب إلى حين انتهاء المسار القضائي بكامله وسيستمر النظر في ملف الحماية الدولية حتى إذا أصبح صاحبه خارج إسبانيا.
كما يتجه المشروع إلى حذف المرور المسبق لبعض الملفات عبر اللجنة الوزارية للجوء واللاجئين، بما يسمح لوزارة الداخلية بالانتقال مباشرة إلى مرحلة البت، فضلا. عن تقليص أجل الطعن في بعض قرارات رفض اللجوء إلى خمسة أيام طبيعية وإعطاء هذه القضايا صفة الأولوية أمام القضاء.
وتناقش الوزارات المعنية مقتضى آخر يتعلق بالمهاجرين الذين يغادرون مراكز الاستقبال في سبتة، وتريد وزارة الداخلية، وفق المعطيات المنشورة، إتاحة إمكانية حفظ طلب الحماية في هذه الحالات، بما يجعل صاحبه قابلا. للإبعاد ولم يكن هذا المقتضى قد حُسم نهائيا. عند الكشف عن مشروع النص.
هذه التعديلات تكشف طبيعة المشكلة التي تحاول مدريد معالجتها، فالعائق لم يعد مرتبطا. فقط بإمكان استقبال المغرب للأشخاص المعادين، بل بالمدة التي تحتاجها السلطات الإسبانية لاستكمال التعرف على المهاجرين وفحص طلبات الحماية، وإصدار القرارات ثم المرور عبر مساطر الطعن التي قد توقف تنفيذ الإعادة.
والحكومة الإسبانية نفسها أقرت بهذا المعطى، ففي 15 شتنبر شدد وزير السياسة الترابية أنخيل فيكتور توريس على أن إعادة من لا يملكون حق البقاء في إسبانيا تتطلب أولا. تسجيلهم والتعرف على هوياتهم، مؤكدا. أن تسريع هذه المرحلة شرط لتسريع قرارات الإعادة.
“سومار” يرسم خطا. أحمر حول حق اللجوء
غير أن الطريق نحو إقرار النص لا يرتبط بالاعتبارات التقنية والقانونية وحدها، فالمشروع فتح خلافا. داخل الائتلاف الذي يقوده بيدرو سانشيز، خصوصا. حول إمكانية إعادة طالب اللجوء قبل انتهاء النظر النهائي في ملفه.
حزب “سومار” الشريك في الحكومة، لم يعارض مبدأ تسريع الإجراءات في حد ذاته لكنه شدد على ضرورة احترام المدد والضمانات التي يحددها القانون. وزيرة الشباب والطفولة، سيرا ريغو، أكدت أن حق اللجوء “حق معترف به” وأن أي تحرك حكومي بشأن الآجال يتعين أن يبقى خاضعا. للتشريع الجاري به العمل وللمعاملة الإنسانية.
وعلى الضفة الأخرى من المشهد السياسي، يضغط الحزب الشعبي من أجل تقليص آجال الإعادة، ودعا مسؤولوه إلى تغيير تشريعي يسمح بتنفيذ عمليات العودة بوتيرة أسرع فيما تحولت أزمة سبتة خلال الأسابيع الماضية إلى أحد الملفات الرئيسية في المواجهة بين الحكومة والمعارضة الإسبانية.
وبذلك يجد سانشيز نفسه أمام معادلة سياسية تقوم على تسريع إخراج آلاف المهاجرين الذين لا يثبت حقهم في الحماية، دون صياغة مقتضيات يمكن أن تتعارض مع القانون الإسباني أو الأوروبي أو الدولي الخاص باللجوء.
12 منظمة تحذر من “نظام استثناء“
وقبل حسم مصير المشروع، انتقل الاعتراض من داخل السياسة إلى المجال الحقوقي، فقد أصدرت 12 منظمة إنسانية وحقوقية، بينها اللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين “CEAR” و”أوكسفام إنترمون” و”ريد أكوخي” والخدمة اليسوعية للمهاجرين، اليوم الثلاثاء موقفا. مشتركا. حذرت فيه من التداعيات التي قد تترتب عن النص على حق اللجوء.
المنظمات اعتبرت أن الصيغة المطروحة تنشئ من وجهة نظرها، “نظام استثناء” مرتبطا. بالمكان والزمان لأن مقتضياته ستطبق على طالبي الحماية الدولية في سبتة، وقد تمتد بأثر رجعي إلى الطلبات المقدمة منذ 30 يوليوز الماضي، كما ركز اعتراضها على مبدأ عدم الإعادة القسرية، معتبرة أن السماح بتنفيذ الإبعاد قبل البت النهائي في بعض طلبات الحماية قد يضع هذا المبدأ موضع اختبار.
وتتركز اعتراضات المنظمات كذلك على مهلة الأيام الخمسة للطعن في بعض القرارات، فهي ترى أن هذه الفترة لا توفر في حالات معينة وقتا. كافيا. لتعيين محام والاطلاع على القرار والملف، والتواصل مع طالب اللجوء بحضور مترجم عند الحاجة، ثم إعداد الطعن وطالبت الحكومة بالتراجع عن الصيغة المقترحة.
وهذه الاعتراضات لا تعني في حد ذاتها، أن المشروع ثبت تعارضه قانونيا. مع قواعد اللجوء، بل هي موقف قانوني وحقوقي صادر عن المنظمات الموقعة بينما تقول المصادر المطلعة على إعداد النص إن الحكومة تعمل على صياغته بطريقة تتفادى تعطيل قرارات الإعادة بالطعون الجماعية وتحافظ في الوقت نفسه، على الضمانات القانونية المرتبطة بالحماية الدولية.
الرباط: التأخير ليس من الجانب المغربي
بالتوازي مع النقاش الداخلي في إسبانيا، دخل ملف الإعادة بقوة إلى المباحثات المغربية الإسبانية.
وخلال لقاء جمع وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة بنظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في نيويورك، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 24 شتنبر، بحث الطرفان إعادة المهاجرين غير النظاميين الذين ما زالوا في سبتة ولا يتوفرون على حق في الحماية الدولية، وأكد الجانب المغربي استعداده للتعاون من أجل عودة هؤلاء في أقرب وقت.
بوريطة ذهب أبعد من ذلك في تحديد المسؤولية عن بطء العملية، قائلا. للصحافة إن السؤال بشأن عدم إعادة المهاجرين والقاصرين ينبغي توجيهه إلى إسبانيا وليس إلى المغرب، ومشيرا. إلى وجود “عوائق” وصعوبات مرتبطة بالجانب الإسباني، مقابل ما وصفه بالموقف الواضح للسلطات المغربية بشأن استقبال الأشخاص المعنيين بالإعادة.
114.7 مليون يورو من بروكسل
أما أوروبيا.، فقد تحولت أزمة سبتة إلى ملف دعم مالي وعملياتي مباشر لإسبانيا، ففي 9 شتنبر، أعلنت المفوضية الأوروبية تخصيص 114.7 مليون يورو من التمويل الطارئ لمساعدة السلطات الإسبانية على التعامل مع الوضع الذي خلفته عمليات العبور الواسعة في 30 و31 يوليوز.
وتتوزع الحزمة بين 82.7 مليون يورو من صندوق اللجوء والهجرة والاندماج، و32 مليون يورو من أداة إدارة الحدود والتأشيرات.
ولا تقتصر الأموال الأوروبية على عمليات العودة، فوفق المفوضية، ستوجه أيضا. إلى مراقبة الحدود وحمايتها، واقتناء معدات وتقنيات للمراقبة ونشر موارد بشرية إضافية، وإنشاء مرافق لفحص أوضاع المهاجرين وتعزيز قدرة الاستقبال خصوصا. بالنسبة إلى القاصرين غير المصحوبين، إضافة إلى دعم إعادة الأشخاص الموجودين بصورة غير قانونية.
وبالتوازي مع التمويل، تحركت وكالات الاتحاد الأوروبي فقد استجابت “فرونتكس” و”يوروبول” ووكالة الاتحاد الأوروبي للجوء لطلب إسبانيا الحصول على دعم عملياتي، في مؤشر على أن بروكسل تتعامل مع أزمة سبتة باعتبارها ملفا. يتجاوز القدرات المحلية للمدينة إلى إدارة الحدود الخارجية للاتحاد.
من العودة الطوعية إلى المرسوم الاستثنائي
ومنذ بداية الأزمة، لم تنتظر مدريد تعديل الإطار القانوني للشروع في تقليص عدد الموجودين في سبتة فقد اعتمدت على العودة الطوعية إلى المغرب بالتوازي مع قرارات الطرد القانونية.
وتظهر الأرقام الرسمية تطور العملية تدريجيا. ففي فاتح شتنبر، أعلنت الحكومة الإسبانية أن 3519 شخصا. عادوا طوعا. إلى المغرب بين 10 و31 غشت إلى جانب 214 عملية طرد وبعد أسبوع ارتفع عدد العائدين طوعا. إلى 4516 شخصا.، فيما بلغ عدد المطرودين 278.
لكن استمرار وجود آلاف الأشخاص في المدينة، إلى جانب العدد الكبير من ملفات اللجوء والحاجة إلى تحديد الهويات وتسوية أوضاع القاصرين، أبقى وتيرة الإعادة أبطأ من المستوى الذي تسعى إليه السلطات.
بعد شهرين تقريبا. على أحداث 30 و31 يوليوز، لم تعد أزمة سبتة مرتبطة فقط بما جرى عند الحدود، فالملف انتقل إلى المحاكم ومؤسسات اللجوء ومجلس الوزراء الإسباني، ووصل إلى المباحثات المغربية الإسبانية وإلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
مدريد تريد تقليص المدة الفاصلة بين تسجيل المهاجر وصدور القرار وتنفيذه، والرباط تؤكد استعدادها لاستقبال من تقرر إعادته وفق المساطر المعمول بها، بينما وفرت بروكسل التمويل والدعم العملياتي.
في المقابل، يتركز الخلاف داخل إسبانيا على الحدود التي يمكن أن يبلغها هذا التسريع دون الانتقاص من الضمانات القانونية لطالب الحماية الدولية، لذلك سيكون مضمون النص النهائي، إذا أقر هو الذي يحدد حجم التحول في السياسة الإسبانية تجاه الأزمة.











