أطاحت المشاورات التي قادتها فاطمة الزهراء المنصوري، بالتجمع الوطني للأحرار من الأغلبية الحكومية، بعد ولاية قاد خلالها السلطة التنفيذية، لتعيد بذلك أول مغربية تقود الحكومة في تاريخ المملكة توزيع المواقع السياسية بين أحزاب كانت إلى وقت قريب على طرفي نقيض في تدبير الشأن العام.
فالاتفاق على تشكيل حكومة تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية وضع الأحرار في المعارضة إلى جانب غريمه العدالة والتنمية وأطراف من اليسار في تركيبة برلمانية تتجاور فيها أحزاب تختلف في المرجعيات والتجارب والحصيلة الحكومية، دون أن يجمعها بالضرورة موقف موحد من السلطة الجديدة.
ومحمد شوكي رئيس التجمع الوطني للأحرار من جانبه، لم يتأخر سوى سويعات معدودات عن بيان الأغلبية ليصدر إعلان توجه حزبه نحو معارضة وصفها بـ “القوية والمسؤولة والبناءة” مستندا إلى الخبرة التي راكمها في الحكومة ووزنه البرلماني، غير أن هذا الانتقال يطرح إشكالا سياسيا يتجاوز تغيير المقاعد داخل المؤسسة التشريعية فالحزب الذي يستعد لمساءلة حكومة المنصوري سيكون مطالبا بتحديد موقفه من سياسات ساهم في إقرارها والتزامات مالية واجتماعية انتقلت من الولاية السابقة إلى الولاية الجديدة، بينما يجد العدالة والتنمية نفسه أمام منافس في المعارضة كان حتى وقت قريب موضوعا رئيسيا لانتقاداته.
من ثلاثية أخنوش إلى رباعية المنصوري
يكتسب خروج الأحرار من الحكومة أهميته من طبيعة التحالف الذي حكم المغرب خلال الولاية التشريعية 2021-2026فقد تقاسم الحزب السلطة مع الأصالة والمعاصرة والاستقلال، قبل أن تفضي انتخابات 23 شتنبر إلى تصدر البام وتكليف المنصوري بتشكيل الحكومة، وبدلا من إعادة إنتاج الثلاثية السابقة تحت قيادة جديدة، انتهت المشاورات إلى الاحتفاظ بالاستقلال وإدخال الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، مقابل انتقال الأحرار إلى المعارضة.
ولم يرد في البيان المشترك للأحزاب الأربعة أي تفسير مباشر لاستبعاد التجمع الوطني للأحرار، لكنه أورد ضمن الاعتبارات التي سبقت الحسم الاستقراء المتمعن للتجارب الحكومية السابقة، والتقارب الفكري والسياسي، والالتزام برؤية إصلاحية موحدة وهي معايير تسمح بقراءة الاختيار باعتباره توجها نحو تحالف مختلف في تركيبته السياسية دون الجزم بأن قرار عدم إشراك الأحرار كان عقابا على تدبيرهم السابق.
واللافت أن المنصوري لم تتجه إلى توسيع الأغلبية باستيعاب أكبر عدد ممكن من الأحزاب، فرغم المشاورات التي شملت قوى سياسية متعددة استقر الاتفاق على أربعة مكونات تجمع 207 مقاعد من أصل 395 أي بفارق تسعة مقاعد فقط عن عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا.
والمسافة بين 207 مقاعد والحد الأدنى المطلوب تجعل انضباط الفرق النيابية الأربعة عاملا مهما في تمرير النصوص التي تتطلب الأغلبية المطلقة، مع مراعاة القواعد الدستورية الخاصة بكل تصويت، لهذا فإن الانسجام الذي شدد عليه البيان شرط عملي لتدبير العمل البرلماني.
وتزداد أهمية هذا المعطى بالنظر إلى طبيعة المكونات الثلاثة التي اختارت المنصوري التحالف معها، فالاستقلال كان شريكا في الحكومة السابقة، بينما أمضى الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية الولاية المنتهية في المعارضة، وبانتقال الحزبين إلى الأغلبية أعادت المنصوري جمع الأصالة والمعاصرة مع المكونات التاريخية للكتلة الديمقراطية، في صيغة سياسية تختلف عن تحالفات السنوات الخمس الماضية.
ولا يعني اجتماع الأحزاب الثلاثة التي ارتبطت تاريخيا بالكتلة الديمقراطية عودة هذه الأخيرة بالصيغة التنظيمية والسياسية التي عرفتها في مراحل سابقة، فالتحالف الجديد تقوده شخصية من الأصالة والمعاصرة وتؤطره نتائج انتخابات 2026 ومتطلبات تشكيل الحكومة وليس اتفاقا معلنا لإحياء الكتلة كإطار مستقل غير أن استحضار هذه الخلفية ضروري لفهم دلالة اختيار الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية شركاء في تجربة حكومية واحدة.
الأحرار.. معارضة لم تكن اختيارية
في أول تحديد لموقع حزبه بعد الإعلان عن الأغلبية، اختار محمد شوكي تقديم انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة باعتباره استمرارا للمشاركة في الحياة السياسية والمؤسساتية من موقع مختلف وليس انسحابا من تحمل المسؤولية.
واستند رئيس الأحرار، في تصريحه للصحافة إلى دستور 2011 وما منحه للمعارضة من مكانة داخل النظام المؤسساتي، مؤكدا أن حزبه سيوظف تجربته الحكومية ووزنه البرلماني وكفاءاته التشريعية لمناقشة السياسات العمومية ومراقبة عمل السلطة التنفيذية.
وشدد شوكي على أن الفريق البرلماني للتجمع الوطني للأحرار يضم كفاءات راكمت خبرة في الملفات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب أطر متمرسة في العمل التشريعي والمؤسساتي كما اعتبر أن المعرفة الدقيقة بإكراهات التدبير الحكومي ستساعد حزبه على مساءلة القرارات العمومية اعتمادا على الوقائع والمعطيات، وتقديم مقترحات وبدائل واضحة.
غير أن الرصيد الذي يستند إليه شوكي يحمل في الوقت نفسه حدودا سياسية لا يمكن إغفالها، فالتجربة الحكومية تمنح الأحرار معرفة بملفات الدولة لكنها تربطهم أيضا بالقرارات التي اتخذت خلال الولاية السابقة، وبالالتزامات التي ستستمر آثارها بعد مغادرتهم السلطة.
وسيكون هذا التداخل أكثر وضوحا عند مناقشة قانون المالية، والسياسات المرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية وبرامج الاستثمار والحماية الاجتماعية، فالمعارضة تستطيع الاعتراض على اختيارات الحكومة الجديدة لكنها ستكون مطالبة بتفسير موقفها من الإجراءات التي تستكمل سياسات ساهمت في إقرارها، أو من الإصلاحات التي شرعت حكومتها السابقة في تنفيذها.
وقد حرص شوكي على تجنب تقديم حزبه باعتباره معارضة رافضة لكل ما يصدر عن الحكومة، مؤكدا أن الأحرار لن يتبنوا الرفض لمجرد الرفض، وأنهم لن يترددوا في التعبير عن اختلافهم كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
كما اعتبر أن قوة المعارضة لا تقاس بحدة خطابها، وإنما بقدرتها على تحسين النقاش العمومي وتجويد القرار السياسي، من خلال التقييم الدقيق والاقتراح الجاد وهي صيغة تجعل الممارسة البرلمانية المقبلة المعيار الأساسي للحكم على مضمون التوجه الذي أعلنه الحزب.
ولم يقتصر تصريح شوكي على الشأن البرلماني، فقد أكد أن الأوراش الوطنية الكبرى لا ينبغي إخضاعها لمنطق الأغلبية والمعارضة، وأن خدمة المغرب لا ترتبط حصريا بموقع حكومي أو مؤسساتي مبقيا الباب مفتوحا أمام دعم المبادرات التي يعتبرها منسجمة مع المصلحة الوطنية مع الاحتفاظ بحق الاعتراض على الاختيارات الحكومية الأخرى.
البيجيدي.. معارضة قبل تشكيل الحكومة
على خلاف التجمع الوطني للأحرار، الذي تحدد موقعه خارج الحكومة بعد الإعلان عن الأغلبية الرباعية، كان العدالة والتنمية قد حسم موقفه من المشاركة قبل انتهاء المشاورات، فقد أعلن أمينه العام عبد الإله ابن كيران عقب انتخابات 23 شتنبر، أن المنطق السياسي لا يدفع حزبه إلى المشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، قبل أن يؤكد مطلع أكتوبر أن قرار المعارضة محسوم داخل الحزب.
ولم يقتصر التباين بين الطرفين على مسألة المشاركة الحكومية، فقد أثار مكان انعقاد اللقاء المحتمل بين ابن كيران والمنصوري خلافا معلنا بعدما رفض الأمين العام للعدالة والتنمية التوجه إلى مقر الأصالة والمعاصرة، مع تأكيده أن ذلك لا يعني رفض التواصل مع رئيسة الحكومة المعينة بصفتها الدستورية وأوضح أن أي لقاء بين الطرفين لن يكون بغرض التفاوض حول دخول الحكومة، لأن الحزب سبق أن اختار موقع المعارضة.
وتبرز هنا مسافة سياسية واضحة بين مقاربتي المنصوري وابن كيران، فرئيسة الحكومة المعينة أعلنت انفتاحها على المشاورات مع مختلف الأحزاب وربطت تشكيل الأغلبية بالتقارب السياسي والبرنامجي، بينما تعامل العدالة والتنمية مع مشاركته في حكومة يقودها البام باعتبارها خيارا غير وارد في المرحلة الحالية.
وتعود هذه المسافة إلى تاريخ من التنافس بين الحزبين، منذ تأسيس الأصالة والمعاصرة سنة 2008، مرورا بالتجارب الانتخابية والحكومية المتعاقبة لكن انتخابات 2026 وضعت العلاقة بينهما في سياق مختلف، إذ تصدر البام النتائج البرلمانية بينما حصل العدالة والتنمية على 54 مقعدا، مستعيدا حضورا برلمانيا أكبر مقارنة بولاية 2021.
ولن يكون البيجيدي وحده في المعارضة ذات الوزن البرلماني، فغريمه التجمع الوطني للأحرار الحاصل على 66 مقعدا، يدخل الموقع نفسه بعد خمس سنوات من قيادة الحكومة ليجتمع داخل المعارضة حزبان يفصل بينهما تاريخ من التنافس، أحدهما تولى رئاسة الحكومة المنتهية ولايتها، والآخر كان من أبرز منتقدي سياساتها.
ومن الناحية البرلمانية، لا تمنح المعارضة المشتركة لأي من الحزبين صفة القيادة التلقائية لبقية مكوناتها، فالتنسيق في المبادرات التشريعية والرقابية يقتضي اتفاقا سياسيا، بينما يبقى لكل فريق حق ممارسة صلاحياته الدستورية والتنظيمية بصورة مستقلة.
207 مقاعد.. أغلبية قانونية بانخراط مطلوب
تستند الأغلبية الرباعية إلى 207 مقاعد من أصل 395، مقابل 188 مقعدا خارج التحالف ويعني ذلك أن الحكومة المرتقبة تتوفر على الأغلبية المطلقة اللازمة لنيل الثقة، لكنها لا تتجاوز العتبة الدستورية سوى بتسعة مقاعد.
وتجعل هذه المعادلة العددية الانضباط البرلماني مسألة أساسية بالنسبة إلى الأحزاب الأربعة، فغياب عدد من النواب أو اختلافهم بشأن نصوص تتطلب أغلبية محددة قد يفرض على الأغلبية تعبئة فرقها بصورة مستمرة، أو البحث عن تأييد من خارج التحالف بحسب طبيعة التصويت.
ولا ينبغي الخلط في هذا السياق، بين إعلان الاتفاق السياسي على الأغلبية وبين التنصيب الدستوري للحكومة، فالفصل 88 من الدستور ينص على عرض البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان مجتمعين ثم مناقشته والتصويت عليه في مجلس النواب ولا تعتبر الحكومة منصبة إلا بعد حصولها على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس.
وقد التزمت الأحزاب الأربعة في بيان 12 أكتوبر، باقتراح وزيرات ووزراء وفق معايير الكفاءة والحس السياسي والنزاهة والاستقامة، وإعداد البرنامج الحكومي في أسرع الآجال كما حددت أولويات تتصل بالعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي والحريات والحقوق والحكامة الجيدة وتقوية القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
المعارضة أمام مسؤولية تقديم البدائل
سيجد التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية وتحالف اليسار أنفسهم أمام أغلبية تضم أحزابا ذات مرجعيات مختلفة، لكنها أعلنت اتفاقها على برنامج إصلاحي مشترك فيما لا تتوفر المعارضة، حتى الآن، على أرضية سياسية معلنة تجمع هذه الأطراف، فالأحرار يقدمون أنفسهم باعتبارهم معارضة تستند إلى تجربة حكومية حديثة والعدالة والتنمية يتمسك بموقع اختاره قبل انتهاء المشاورات، فيما يحتفظ تحالف اليسار بمواقفه وبرنامجه الخاص.
وفي هذا الإطار، قال عبد الصمد الزيتوني الباحث في العلوم السياسية لـ AM+MEDIA إن الحديث عن جبهة معارضة موحدة تضم التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية وتحالف اليسار يصطدم بخلافات سياسية معلنة، وليس فقط بتباينات إيديولوجية يمكن تجاوزها بتنسيق ظرفي، فقد حسم تحالف اليسار موقفه مسبقا برفض أي تنسيق برلماني مع العدالة والتنميةو أكد جمال العسري أن ما يفرق الطرفين أكثر مما يجمعهما، وهو موقف يكشف أن الاشتراك في معارضة حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لا يعني الاتفاق على مشروع سياسي أو برنامج رقابي مشترك.
وتزداد هذه المعادلة تعقيدا وفق الزيتوني بانضمام التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، وهو الحزب الذي قاد الحكومة السابقة وكان هدفا لانتقادات العدالة والتنمية بشأن حصيلتها الاقتصادية والاجتماعية متسائلا فكيف يمكن للحزبين بناء خطاب معارض مشترك حول ملفات يتحمل أحدهما مسؤولية تدبيرها خلال السنوات الخمس الماضية، بينما بنى الآخر جانباً من معارضته على انتقاد ذلك التدبير؟
أما تحالف اليسار، فقد اختار تنظيم مجموعته البرلمانية بصورة مستقلة بما يعزز فرضية استمرار التمايز بين مكونات المعارضة، لذلك فإن “التنسيق بشأن بعض المبادرات الرقابية يظل ممكنا لكن تحويله إلى جبهة سياسية مستقرة سيصطدم بمواقف معلنة وخلافات تتعلق بالمرجعيات والحصيلة الحكومية والبدائل الاقتصادية والاجتماعية وستكون المعارضة أمام اختبار قدرتها على تجاوز هذه الاختلافات قبل الحديث عن مواجهة برلمانية موحدة مع الأغلبية الرباعية” وفق تعبير الخبير.
وبقدر ما حسمت المنصوري معادلة الأغلبية بإخراج تحالف رباعي إلى الوجود، فإن المشاورات الحكومية تركت وراءها مشهدا معارضا أكثر تعقيدا، فالأحرار الذين قادوا الحكومة لخمس سنوات، سيجدون أنفسهم مطالبين بمعارضة اختيارات قد تكون امتدادا لسياسات ساهموا في وضعها فيما يدخل العدالة والتنمية المرحلة الجديدة بخلافاته المتراكمة مع الحزبين معا، أما تحالف اليسار فقد سبق أن رسم حدود علاقته بالبيجيدي برفض التنسيق معه ما يجعل اجتماع هذه الأطراف في مقاعد المعارضة أقرب إلى تموقع برلماني فرضته نتائج التحالفات منه إلى اصطفاف سياسي متجانس.











