يرى محمد أنوار الهزيتي، خبير التنمية الترابية وعضو المعهد الدولي للعلوم الإدارية، أن التركيز الملكي على الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري يضع الحكومة المقبلة أمام مسؤولية تحويل الإصلاحات القانونية والمؤسساتية إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية، مؤكدا أن تحقيق هذا التحول يقتضي تقريب القرار والموارد من المجال الترابي، وتمكين المصالح الجهوية والإقليمية من صلاحيات فعلية لتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتقليص الفوارق المجالية.
وفي هذا الحوار الذي أجرته معه جريدة “AM+ MEDIA”، يشخّص الهزيتي أسباب تعثر تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري، مبرزا استمرار تمركز القرار وضعف التنسيق بين القطاعات وعدم التناسب بين المسؤوليات والإمكانات المتاحة.
ودعا إلى برنامج حكومي ملزم لنقل الصلاحيات والموارد، وتطوير التعاقد بين الدولة والجهات على أساس تمويل مضمون وآجال واضحة ومؤشرات قابلة للتقييم. ويشدد على أن نجاح الحكومة المقبلة سيُقاس بسرعة تنفيذ المشاريع وجودة الخدمات وأثرها على حياة المواطنين، مع ربط مساءلة المسؤولين الترابيين بتمكينهم من وسائل العمل واتخاذ القرار.
ما دلالات تخصيص الخطاب الملكي حيزا مهما للاتمركز الإداري والجهوية المتقدمة؟
أعتقد أن تخصيص هذا الحيز للجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري يعكس إدراكا عميقا بأن المرحلة المقبلة من الإصلاح في المغرب يجب أن تنتقل من بناء المؤسسات ووضع القواعد القانونية إلى تحقيق نتائج تنموية ملموسة على المستوى الترابي.
فالخطاب الملكي لم يتناول الجهوية باعتبارها مسألة تنظيمية تتعلق بتوزيع الاختصاصات بين المركز والجهات فحسب، وإنما ربطها مباشرة بثلاثة رهانات أساسية: تحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتحقيق التنمية المندمجة والعدالة المجالية. وهذا الربط مهم للغاية، لأنه يجعل من الحكامة الترابية وسيلة لتحسين حياة المواطنات والمواطنين، وليس غاية مؤسساتية في حد ذاتها.
وفي تقديري، يحمل هذا التوجيه الملكي ثلاث رسائل أساسية.
الرسالة الأولى هي أن التنمية الترابية أصبحت معيارا للحكم على فعالية السياسات العمومية. فلم يعد كافيا أن تتوفر الدولة على استراتيجيات قطاعية أو برامج تنموية جهوية، بل أصبح المطلوب هو ترجمة هذه البرامج إلى مشاريع منجزة، وخدمات متاحة، وفرص اقتصادية وشغل داخل المجالات الترابية المعنية.
الرسالة الثانية هي أن الجهوية المتقدمة لا يمكن أن تنجح دون لاتمركز إداري فعلي. وهنا ينبغي التمييز بين مسارين متكاملين: اللامركزية، التي تمكن المجالس الجهوية المنتخبة من ممارسة اختصاصاتها في إطار التدبير الحر، واللاتمركز الإداري، الذي يقتضي نقل سلطات القرار والوسائل داخل الإدارة المركزية نفسها إلى المصالح الجهوية والإقليمية للدولة.
فلا يمكن أن نطالب جهة منتخبة بتسريع مشروع تنموي، بينما تظل بعض القرارات القطاعية أو الاعتمادات المالية أو الصلاحيات المرتبطة بالموارد البشرية رهينة موافقات مركزية طويلة. وبالمثل، لا يمكن تحميل المصالح اللاممركزة مسؤولية النتائج دون تمكينها من سلطات تقريرية فعلية.
أما الرسالة الثالثة، فتتمثل في الانتقال إلى حكامة ترابية قائمة على النتائج والمسؤولية. فالخطاب يدعو ضمنيا إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والمجال الترابي على أساس وضوح الاختصاصات، وتكامل التدخلات، والتعاقد، والمساءلة عن الإنجاز.
ويكتسي هذا التوجه أهمية إضافية في افتتاح ولاية تشريعية وحكومية جديدة، لأنه يضع أمام المؤسسات مسؤولية تحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى التزامات تنفيذية قابلة للتتبع والتقييم.
وخلاصة موقفي أن الرهان اليوم ليس تقريب الإدارة من المواطن جغرافيا فقط، وإنما تقريب القرار والموارد والقدرة على حل المشكلات منه. وهذه هي القيمة الحقيقية للانتقال من إدارة متمركزة إلى حكامة ترابية فعالة.
أين تكمن أسباب تعثر تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، وما الإصلاح الأكثر إلحاحا لتجاوزه؟
في تقديري، لا يمكن تفسير هذا التعثر بعامل واحد، ولا اختزاله في ضعف الإرادة السياسية وحده. فالمشكل أعمق، لأنه يرتبط باستمرار فجوة بين الالتزامات المعلنة والإصلاحات التنظيمية المطلوبة والممارسة الإدارية اليومية.
وتؤكد المعطيات الرقابية حجم هذه الفجوة. فقد سجل المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره السنوي برسم 2022-2023، أن نسبة إنجاز الإجراءات المبرمجة في خارطة طريق تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري لم تتجاوز 32% عند نهاية شتنبر 2023. كما سجل استمرار التأخر في مراجعة النصوص اللازمة لنقل الاختصاصات وتعزيز التمثيليات الإدارية المشتركة على المستوى الترابي.
وأرى أن أسباب التعثر تتمثل أساسا في أربعة اختلالات مترابطة:
أولا، عدم استكمال المنظومة القانونية والتنظيمية اللازمة لنقل الصلاحيات فعليا. فالميثاق حدد التوجه العام، لكن تطبيقه يتطلب مراجعة النصوص المنظمة لاختصاصات القطاعات الوزارية، وتنفيذ الميزانية، والمحاسبة ومراقبة النفقات، وتدبير الموارد البشرية والتعيين في مناصب المسؤولية.
ثانيا، استمرار تمركز جزء مهم من سلطة القرار في الإدارات المركزية. ففي بعض الحالات، يتحمل المسؤول الترابي مسؤولية التنفيذ، لكنه لا يملك كامل الصلاحيات اللازمة لحسم الملفات أو تعبئة الاعتمادات أو تدبير الموارد البشرية. وهكذا يصبح القرب الجغرافي للإدارة منفصلا عن القرب الفعلي للقرار.
ثالثا، ضعف التنسيق والالتقائية بين القطاعات الوزارية على المستوى الجهوي، بما يؤدي إلى تعدد المتدخلين، وتداخل الاختصاصات، وتأخر القرارات اللازمة لإطلاق المشاريع أو استكمالها.
رابعا، التفاوت في الكفاءات والقدرات التدبيرية بين المصالح الترابية، وعدم التناسب أحيانا بين المسؤوليات المسندة إليها والموارد البشرية والمالية والتقنية المتاحة لها.
أما الإصلاح الأكثر إلحاحا، في نظري، فهو التفعيل الكامل للمادة 17 من الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، باعتبارها مدخلا لإعادة توزيع الصلاحيات داخل الإدارة العمومية، وليس مجرد إجراء لتبسيط المساطر.
ويقتضي ذلك إطلاق برنامج حكومي تنفيذي ملزم، يحدد بالنسبة إلى كل قطاع وزاري:
– الصلاحيات التي يتعين نقلها أو تفويضها إلى المستوى الترابي، والقرارات التي ستصبح من اختصاص المسؤولين الجهويين.
– النصوص القانونية والتنظيمية التي يتعين تعديلها، والآجال المحددة لذلك.
– الاعتمادات المالية والموارد البشرية والتقنية المرتبطة بكل صلاحية.
– المسؤول عن التنفيذ، ومؤشرات قياس التقدم، وآليات التقييم والمساءلة.
وينبغي أن يشمل هذا الإصلاح تمكين المسؤولين الجهويين من صلاحيات تقريرية حقيقية، وتأهيلهم لتدبير الاعتمادات وفق القواعد القانونية والمالية المعمول بها، وتعزيز صلاحياتهم في تدبير الموارد البشرية، وإعادة تحديد دور الإدارات المركزية بما ينسجم مع الاختصاصات المنقولة.
وأشدد هنا على نقطة أساسية: لا ينبغي أن ينتهي تفعيل المادة 17 إلى مجرد تفويض الإمضاء أو اختصار بعض المراحل الإدارية؛ بل يجب أن يفضي إلى نقل فعلي للقدرة على اتخاذ القرار والتدبير والتنفيذ، مع الاحتفاظ بالتوجيه الاستراتيجي الوطني والرقابة والمحاسبة.
هذا هو الإصلاح الذي يمكن أن يحول اللاتمركز الإداري من التزام تنظيمي إلى رافعة حقيقية للتنمية الترابية.
كيف يمكن جعل تحسين التعاقد بين الدولة والجهات آلية تضمن الموارد وتسرع اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع؟
أرى أن التعاقد بين الدولة والجهات يجب أن ينتقل من منطق تجميع الالتزامات في اتفاقيات وشراكات متعددة إلى منطق عقود برامج ملزمة، متعددة السنوات، ومبنية على التمويل المضمون والنتائج القابلة للقياس.
فالمشكل ليس في غياب المشاريع أو البرامج التنموية فحسب، بل في عدم تطابق الأولويات الجهوية دائما مع برمجة القطاعات الوزارية، وفي تأخر تعبئة الموارد، وفي تعدد القرارات والموافقات المطلوبة من مختلف المتدخلين.
وتكشف تجربة عقود البرامج السابقة أهمية هذا التحول. فقد سجل المجلس الأعلى للحسابات أن أربع جهات أبرمت عقود برامج خلال الفترة 2020-2022، شملت 197 برنامجا ومشروعا بكلفة إجمالية بلغت نحو 23.56 مليار درهم. ومع ذلك، لم تتجاوز نسبة المشاريع المكتملة في إطار هذه العقود 9% إلى نهاية أبريل 2024، وفق التقرير السنوي للمجلس برسم 2023-2024. وتدل هذه المعطيات على أن التعاقد، مهما كانت أهميته، لا يضمن وحده التنفيذ ما لم يقترن بشروط عملية للتمويل والقرار والتتبع.
ومن أجل تطوير هذه الآلية، أقترح اعتماد خمسة مبادئ.
أولا: ربط العقد ببرنامج تنموي واضح الأولويات. ينبغي تحديد المشاريع ذات الأثر المباشر على المواطنين والاقتصاد الجهوي، انطلاقا من تشخيص دقيق للحاجيات، بدل إدراج عدد كبير من المشاريع دون ترتيبها حسب الأولوية والجاهزية والأثر المتوقع.
ثانيا: ضمان التمويل وتحديد التزامات كل طرف. يجب أن يتضمن العقد الكلفة الإجمالية لكل مشروع، وحصة الدولة والجهة والقطاعات الوزارية والمؤسسات الشريكة، ومواعيد توفير الاعتمادات، والبرمجة المالية السنوية ومتعددة السنوات. ولا ينبغي إطلاق مشروع تعاقدي دون وضوح شروط تمويله وتحديد المسؤول عن تعبئة موارده.
وفي هذا السياق، يكتسي تعديل القانون التنظيمي رقم 111.14 بموجب القانون التنظيمي رقم 031.26 أهمية خاصة، بالنظر إلى المقتضيات المالية الجديدة التي تتناولها الوثيقة المرفقة، بما فيها ألا يقل مجموع التحويلات المرصودة لفائدة الجهات عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من السنة المالية 2027. غير أن الأثر التنموي لهذه الموارد سيظل رهينا بكيفية توزيعها وتوجيهها نحو الحاجيات والمشاريع ذات الأولوية.
ثالثا: ربط التعاقد بوضوح الاختصاصات وسلطة القرار. يجب أن يحدد العقد القرارات التي تتولاها الجهة، وتلك التي تبقى من اختصاص الدولة، وتلك التي يتعين أن تتخذها المصالح اللاممركزة. كما ينبغي تحديد المسؤول عن كل مرحلة من مراحل التنفيذ، وتجنب مطالبة أي طرف بإنجاز ما لا يملك صلاحية تقريره أو الوسائل اللازمة له.
رابعا: اعتماد مؤشرات للإنجاز والأثر. لا يكفي قياس نجاح العقد بحجم الاعتمادات المصروفة أو عدد الاتفاقيات الموقعة؛ بل يجب تقييم نسبة المشاريع المنجزة داخل الآجال، وجودة الأشغال، وعدد المستفيدين، ومدى تحسن الخدمات، وفرص الشغل والاستثمار التي ساهمت المشاريع في إحداثها.
خامسا: إرساء نظام موحد للتتبع والتحكيم. أقترح إحداث لوحة قيادة جهوية مشتركة بين الدولة والجهة، تعرض تقدم المشاريع والاعتمادات والقرارات المنتظرة وأسباب التأخير والمسؤول عن معالجته. وينبغي أن تتوفر هذه المنظومة على مسطرة واضحة لرفع الإشكالات التي تتجاوز الاختصاص الترابي إلى المستوى المركزي، والبت فيها داخل آجال محددة.
وبذلك يصبح العقد إطارا لتوزيع المسؤوليات وضمان الموارد ومعالجة التعثرات، لا مجرد وثيقة تعبر عن نوايا الشركاء.
فالغاية النهائية هي أن يفضي التعاقد إلى معادلة واضحة: كل مشروع له تمويل محدد، ومسؤول معلوم، وأجل ملزم، وسلطة قادرة على اتخاذ القرار، ومؤشرات لقياس النتائج، وآلية للمحاسبة.
انطلاقا من هذا المنظور، ما النتائج التي ينبغي أن يحققها التركيز على العمل الميداني لتحسين الخدمات وتقليص الفوارق المجالية؟
من وجهة نظري، ينبغي ألا يقاس نجاح التوجيه الملكي بعدد الاجتماعات أو الاتفاقيات أو المخططات التي أعدت، وإنما بما سيلاحظه المواطن في حياته اليومية، وبمدى تغير المؤشرات التنموية داخل المجالات الترابية.
وأرى أن النتائج المنتظرة ينبغي أن تتجسد في أربعة مستويات أساسية.
أولا: تحسين الولوج إلى الخدمات العمومية وجودتها. ويشمل ذلك تقليص المسافة والوقت اللازمين للوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية، وتحسين النقل العمومي والطرق المحلية، وتوفير الماء والتجهيزات الأساسية، خصوصا في المناطق القروية والجبلية والمجالات التي تعاني خصاصا في الخدمات.
والمقصود ليس فقط بناء مرافق جديدة، وإنما ضمان تشغيلها واستمرارية خدماتها وتوفر الموارد البشرية والتجهيزات اللازمة لها.
ثانيا: تقليص الآجال الإدارية وتحسين مناخ الاستثمار. يجب أن تصبح المصالح الترابية قادرة على معالجة الملفات التي تدخل ضمن اختصاصاتها دون إحالتها بصورة متكررة إلى المركز. وينبغي أن ينعكس ذلك على آجال التراخيص والقرارات الإدارية، وعلى سرعة تسوية الإشكالات التي تعترض المقاولات والمستثمرين، بما يساعد على تحويل المؤهلات الاقتصادية لكل جهة إلى استثمارات منتجة وفرص للشغل.
ثالثا: تقليص الفوارق المجالية بصورة قابلة للقياس. لا يمكن تقييم التنمية الترابية من خلال حجم الاستثمار الإجمالي وحده، بل يجب قياس كيفية توزيعه، والفئات والمناطق المستفيدة منه، ومدى مساهمته في تحسين ظروف العيش وتقليص الفجوات في الولوج إلى البنيات الأساسية والخدمات والفرص الاقتصادية.
ولهذا الغرض، ينبغي أن يستند التخطيط إلى تشخيص ترابي دقيق يحدد الحاجيات داخل كل جهة، وبين العمالات والأقاليم، وداخل الجماعات نفسها، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر خصاصا. فالعدالة المجالية لا تعني توزيع الموارد بالتساوي الحسابي بين جميع المجالات، وإنما توجيهها وفق الحاجيات الفعلية والفوارق القائمة.
رابعا: رفع فعالية الاستثمار العمومي وتحسين استدامة المشاريع. يجب الانتقال من منطق إنجاز المشاريع بصورة منفصلة إلى منطق البرامج المندمجة التي تتكامل فيها الطرق والنقل والخدمات الاجتماعية والتجهيزات الاقتصادية. كما ينبغي تقييم المشاريع من حيث آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وتكاليف تشغيلها وصيانتها، وليس فقط من حيث استكمال الأشغال.
ولتحويل هذه النتائج إلى التزامات، أقترح إرساء منظومة جهوية لمؤشرات الأداء، تتضمن، على سبيل المثال، متوسط آجال معالجة الملفات الإدارية، ونسب تغطية الخدمات الأساسية، ونسب إنجاز المشاريع داخل الآجال، ومستوى استفادة المناطق الأقل تجهيزا من الاستثمار العمومي، وعدد فرص الشغل المرتبطة بالمشاريع المنجزة.
ويجب تحديد خط أساس لهذه المؤشرات، ثم وضع أهداف زمنية ومراجعتها دوريا، مع نشر حصيلة واضحة تسمح للمواطنين والمنتخبين والمؤسسات الرقابية بتقييم التقدم المحرز.
ومن المهم التأكيد أن نتائج الإصلاح لا ينبغي أن تُنسب تلقائيا إلى نقل الاختصاصات وحده؛ بل تتطلب كذلك جودة التخطيط، وكفاءة الموارد البشرية، وتوفر التمويل، وحسن التنسيق بين مختلف الفاعلين.
وخلاصة القول، إن نجاح العمل الميداني سيظهر عندما يشعر المواطن بأن الخدمة أصبحت أقرب وأجود، ويلاحظ المستثمر أن القرار أصبح أسرع وأكثر وضوحا، وتتمكن المناطق الأقل حظا من الاستفادة الفعلية من ثمار التنمية. هذه هي المؤشرات الحقيقية للنجاح، وليس حجم الخطاب المؤسساتي المحيط بالإصلاح.
من وجهة نظرك، هل تستطيع الحكومة المقبلة النجاح في هذا الورش الذي تعثرت فيه الحكومات المتعاقبة؟
أعتقد أن الحكومة المقبلة قادرة من حيث المبدأ على تحقيق تقدم حاسم في هذا الورش، لكن النجاح ليس مضمونا بمجرد تجديد الالتزام السياسي أو إعادة التأكيد على أهمية الجهوية المتقدمة، بل يتوقف على قدرتها على معالجة الأسباب البنيوية التي عطلت التنفيذ خلال السنوات الماضية.
ومن الإنصاف الإقرار بأن المغرب حقق تقدما مهما في إرساء الإطار الدستوري والقانوني والمؤسساتي للجهوية المتقدمة، كما طور آليات التخطيط الجهوي والتعاقد والشراكة. ولذلك، ليس دقيقا القول إن هذا الورش لم يحقق أي نتائج؛ الأدق هو أن الإنجاز المؤسساتي لم يتحول بعد، بالقدر المطلوب، إلى تمكين فعلي من القرار والموارد وتحقيق النتائج الترابية.
وتتيح المرحلة الحالية فرصة مهمة، بالنظر إلى التوجيه الملكي الواضح، والتعديلات التي عرفها القانون التنظيمي للجهات، والحاجة إلى إعطاء نفس جديد للعلاقة بين الدولة والجهات. لكن تحويل هذه الفرصة إلى نتائج يستلزم، في تقديري، خمسة شروط مترابطة.
أولها، أن تجعل الحكومة تفعيل اللاتمركز الإداري أولوية تنفيذية واضحة في برنامجها الحكومي، لا مجرد محور ضمن محاور إصلاح الإدارة. وينبغي أن يترجم ذلك، خلال المائة يوم الأولى، إلى برنامج عمل محدد المسؤوليات والآجال، مع إعطاء الأولوية للنصوص والصلاحيات الأكثر تأثيرا على الاستثمار وإنجاز المشاريع والخدمات العمومية.
ثانيها، أن تحسم في تفعيل المادة 17 من ميثاق اللاتمركز الإداري، من خلال استكمال المراجعات القانونية والتنظيمية اللازمة لنقل الصلاحيات والاعتمادات وتدبير الموارد البشرية إلى المستوى الترابي.
ثالثها، أن تعيد تنظيم العلاقة بين الإدارات المركزية والمصالح اللاممركزة والجهات المنتخبة، على أساس التكامل واحترام الاختصاصات، مع تعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية وضمان الانسجام بين البرامج القطاعية وبرامج التنمية الجهوية.
رابعها، أن تنتقل من الالتزامات العامة إلى عقود برامج واضحة، تتضمن التمويل والآجال والمسؤوليات ومؤشرات النتائج، مع تطوير قدرات الجهات والمصالح الترابية على إعداد المشاريع وتنفيذها وتقييمها.
خامسها، أن تجعل المحاسبة متلازمة مع التمكين. فلا يمكن مساءلة مسؤول ترابي عن التأخير في قرار لا يملكه أو اعتماد لم يوضع رهن إشارته؛ وفي المقابل، لا ينبغي إعفاء أي مسؤول من المساءلة عندما تكون الصلاحيات والموارد متاحة ولا يفي بالتزاماته.
وأرى أن من الضروري إرساء متابعة حكومية منتظمة لهذا الورش، مع عرض حصيلة دورية أمام المؤسسات المعنية، تتضمن ما تم نقله فعليا من اختصاصات، وما تم توفيره من موارد، وما تحقق من تقليص لآجال القرار، وما أنجز من مشاريع، وما انعكس على جودة الخدمات والاستثمار والعدالة المجالية.
وعليه، فإن الحكومة المقبلة ليست مطالبة بإعادة صياغة الإشكالية من جديد، وإنما بحسم ما ظل معلقا من الإصلاحات، وتحويل المقتضيات القانونية القائمة إلى قرارات تنفيذية قابلة للقياس.
وفي تقديري، فإن الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة لن يكون في قدرتها على إعلان نجاح الجهوية المتقدمة، بل في قدرتها على جعلها تعمل فعليا. فإذا استطاعت خلال ولايتها أن تنقل سلطة القرار والموارد إلى المستوى المناسب، وأن توضح المسؤوليات، وتسرع تنفيذ المشاريع، وتثبت أثرا ملموسا على حياة المواطنين، فستكون قد حققت تحولا نوعيا في الحكامة العمومية بالمغرب.
أما إذا استمر الفصل بين الاختصاص والمسؤولية، وبين القرار والتنفيذ، وبين التخطيط والتمويل، فإن خطر استمرار التعثر سيظل قائما، مهما كانت جودة النصوص القانونية أو طموح البرامج الحكومية.











