دافع محمد مهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ووكيل لائحة “البام” بدائرة الرباط المحيط، عن توجه حزب الأصالة والمعاصرة في حملته الانتخابية، مؤكدا أن الرهان الأساسي يتمثل في إقناع أكبر عدد من المواطنات والمواطنين بأهمية المشاركة في الاقتراع، باعتباره محطة ستحدد ملامح التدبير الحكومي خلال السنوات الخمس المقبلة.
وشدد بنسعيد، خلال حلوله ضيفا على برنامج “الطريق إلى الانتخابات 2026″، الذي يبث على جريدة “هسبريس”، على أن تركيز “البام” على عرض برنامجه الانتخابي وانتقاد عدد من جوانب التدبير الحكومي لا يعني التنصل من حصيلة الأغلبية المنتهية ولا الانتقال إلى موقع المعارضة، بل يندرج ضمن حق الحزب في تقييم التجربة الحكومية وتقديم بدائل للسياسات التي لم تحقق النتائج المنتظرة، خصوصا في الملفات المرتبطة بالقدرة الشرائية وارتفاع الأسعار والخدمات الصحية.
برنامج قريب من انتظارات المغاربة
وقال القيادية الحزبي إن مسؤولية الفاعلين السياسيين، خلال المرحلة الانتخابية، تتمثل أولا في إقناع المواطنين بأهمية العملية الانتخابية، بالنظر إلى أن نتائجها ستؤسس لمسار حكومي جديد يمتد لخمس سنوات.
وأوضح أن حزب الأصالة والمعاصرة اختار أن يجعل البرنامج الانتخابي محور حملته، بالتركيز على القضايا التي تهم المغاربة بصورة مباشرة، وفي مقدمتها القدرة الشرائية وانتظارات الشباب والإشكالات الاجتماعية التي تواجه فئات مختلفة من المجتمع.
وأضاف أن إعداد البرنامج لم يكن معزولا عن الإنصات إلى المواطنين، مبرزا أن الحزب نظم، قبل انطلاق الحملة الانتخابية، عددا من اللقاءات التواصلية، كما استفاد من العمل الميداني لمناضلاته ومناضليه الذين ظلوا، على امتداد السنوات الخمس الماضية، قريبين من المواطنين ومطلعين على انشغالاتهم اليومية.
ووفق بنسعيد، فإن الرسالة التي يسعى الحزب إلى إيصالها إلى الناخبين لا تقوم فقط على تقديم مرشحين ووجوه معروفة داخل المدن والقرى والأحياء، وإنما تشمل كذلك عرض التزامات واضحة يمكن للمواطنين الاقتناع بها والدفاع عنها والمساهمة في إيصالها إلى فئات أوسع.
بنسعيد: البام يلتزم بتنزيل كل التزاماته
وربط بنسعيد تنفيذ البرنامج الانتخابي بثقة الناخبين، قائلا إنه “في حال منح المغاربة حزب الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى، فإن ذلك سيشكل التزاما سياسيا بتنزيل التعهدات المقدمة في مختلف المجالات”.
وعدّ أن أحد أبرز التحديات التي تواجه العملية السياسية يتمثل في ضعف انخراط فئات من المواطنات والمواطنين في العمل السياسي، سيما في الاستحقاقات الانتخابية، مضيفا أن الحزب “حاول الابتعاد عن الصراعات الشخصية وتبادل الاتهامات، والتركيز عوض ذلك على القضايا التي تمس الحياة اليومية للمغاربة”.
وأوضح أن المواطن يهتم، في نهاية كل شهر، بكلفة فاتورة الكهرباء وأسعار المواد الأساسية وباقي المصاريف التي تثقل ميزانيته، أكثر من اهتمامه بمواقف حزب ما من فاعل سياسي آخر، مشددا على أن “التنافس الانتخابي ينبغي أن ينصب على ما يمكن تقديمه للمواطن من حلول والتزامات قابلة للتنفيذ”.
ويرى بنسعيد أن “مختلف الفاعلين السياسيين يتقاسمون الرغبة في تسجيل مشاركة واسعة في الاقتراع، لأن شرعية المؤسسات المنتخبة وقوة المسار الديمقراطي ترتبطان، في جانب مهم منهما، بإقبال المواطنين على صناديق التصويت”.
لا نتبرأ من الحصيلة الحكومية
رفض بنسعيد القول إن حزب الأصالة والمعاصرة تبرأ من حصيلة الحكومة التي شارك فيها، مؤكدا أن وجود الحزب داخل الأغلبية كان يفرض عليه التنسيق مع مكوناتها وتحمل مسؤوليته في القرارات المشتركة.
وأوضح أن أحزاب الأغلبية كانت تجتمع خلال الأزمات التي طبعت السنوات الخمس الماضية، ومن بينها تتالي سنوات الجفاف وانعكاساتها على أسعار المواد الأساسية، كاشفا أنه “خلال هذه الاجتماعات كان الحزب يقدم ملاحظاته السياسية حتى عندما يتعلق الأمر بقطاعات لا يتولى تدبيرها وزراؤه”.
وسجل المتحدث أن الحكومة انطلقت على أساس برنامج متفق عليه بين مكوناتها، غير أن الأزمات المتلاحقة أثرت في مسار تنفيذه وفرضت اتخاذ قرارات لم تكن مطروحة عند بداية الولاية، لافتا إلى أنه “في مثل هذه الحالات من حق كل حزب مشارك في الأغلبية التعبير عن تقديره وتقديم المقترحات التي يراها مناسبة”.
وأكد أن تقييم الحصيلة لا يعني إنكار المنجزات أو التنصل من المسؤولية، بل يقتضي إبراز الجوانب الإيجابية، وفي الوقت نفسه تحديد مكامن الخلل والقرارات التي لم تحقق الأهداف المتوخاة منها، مسجلا أن هذه عملية ديمقراطية طبيعية لكنا لم ترق بعض الفرقاء السياسيين.
وفي تقييمه للانسجام الحكومي، اعتبر بنسعيد أن الحكومة، بحكم تشكلها من ثلاثة أحزاب فقط، حظيت بفرصة أكبر لتحقيق الانسجام مقارنة بحكومات سابقة كانت تضم خمسة أحزاب، لأن تقليص عدد المكونات يسهل التنسيق وصناعة القرار.
ومع ذلك، أوضح أن الانسجام لا يعني التطابق الكامل في وجهات النظر، ولا يلغي حق الأحزاب في تسجيل ملاحظاتها داخل المؤسسات المخصصة للتنسيق.
الاتقادات بعد نهاية الولاية
رد بنسعيد على الانتقادات التي تتهم حزبه بانتظار نهاية الولاية الحكومية للكشف لانتقاد حليفه في الحكومة، موضحا أن مرحلة تقديم الحصيلة امتدت خلال أشهر أبريل وماي ويونيو، قبل الانتقال إلى زمن الحملة الانتخابية وعرض البرامج الحزبية.
وأوضح أن البرنامج الجديد للحزب يتضمن مقترحات تستكمل أوراشا بدأت خلال الولاية الحكومية، إلى جانب تعديلات وحلول بديلة تخص ملفات سبق أن قدم الحزب ملاحظاته بشأنها داخل الأغلبية، لكنها لم تحظ بالموافقة.
واستحضر مجددا مقترح الشركات الجهوية لتوزيع المواد الأساسية، مشيرا إلى أن الحزب طرحه داخل مؤسسة الأغلبية في سياق البحث عن حلول للغلاء.
وأوضح أن احترام ميثاق الأغلبية كان يمنع الحزب، أثناء الولاية، من الخروج إلى الشارع لانتقاد تدبير حكومي بصورة علنية، ولذلك ظل ملتزما بقرارات الأغلبية حتى عندما لم تؤخذ بعض مقترحاته بعين الاعتبار.
ومع انتهاء الولاية والانتقال إلى الحملة الانتخابية، أصبح من الطبيعي، بحسب بنسعيد، أن يعرض الحزب على المغاربة المقترحات السابقة، إلى جانب حلول جديدة أفرزتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
الغلاء ومقترح الشركات الجهوية للتوزيع
وفي سياق حديثه عن النقد الذاتي الذي كان يقوم به “البام” داخل الأغلبية، خصص بنسعيد حيزا واسعا من حديثه لأزمة الأسعار، مبرزا أن الأصالة والمعاصرة سبق أن اقترح داخل الأغلبية إحداث شركات جهوية لتوزيع المواد الغذائية الأساسية، باعتبارها إحدى الآليات الممكنة للحد من اختلالات سلاسل التوزيع وتخفيف الضغط على القدرة الشرائية.
وقال إن الأسعار “بلغت مستويات مرتفعة جدا، خصوصا منذ سنة 2023، في سياق اتسم بتداخل عوامل متعددة، من بينها الجفاف وارتفاع أسعار النفط وتأثير كلفة الطاقة في النقل”، مشيرا إلى أن الحكومة “بادرت إلى دعم مهنيي النقل، غير أن الحزب اعتبر أن الظرفية كانت تستدعي اعتماد حلول إضافية”.
وأقر بنسعيد بأن الاقتصاد المغربي يقوم على مبادئ السوق الحرة، لكنه شدد على أن الأزمات التي تمس جيوب المواطنين تفرض على الدولة التدخل لحماية الحد الأدنى المقبول من القدرة الشرائية.
وربط هذا التوجه بمفهوم “الدولة الاجتماعية” ومرجعية الديمقراطية الاجتماعية التي يدافع عنها حزب الأصالة والمعاصرة منذ تأسيسه، موضحا أن “تدخل الحكومة خلال الأزمات لا يتعارض، في نظر الحزب، مع آليات السوق، ما دام الهدف هو حماية المواطنين من التداعيات الاجتماعية للغلاء”.
دعم “الفراقشية”.. اعتراض على التدبير لا على المبدإ
في معرض تعليقه على الجدل المرتبط بدعم قطاع الأغنام، أكد وكيل لائحة “البام” بدائرة الرباط-المحيط أن ملاحظات الحزب لم تكن موجهة إلى مبدأ الدعم في حد ذاته، وإنما إلى طريقة صرفه وتدبيره والنتائج التي ترتبت عنه.
وأوضح أن “مواجهة أزمة تمس قطاعا حيويا وتؤثر في القدرة الشرائية تبرر تخصيص دعم عمومي له، وأن مكونات الأغلبية لم تكن لتعارض هذا المبدأ”، بيد أنه شدد على أن “الإشكال يكمن في أن المجهود المالي الذي بذلته الحكومة لم ينعكس بالكيفية المنتظرة على أرض الواقع”.
وأضاف أن هذه ملاحظات سجلتها “الصحافة والمواطنون ورأووا أيضا عدم تحقيق النتائج المأمولة”، معتبرا أن ذلك يطرح أسئلة حول “كيفية التدبير والجهات التي استفادت من الدعم ومدى بلوغه الأهداف المحددة له”.
وطالب المؤسسات المالية المختصة بتقديم المعطيات والنتائج الكفيلة بتفسير ما حدث، مؤكدا أن “ممارسة النقد داخل الأغلبية لا تعني ترديد عبارة ‘العام زين’، وأن ثقافة حزب الأصالة والمعاصرة تقوم على قبول النقد حتى داخل هياكله وبين أعضائه”.
“لم نقاطع المجلس الحكومي”
وعرج بنسعيد على ادعاءات مقاطعة وزاراء حزب الأصالة والمعاصرة لأشغال المجلس الحكومي، معتبرا أن ما جرى تداوله بهذا الخصوص يندرج ضمن المزايدات السياسية التي تتصاعد عادة مع اقتراب موعد الانتخابات.
وذكر في هذا السياق حضور 5 وزراء من الحزب، هم عبد اللطيف وهبي وأديب بنبراهيم وهشام صابري وليلى بنعلي وأمال الفلاح السغروشني، موضحا أن “غياب 4 وزراء آخرين بسبب ارتباطهم بمهام مختلفة لا يمكن تفسيره باعتباره قرارا سياسيا بالمقاطعة”.
وشدد على أن الحزب لم يتخذ أي موقف سياسي يقضي بمقاطعة المجلس الحكومي، وأن وزراءه ظلوا يتحملون مسؤولياتهم ويمارسون مهامهم، خصوصا عندما تكون الملفات المعروضة مرتبطة بالقطاعات التي يشرفون عليها.
وأضاف أن أعضاء الحكومة المنتمين إلى “البام” سيواصلون تحمل مسؤوليتهم إلى آخر دقيقة من الولاية، بالتوازي مع انخراط الحزب في التواصل مع المواطنين خلال الحملة الانتخابية.
“لا لشخصنة الحملة الانتخابية“
اعتبر محمد مهدي بنسعيد أن اقتراب الانتخابات يؤدي في الغالب إلى تصاعد التراشق السياسي، لكنه أكد أن حزبه اختار توجيه خطابه إلى المغاربة وعرض برنامجه الانتخابي، بدلا من الدخول في صراعات شخصية مع باقي الفاعلين.
ودعا الأحزاب التي قادت قطاعات حكومية إلى شرح حصيلتها وتفسير أسباب استمرار بعض الإشكالات، مستحضرا، على سبيل المثال، ارتفاع سعر الطماطم في سوق العكاري إلى 13 درهما.
وأوضح أن حزب الأصالة والمعاصرة “كان يطرح هذه القضايا داخل مؤسسة الأغلبية، لا بهدف ممارسة المعارضة من داخل الحكومة، وإنما لتقديم مقترحات وحلول يعتقد أنها قادرة على خفض الأسعار”.
وأكد أن هذا الدور ينسجم مع المسؤولية التي حملها الحزب بناء على الثقة التي حصل عليها في انتخابات 2021، نافيا أن يكون توجيه الملاحظات “نابعا من رغبة في الانتقاد المجاني أو تسجيل النقاط السياسية”.
الصحة بين الاستثمارات والانتظارات اليومية
وفي معرض تقديم مثال على منهج الحزب في تقييم العمل الحكومي، توقف بنسعيد عند قطاع الصحة، قائلا إن الحزب يعترف بوجود إنجازات واستثمارات مهمة، سيما في المستشفيات الجامعية، لكنه يسجل في المقابل استمرار نواقص مرتبطة بالموارد البشرية وجودة الخدمات في عدد من المؤسسات.
وأشار إلى أن إصلاح القطاع الصحي يحتاج إلى وقت، خصوصا أن تكوين طبيب يتطلب ست سنوات، وأن نتائج بعض الاستثمارات والسياسات لا يمكن أن تظهر إلا على المدى المتوسط.
غير أن هذا المعطى لا ينبغي أن يحجب واقع المواطن الذي يتوجه اليوم إلى مستشفى للقرب أو مؤسسة استشفائية جهوية ويواجه صعوبات في الحصول على الخدمات التي يحتاج إليها، يؤكد القيادي الحزبي.
وقال إن “بناء المستشفيات والاستثمار في تكوين أطباء المستقبل يمثلان مسارا ضروريا، إلا أن الحياة اليومية للمواطن لم تتغير بعد بالقدر المأمول”، لذلك، يضيف أنه “ينبغي التعبير عن هذه الملاحظات بصرف النظر عن الموقع السياسي للحزب”.











