رد محمد مهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ووكيل لائحة دائرة الرباط-المحيط، على المشككين في التصورات الاقتصادية والاجتماعية التي يقوم عليها البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، وفي مقدمتها إحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية المقبلة، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحسين القدرة الشرائية وظروف العمل.
وأكد بنسعيد، الذي حل يوم مساء يوم أمس الأحد ضيفا على برنامج “الطريق إلى الانتخابات 2026″، الذي بثته جريدة “هسبريس”، أن الكلفة الإجمالية لتنفيذ برنامج الحزب تبلغ 350 مليار درهم على امتداد خمس سنوات، بمعدل 70 مليار درهم سنويا، موضحا أن تمويل هذه الالتزامات سيعتمد على رفع معدل النمو إلى 5 في المئة، وإعادة توجيه النفقات وتحسين النجاعة الميزانياتية، إلى جانب مساهمة الجماعات الترابية.
وأكد أن معالجة البطالة لا يمكن اختزالها في وزارة التشغيل، لأنها إشكالية أفقية تبدأ من المدرسة والتكوين، وتمر بالصناعة والفلاحة والثقافة والمقاولة، وصولا إلى مواكبة الشباب عند البحث عن أول فرصة عمل أو إطلاق مشروع خاص.
التشغيل مسؤولية حكومية مشتركة
رفض بنسعيد تحميل وزارة التشغيل، التي يحمل حقيبتها زميله في الحزب يونس السكوري، وحدها مسؤولية توفير فرص العمل، موضحا أن مهامها الأساسية ترتبط بالإشراف على الحوار الاجتماعي، وتتبع ظروف العمل، وإعداد التشريعات المنظمة للعلاقات الشغلية.
وقال إن إنتاج فرص الشغل يتم داخل مختلف القطاعات الاقتصادية، متسائلا عن الدور الذي سيبقى لوزارات مثل الصناعة والفلاحة والثقافة إذا جرى اعتبار التشغيل اختصاصا حصريا لوزارة واحدة.
وأكد بنسعيد أن أزمة التشغيل تبدأ من منظومة التربية والتكوين، ومن مدى ملاءمة التخصصات التي توفرها المدارس والجامعات ومؤسسات التكوين مع حاجيات سوق العمل، مشددا على أن “تسجيل الشباب في مسارات تكوينية لا يكفي، بل ينبغي التأكد من أن المهارات التي يحصلون عليها مطلوبة فعليا لدى المقاولات والقطاعات المنتجة”.
وأضاف أن المسؤولية تشمل كذلك مواكبة الشباب في مرحلة البحث عن أول عقد عمل، وتوفير الأدوات اللازمة للراغبين في إنشاء مقاولات صغيرة أو متوسطة، معتبرا أن البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة تضمن إجابات عن هذه المستويات المختلفة.
مليون منصب شغل صاف
وأشار القيادي الحزبي إلى أن حزب “الجرار” يلتزم بإحداث مليون منصب شغل صاف، مشيرا إلى أن البرنامج الانتخابي لم يكتف بعرض الرقم، بل حدد القطاعات التي يمكن أن تساهم في تحقيقه.
وأوضح أن الرهان يشمل الصناعة والفلاحة والأوراش المرتبطة بتنظيم كأس العالم، إلى جانب دعم المقاولات التي يحدثها الشباب في المجال الفلاحي.
واستحضر المتحدث فقدان عدد من فرص العمل في القطاع الفلاحي خلال السنوات الماضية بسبب سنوات الجفاف، مؤكدا أن بلوغ هذا الهدف يتطلب “تعبئة مختلف القطاعات الحكومية وتحويل التشغيل إلى معيار لتقييم السياسات العمومية، بدلا من التعامل معه باعتباره برنامجا قطاعيا محدودا”.
ونبه بنسعيد إلى أن توفير التمويل للشباب الراغبين في إنشاء المقاولات لا يضمن، بمفرده، نجاح المشاريع، مبرزا “حتى عندما يمتلك الشاب فكرة جيدة ويحصل على الدعم المالي، قد يفتقر إلى الخبرة اللازمة لتدبير المشروع أو إلى مخطط عمل واضح”.
وتساءل في هذا السياق عما إذا كانت برامج الدعم تواصل مواكبة المستفيدين بعد حصولهم على التمويل، أم تكتفي بإطلاق البرنامج وصرف المبالغ، مؤكدا أن استدامة المقاولات الجديدة تحتاج إلى التأطير والاستشارة والتدريب في مجالات الإدارة والتسويق والتخطيط المالي.
ولفت بنسعيد إلى أن رؤية الحزب تقوم على مواكبة الشباب خلال مختلف مراحل المشروع، ابتداء من بلورة الفكرة وإعداد مخطط العمل، مرورا بالحصول على التمويل، وصولا إلى التدبير والتوسع والحفاظ على النشاط.
تحفيزات ضريبية للمقاولات بخلق فرص الشغل
ضمن التدابير الرامية إلى تشجيع التشغيل، اقترح حزب الأصالة والمعاصرة إعفاء المقاولات الصغرى والمتوسطة لمدة خمس سنوات، شريطة أن تشغل ثلاثة أشخاص.
ويرى بنسعيد أن هذا الإجراء “سيعود بالنفع على الاقتصاد والمجتمع في آن واحد، لأنه يمنح المقاولات الجديدة فرصة لتخفيف أعبائها المالية خلال سنواتها الأولى، مقابل التزام واضح بإحداث فرص عمل”.
وربط المتحدث بين دعم المقاولة وتحسين الاستهلاك، موضحا أن “الرفع من دخل المواطنين أو تخفيف العبء الضريبي عنهم يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات، بما يرفع نشاط المقاولات ويدفعها، تبعا لذلك، إلى تشغيل مزيد من الأشخاص”.
القدرة الشرائية رافعة للنشاط الاقتصادي
قال بنسعيد إن الالتزامات الاجتماعية الواردة في برنامج الحزب لا تقتصر على تحسين دخل المستفيدين بصورة مباشرة، بل يراد منها كذلك تحريك الدورة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، تحدث عن التزام “البام” في برنامجه الانتخابي برفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، وتمكين الأرامل من معاش كامل، إلى جانب إعفاء الأشخاص الذين تقل أجورهم عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل.
وأوضح أن منح الأسر إمكانات مالية إضافية يؤدي إلى تحسن الاستهلاك، وزيادة الرواج الاقتصادي، وارتفاع حجم نشاط المقاولات، وهي سلسلة يفترض أن تنتهي بإحداث فرص شغل جديدة.
وأكد أن هذه العلاقة بين الدخل والاستهلاك والاستثمار والتشغيل تمثل أحد مرتكزات البرنامج الانتخابي، الذي يسعى إلى الجمع بين التدابير الاجتماعية وتحفيز الاقتصاد.
وشدد محمد مهدي بنسعيد على أن فلسفة البرنامج تقوم على وضع المواطن في جوهر السياسة العمومية، مستحضرا تجربة الدعم المباشر للسكن، الذي أشرفت عليه منثقة القيادة الجماعية للحزب، فاطمة الزهراء المنصوري، التي حملت حقيبة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، مثالا على ذلك.
وتابع في هذا السياق بأن “الدعم كان يوجه في السابق إلى المقاولات التي تشيد مساكن اقتصادية في مناطق محددة، ما كان يفرض على المستفيد شراء مسكن في المكان الذي اختاره المنعش العقاري، حتى وإن كان بعيدا عن مقر عمله أو غير ملائم لظروفه الأسرية، وهو ما قد يرتب عليه مصاريف تنقل إضافية”.
أما انتقال الدعم من المقاول إلى المواطن مباشرة، فيتيح للمستفيد، وفق ما أكده بنسعيد، اختيار السكن والموقع اللذين يناسبانه، معتبرا أن هذا التحول يعكس المنهج الذي يريد الحزب اعتماده في قطاعات أخرى.
ويرى المتحدث أن السياسات الاجتماعية لا ينبغي أن تكتفي بإعلان حجم الاعتمادات أو عدد المستفيدين، بل يجب تقييمها انطلاقا من مدى تحسينها الفعلي لحياة المواطنين ومنحهم حرية الاختيار.
ظروف العمل جزء من أزمة التشغيل
أكد عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة أن “توفير مناصب الشغل لا يكفي إذا كانت ظروف العمل غير ملائمة”، مشيرا إلى أن “عزوف بعض المغاربة عن وظائف متاحة لا يرتبط دائما بمستوى الأجر فقط، وإنما كذلك بساعات العمل والحماية الاجتماعية وظروف الإقامة والتنقل”.
واستحضر وضعية حراس الأمن الخاص في بعض المؤسسات والشركات، قائلا إن “عددا منهم كان يتقاضى أجرا مقابل ثماني ساعات، بينما يعمل فعليا لمدة 12 ساعة، قبل أن يجري تقنين هذا المجال” بعد إخراج زميله في الحزب وعضو المكتب السياسي، يونس السكوري، القانون رقم 032.26 القاضي بتتميم المادة 193 من مدونة الشغل إلى حيز التنفيذ.
وتوقف بنسعيد أيضا عند النقص المسجل في اليد العاملة ببعض الأنشطة الفلاحية في جهة سوس، مشيرا إلى أن “المشغلين يشتكون صعوبة العثور على عمال، في وقت تتوجه فيه نساء مغربيات للعمل الموسمي في بلد جار (إسبانيا) بأجور قريبة من الأجور المعروضة في المغرب”.
وعزا هذا الاختيار إلى اختلاف ظروف العمل، موضحا أن العاملات يجدن في إسبانيا خدمات مرتبطة بالمبيت والتغذية، وهو ما يجعل العرض أكثر جاذبية.
وشدد على أن تقوية التشغيل تقتضي تحسين جودة الوظائف وضمان شروط عمل تحترم كرامة العامل، وليس الاكتفاء بإحصاء عدد المناصب المتاحة.
التعليم والصحة إصلاحان يتجاوزان ولاية واحدة
وضع القيادي الحزبي التعليم والصحة ضمن أولويات المغاربة، لكنه أقر بأن إصلاحهما لا يمكن أن يكتمل خلال ولاية حكومية واحدة، بل قد يتطلب ولايتين أو ثلاثا.
ودعا إلى مواصلة الإصلاحات التي بدأت في الحكومات السابقة والحالية، مع إخضاعها للتقييم وتصحيح الاختلالات التي تظهر أثناء التنفيذ.
وفي هذا السياق، تطرق إلى تجربة “مدارس الريادة، قائلا إن “الحزب تلقى خلال الحملة الانتخابية ملاحظات من أمهات أكدن أنهن لم يلمسن تغييرا واضحا في مستوى أبنائهن”.
وأشار في هذا السياق إلى أن الحزب أنجز تقريرا داخليا بمشاركة عدد من الأساتذة المهتمين بالمجال، وأن النقاش بشأن التجربة يتوزع بين اتجاهين؛ الأول يرى أن الحكم الحقيقي عليها يجب أن ينتظر وصول التلاميذ المنتسبين إليها من المرحلة الابتدائية إلى التعليم الإعدادي، حتى يمكن قياس مستواهم، بينما يحذر اتجاه ثان من أن الإصلاح لا يسير في الطريق الصحيح.
وأكد بنسعيد أن الأمر يتعلق برؤية استراتيجية لا تحتمل أحكاما متسرعة، داعيا إلى إجراء تقييم جدي بمشاركة النقابات والمجتمع المدني والفاعلين التربويين، للتأكد مما إذا كانت التجربة تحقق أهدافها أم تحتاج إلى المراجعة.
350 مليار درهم لتمويل البرنامج
أشار محمد مهدي بنسعيد إلى أن الأصالة والمعاصرة هو الحزب الوحيد الذي وضع، ضمن برنامجه الانتخابي، الكلفة المالية للالتزامات التي يعرضها على الناخبين، وحدد هذه الكلفة في 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، بما يعادل 70 مليار درهم سنويا.
وأوضح أن “البام” يراهن في تمويل البرنامج على رفع معدل النمو من 4.1 حاليا إلى 5 في المئة، وعلى مساهمة الجماعات الترابية من خلال الضريبة على القيمة المضافة، فضلا عن إعادة تخصيص النفقات وتحسين النجاعة الميزانياتية.
محاربة الفساد بتفعيل القانون
في محور محاربة الفساد، كشف مرشح “البام” في دائرة الرباط-المحيط أن التزام الحزب الأساسي يتمثل في تفعيل القانون وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مشيرا وجود قضايا معروضة على القضاء تهم فاعلين سياسيين ومسؤولين في عدد من الإدارات.
وفي المقابل، حذر من أن انتشار الأخبار الزائفة أدى إلى التشكيك في نزاهة عدد من الفاعلين السياسيين، وتحويل بعض الادعاءات غير المثبتة إلى ما يشبه الحقائق لدى جزء من الرأي العام.
وقدم بنسعيد تجربته الشخصية مثالا على تأثير ما وصفه بالأخبار المضللة، موضحا أنه بدأ نشاطه السياسي سنة 2008، وانتخب عضوا في البرلمان سنة 2011 وكان عمره آنذاك 24 سنة، قبل أن يغادر المؤسسة التشريعية سنة 2016.
وأضاف أنه لم يتحمل مسؤولية سياسية بين سنتي 2016 و2021، ومارس خلال هذه الفترة حقه، كمواطن، في إنشاء مقاولة سنة 2017، مشيرا إلى أن المقاولة وقعت اتفاقية مع الدولة سنة 2018 أو 2019، أي خلال الولاية الحكومية السابقة، نافيا الادعاءات التي تحدثت عن تأسيسها بعد دخوله الحكومة أو استفادتها من مبلغ قدره 50 مليارا.
واعتبر أن تداول هذه الاتهامات، من دون تحقق، يلحق ضررا بالعمل السياسي، خصوصا عندما يستعملها الخصوم، أو حتى بعض الحلفاء، في تصفية الحسابات.
وذكر بنسعيد بوجود مؤسسات رسمية تتولى الرقابة وحماية القانون في هذا الباب، داعيا إلى الاحتكام إليها وعدم الانسياق وراء المعلومات المضللة، مع تفعيل القانون في حق كل من تثبت مسؤوليته، أيا كان موقعه السياسي أو الإداري.











