تتقدم مشاورات تشكيل الحكومة التي تقودها رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري، في وقت بدأت فيه ملامح التحالفات المحتملة تتضح تدريجيا مقابل شروع عدد من الأحزاب في ترتيب هياكلها البرلمانية استعدادا لانطلاق الولاية التشريعية الثانية عشرة، التي يفتتحها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، اليوم الجمعة.
وتأتي هذه التطورات بعد عشرة أيام من تعيين جلالة الملك فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الفريق الحكومي الجديد، عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي، بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395 بمجلس النواب.
وفي أحدث تصريح لها بشأن سير المشاورات، أكدت المنصوري مساء الأربعاء عقب اجتماعها بالأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة بمقر حزب الأصالة والمعاصرة بالرباط، أن المفاوضات تتقدم في أجواء إيجابية.
وقالت رئيسة الحكومة المعينة “الأمور تتقدم” موضحة أن المشاورات متواصلة منذ أسبوع، ومعربة عن أملها في تشكيل حكومة تكون في مستوى انتظارات المغاربة وجلالة الملك، دون الكشف عن تفاصيل المباحثات التي جمعتها ببركة، واستمرت قرابة ساعة.
ويأتي هذا اللقاء في إطار الجولة الثانية من المشاورات التي شرعت فيها المنصوري مطلع الأسبوع الجاري، بعد استكمال سلسلة أولى من اللقاءات مع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان بهدف تحديد إمكانيات التقارب بشأن تشكيل الأغلبية الحكومية المقبلة وعقب تفويض بالاجماع من “برلمان الحزب” للجنة الرباعية التي تقودها المنصوري باتخاذ ما تراه مناسبا بشأن التحالفات المستقبلية.
وعلى مستوى المواقف الحزبية، اتخذ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خطوة جديدة نحو المشاركة في الحكومة بعدما توافق مكتبه السياسي خلال اجتماعه يوم الثلاثاء 6 أكتوبر برئاسة إدريس لشكر، على اعتماد خيار المشاركة في الفريق الحكومي المرتقب.
غير أن هذا التوجه لم يتحول بعد إلى قرار نهائي، إذ ينتظر أن يعرض على المجلس الوطني للحزب، المقرر انعقاده غد السبت 10 أكتوبر، باعتباره الهيئة المخولة بالحسم في المشاركة الحكومية.
وكان لشكر قد أجرى جولتين من المباحثات مع المنصوري، في سياق المشاورات التي أعقبت تعيينها.
وبخصوص حزب التقدم والاشتراكية، قررت لجنته المركزية خلال اجتماعها يوم الثلاثاء، تفويض المكتب السياسي لمواصلة المشاورات مع رئيسة الحكومة المعينة، واتخاذ القرار المناسب بشأن المشاركة في الحكومة المقبلة.
ويتيح هذا التفويض لقيادة الحزب استكمال المفاوضات حول التوجهات السياسية والبرنامجية للحكومة، دون أن يعني اتخاذ قرار نهائي بالانضمام إلى الأغلبية.
ووفق ما أكدته مصادر من التقدم والاشتراكية تحدثت لـ AM+MEDIA فقد تناول النقاش عددا من الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، من بينها تعزيز الديمقراطية والحريات واستعادة الثقة في المؤسسات والمساواة وتخليق الحياة العامة، إلى جانب القضايا المرتبطة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي.
أما حزب الاستقلال، فقد سبق لمجلسه الوطني أن منح أمينه العام نزار بركة تفويضا لمواصلة المفاوضات بشأن المشاركة الحكومية، وهو ما يفسر استمرار اللقاءات الثنائية مع المنصوري خلال الجولة الثانية من المشاورات.
وفي المقابل، تحدثت مصادر صحافية في وقت سابق عن توجه حزب الأصالة والمعاصرة نحو أغلبية تضم الأحزاب الثلاثة التي شكلت تاريخيا مكونات الكتلة الديمقراطية، وهي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحسم تركيبة التحالف الحكومي.
وباحتساب نتائج انتخابات 23 شتنبر، فإن هذه الصيغة كانت ستجمع 207 مقاعد موزعة بين الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، والاستقلال بـ65، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعدا، متجاوزة بذلك عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا.
غير أن هذه الحسابات تظل مرتبطة بفرضية سياسية لم يجر إقرارها رسميا، كما أن التحولات الجارية في الانتماءات والاصطفافات البرلمانية تستدعي التمييز بين النتائج الانتخابية الأصلية والتركيبة الفعلية للفرق داخل مجلس النواب.
وفي سياق متصل، شهدت المشاورات خلال الأسبوع الجاري لقاء جديدا جمع المنصوري بكل من الأمين العام للاتحاد الدستوري محمد جودار، والأمين العام للحركة الديمقراطية الاجتماعية عبد الصمد عرشان، اللذين حضرا معا إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة يوم الثلاثاء 6 أكتوبر.
وجاء اللقاء بعد اتفاق الحزبين على التنسيق البرلماني، في خطوة تندرج ضمن إعادة ترتيب التحالفات بين التشكيلات السياسية التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة.
وبالتوازي مع المفاوضات الحكومية، سجل مجلس النواب تطورا يتعلق بتركيبة الفرق البرلمانية، بعدما تمكن حزب التقدم والاشتراكية من بلوغ عتبة عشرين نائبا اللازمة لتشكيل فريق برلماني، عقب الاتفاق على التحاق النائبة حنان زميزيم، المنتخبة باسم حزب الديمقراطيين الجدد في الدائرة الجهوية طنجة تطوان الحسيمة.
وكان التقدم والاشتراكية قد حصل على 19 مقعدا في الانتخابات التشريعية، قبل أن يتيح له هذا الالتحاق استيفاء العدد القانوني المطلوب لتشكيل فريق بما يرتبط بذلك من حقوق تنظيمية ومؤسساتية داخل مجلس النواب.
ويأتي هذا التطور بعد إعلان أربعة أحزاب صغيرة، هي جبهة القوى الديمقراطية وحزب الإنصاف وحزب الديمقراطيين الجدد وحزب الوحدة والديمقراطية، التوجه نحو تشكيل إطار برلماني مشترك يضم ستة نواب، قبل أن تتعثر الصيغة التي كانت مطروحة.
ومن جهته، حسم حزب العدالة والتنمية في قيادة فريقه البرلماني، بعدما صادقت أمانته العامة مساء أمس الخميس على تعيين إدريس الأزمي الإدريسي رئيسا للفريق بمجلس النواب، مع اعتماد عبد الله بوانو مرشحا لمنصب نائب رئيس المجلس.
وأوضح الحزب أن الاختيار جاء بعد دراسة الترشيحات المقدمة من الفريق البرلماني، وإجراء تصويت سري، قبل عرض النتائج على الأمانة العامة للمصادقة عليها.
وتندرج هذه الخطوة ضمن استعدادات الحزب لممارسة أدواره البرلمانية خلال الولاية الجديدة، بعدما حسم اختياره الاصطفاف في المعارضة وعدم المشاركة في الحكومة المقبلة.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه المفاوضات السياسية، بدأت المركزيات النقابية بدورها توجيه مطالبها إلى الحكومة المرتقبة، وفي مقدمتها الاتحاد المغربي للشغل الذي دعا عقب اجتماع أمانته الوطنية يوم الخميس 8 أكتوبر بالدار البيضاء، إلى إعطاء الأولوية للقدرة الشرائية والأوضاع الاجتماعية والمهنية للأجراء والمتقاعدين.
واعتبر الاتحاد أن الحكومة المقبلة، بصرف النظر عن تركيبتها السياسية، مطالبة بالتفاعل مع المطالب الاجتماعية المستعجلة عبر حوار اجتماعي جاد وذي مصداقية.
وشملت مطالب المركزية النقابية الزيادة العامة في الأجور ومعاشات التقاعد، والرفع من التعويضات العائلية والحد الأدنى للأجور، ومواصلة تخفيف العبء الضريبي على الأجور، إلى جانب تحسين الخدمات العمومية، خصوصا في التعليم والصحة، وتعزيز سياسات إحداث فرص الشغل.
كما طالب الاتحاد بمأسسة الحوار الاجتماعي وتنفيذ الاتفاقات السابقة، وضمان احترام الحقوق والحريات النقابية، وتعليق تطبيق القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب، تمهيدا لفتح حوار بشأن مراجعته.
وتتقاطع هذه المطالب مع عدد من الملفات الاجتماعية التي حضرت في النقاشات السياسية حول أولويات الحكومة المقبلة، ولا سيما القدرة الشرائية والتشغيل والتقاعد والحماية الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، عرض أحمد التويزي الرئيس السابق للفريق البرلماني لحزب الأصالة والمعاصرة خلال استضافته بالقناة الثانية، عددا من القضايا المطروحة على الحكومة المرتقبة، من بينها تضارب المصالح والمحروقات والدعم والتقاعد، في سياق النقاش بشأن التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للمرحلة المقبلة.
وتتزامن هذه التطورات مع افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، الذي يترأسه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، اليوم الجمعة، بمقر البرلمان، حيث يلقي جلالته خطابا ساميا أمام أعضاء مجلسي النواب والمستشارين.
ويأتي افتتاح البرلمان في وقت لم تُحسم فيه بعد تركيبة الحكومة الجديدة، إذ يتعين استكمال المشاورات والاتفاق على الأغلبية والفريق الحكومي، قبل الانتقال إلى المراحل الدستورية المتعلقة بتعيين أعضاء الحكومة وعرض برنامجها على البرلمان.
وينص الفصل 88 من الدستور على تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ومناقشته في كل مجلس، على أن تحصل الحكومة على ثقة مجلس النواب بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم.
وبذلك، تبقى المرحلة المقبلة مرتبطة باستكمال التوافقات السياسية والبرنامجية بين الأحزاب المعنية بالمشاركة، وحسم قرارات هيئاتها التقريرية، وصولا إلى تشكيل حكومة تتولى تنفيذ برنامجها خلال الولاية التشريعية الجديدة.











