كشفت دراسة للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري عن حضور رقمي ضخم لحزب الأصالة والمعاصرة عبر منصات التواصل الاجتماعي إذ تصدر الحزب الحجم الإجمالي للتفاعلات على فيسبوك بـ390 ألفا و733 تفاعلا، وحل ثانيا من حيث معدل التفاعل على المنصة فيما سجل أقوى أداء بين الأحزاب المدروسة على “تيك توك”، مستحوذا بمفرده على نحو 80 في المائة من مجموع المشاهدات.
الدراسة، التي أنجزها فريق العمل “التقنين والإعلام الرقمي” تحت عنوان “منصات التواصل الاجتماعي والاتصال السياسي: بين الأثر ومخاطر التضليل“، خلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026، خصصت جزءا لرصد الدينامية الرقمية للأحزاب المغربية الممثلة في البرلمان عبر فيسبوك وتيك توك وX ويوتيوب، فضلا عن مواقعها الإلكترونية الرسمية، خلال الفترة من فاتح يناير إلى 31 ماي 2026.
واعتمد التقرير مجموعة من المؤشرات تختلف بحسب المنصة، من بينها حجم النشر والمشاهدات والتفاعلات ومعدلات التفاعل، بهدف قياس حضور الأحزاب وقدرتها على تعبئة جمهورها رقميا.
فيسبوك.. أكبر حجم للتفاعلات والبام ثانيا في معدل التفاعل
على فيسبوك، بلغ عدد متابعي الصفحة الرسمية لحزب الأصالة والمعاصرة 562 ألف متابع، فيما نشر الحزب 330 منشورا خلال الأشهر الخمسة التي شملتها الدراسة.
وحققت هذه المنشورات 353 ألفا و866 إعجابا و25 ألفا و697 تعليقا، و11 ألفا و170 مشاركة، ليصل إجمالي التفاعلات إلى 390 ألفا و733 تفاعلا، بمتوسط 1,184 تفاعلا لكل منشور.
وبهذه النتيجة، سجل البام أكبر حجم إجمالي للتفاعلات بين الأحزاب التي شملها تحليل فيسبوك، متقدما على حزب العدالة والتنمية الذي حقق 336 ألفا و268 تفاعلا، والتجمع الوطني للأحرار بـ177 ألفا و470 تفاعلا، فيما يؤكد التقرير نفسه أن “البام يركز أكبر حجم من التفاعلات خلال الفترة”، معتبرا أن الترتيب يعكس في الوقت نفسه حجم الجمهور وكثافة النشر.
غير أن صدارة البام من حيث الحجم الإجمالي للتفاعلات لا تعني تصدره معدل التفاعل، فبعد قياس مجموع التفاعلات مقارنة بعدد المتابعين، سجلت الحركة الشعبية أعلى معدل تفاعل بـ135.6 في المائة، وحل البام ثانيا بـ69.5 في المائة، ثم حزب الاستقلال بـ62.4 في المائة.
ويفسر التقرير تجاوز معدل الحركة الشعبية 100 في المائة بصغر قاعدة متابعيها البالغة 6,500 متابع، مقارنة بمنشورات يمكن أن تصل إلى جمهور يتجاوز قاعدة المتابعين نفسها.
ومن حيث طبيعة المحتوى، توزعت منشورات البام الـ330 على 168 صورة و160 “ريلز” وفيديوهين، دون منشورات نصية وفق الجدول التفصيلي للدراسة.
تيك توك.. البام الأول في المشاهدات والتفاعلات ومعدل التفاعل
وإذا كان البام الأول في الحجم الإجمالي للتفاعلات على فيسبوك، فإن تفوقه يبدو أكثر وضوحا على “تيك توك”، حيث خلصت الدراسة صراحة إلى أنه كان الحزب الأكثر أداء على المنصة خلال الفترة المدروسة، سواء من حيث المشاهدات والتفاعلات أو معدل التفاعل.
فمن أصل 925 منشورا نشرتها الحسابات الحزبية الستة التي شملها تحليل TikTok، وحققت مجتمعة مليونين و415 ألفا و798 مشاهدة و59 ألفا و461 تفاعلا، لم ينشر البام سوى 52 فيديو، لكنها حققت وحدها مليونا و911 ألفا و992 مشاهدة.
ويؤكد التقرير أن الحزب استحوذ بمفرده على نحو 80 في المائة من مجموع المشاهدات التراكمية للحسابات الستة المدروسة.
ويظهر حجم الفارق عند مقارنة هذه الحصيلة ببقية الأحزاب، إذ جاء حزب التقدم والاشتراكية ثانيا بـ241 ألفا و42 مشاهدة، ثم فيدرالية اليسار الديمقراطي بـ103 آلاف و253 مشاهدة، والتجمع الوطني للأحرار بـ101 ألف و910 مشاهدات.
كما حققت منشورات البام 48 ألفا و526 إعجابا، و442 تعليقا، و1,748 إعادة نشر، ليبلغ مجموع تفاعلاته 50 ألفا و716 تفاعلا، من أصل 59 ألفا و461 تفاعلا لجميع الحسابات الستة.
وتصدر البام أيضا معدل التفاعل على TikTok بـ2.65 في المائة، متقدما بفارق طفيف على فيدرالية اليسار الديمقراطي بـ2.63 في المائة، ثم الحركة الشعبية بـ2.46 في المائة، والتقدم والاشتراكية بـ1.47 في المائة، والاستقلال بـ1.18 في المائة، والتجمع الوطني للأحرار بـ1.07 في المائة.
وتكتسب النتيجة دلالة إضافية بالنظر إلى حجم النشر، إذ نشر RNI 686 فيديو مقابل 52 فقط للبام، ومع ذلك سجل الأول 101 ألف و910 مشاهدات و1,095 تفاعلا فقط.
ورصد التقرير ابتداء من مارس، ظهور محتويات ذات انتشار قوي لدى البام وPPS، في سياق ارتفاع عام في تفاعلات الحسابات المدروسة، قبل أن يخلص إلى أن كثرة المتابعين أو المنشورات لا تضمن وحدها قوة التفاعل، وأن جودة وملاءمة المحتوى وانتظام النشر عوامل أساسية في قدرة الأحزاب على تعبئة جمهورها.
منصة X.. نشاط في النشر لا يوازيه التفاعل
وعلى منصة X، شمل التحليل أربعة أحزاب فقط هي البام وRNI وPPS وUSFP وجاء حزب الأصالة والمعاصرة ثانيا من حيث حجم الجمهور بـ10 آلاف و700 متابع، خلف التجمع الوطني للأحرار بـ31 ألفا و400، وأمام PPS بـ6,957 وUSFP بـ3,122 متابعا.
كما حل البام ثانيا في عدد المنشورات، بعدما نشر 296 تدوينة مقابل 619 لـRNI و49 لـPPS و48 لـUSFP لكن هذه الكثافة لم تنعكس على التفاعل، إذ سجلت منشورات الحزب 14 ألفا و636 مشاهدة، بمتوسط 49.4 مشاهدة للمنشور ولم تحقق سوى 39 تفاعلا، موزعة بين 28 إعجابا و6 تعليقات و5 مشاركات، دون تسجيل أي اقتباس.
وبذلك جاء البام رابعا وأخيرا في الحجم الإجمالي للتفاعلات بين الحسابات الأربعة، خلف USFP بـ253 تفاعلا، وRNI بـ106، وPPS بـ59 تفاعلا.
والترتيب نفسه يضعه أخيرا من حيث معدل التفاعل المبني على المشاهدات، بـ0.27 في المائة، مقابل 2.73 في المائة لـUSFP و1.67 في المائة لـPPS و0.33 في المائة لـRNI.
ويعتبر التقرير أن الحسابين الأكثر نشاطا في النشر، RNI والبام سجلا أدنى معدلات التفاعل، مشيرا إلى احتمال وجود “أثر للتخفيف”، حيث لا تؤدي مضاعفة المنشورات دون تفاعل متناسب معها بالضرورة إلى تحسين معدل الأداء
وفي المقابل، سجل التقرير أن نشاط البام وحجم مشاهداته على X ظلا مستقرين نسبيا من شهر إلى آخر.
يوتيوب.. ثاني أكبر قاعدة مشتركين وشبه غياب عن النشر
ويكشف YouTube عن مفارقة أكثر وضوحا، إذ يمتلك البام 47 ألفا و200 مشترك، وهي ثاني أكبر قاعدة للمشتركين بين الأحزاب الخمسة التي شملها التحليل خلف العدالة والتنمية بـ102 ألف مشترك، وأمام RNI بـ27 ألفا و300، وPPS بـ5,730 والحركة الشعبية بـ2,440 مشتركا.
لكن الحزب نشر خلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي فيديو واحدا فقط، حقق 130 مشاهدة دون أي إعجاب أو تعليق أو تفاعل، ولهذا خلص التقرير صراحة إلى أن “البام شبه غائب عن يوتيوب خلال الفترة المدروسة، رغم جمهور محتمل مهم يبلغ 47,200 مشترك”
الموقع الرسمي.. البام الثاني في حجم الإنتاج التحريري
أما الموقع الرسمي لحزب الأصالة والمعاصرة، فجاء ثانيا من حيث حجم الإنتاج التحريري وأحصت الدراسة 948 مقالا منشورا على موقع pam.ma خلال الفترة المرجعية، بما يمثل 24.5 في المائة من حجم الإنتاج التحريري المرصود، وبمتوسط 6.28 مقالات يوميا و189.6 مقالا شهريا.
وتصدر موقع العدالة والتنمية الترتيب بـ1,849 مقالا، تمثل 47.9 في المائة بينما حل موقع RNI ثالثا بـ524 مقالا أي 13.6 في المائة.
ويشير التقرير إلى أن الأحزاب الثلاثة، PJD والبام وRNI، تستحوذ مجتمعة على أكثر من 85 في المائة من الإنتاج التحريري الإلكتروني الذي شمله الرصد وتنبه الدراسة هنا إلى أن “الإنتاجية” تقيس وتيرة نشر المحتوى فقط، وليس جودته أو مدى وصوله أو تأثيره.
من 473 مقالا إلى 3 فقط.. تفاوت حاد في وتيرة تحديث الموقع
ويظهر التحليل الشهري تفاوتا كبيرا في نشاط موقع البام، إذ سجل 473 مقالا في يناير و3 مقالات فقط في فبراير و4 في مارس، قبل الارتفاع إلى 180 مقالا في أبريل و288 في ماي، بما مجموعه 948 مقالا.
ووصف التقرير هذا المسار بأنه “حالة غير نمطية”، معتبرا أن الانخفاض الحاد خلال شهرين متتاليين “يوحي بتوقف تقني في تحديث الموقع”، وبالتالي فالدراسة لا تؤكد حدوث عطل تقني، وإنما تطرحه كتفسير محتمل للتراجع المسجل.
وتندرج هذه المعطيات ضمن دراسة حديثة أصدرتها مجموعة العمل المعنية بـ”التقنين ووسائل الإعلام الرقمية” التي تترأسها نرجس الرغاي، عضوة المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، حول “منصات التواصل الاجتماعي والاتصال السياسي: بين الأثر ومخاطر التضليل” وتتناول تأثير المنصات الرقمية على الحياة الديمقراطية بالمغرب، إلى جانب قضايا التضليل الإعلامي والاستقطاب والتلاعب الخوارزمي والدينامية الرقمية للأحزاب السياسية.
وخصصت الدراسة جزءها الأخير لرصد الحضور الرقمي للأحزاب المغربية الممثلة في البرلمان على فيسبوك وتيك توك ويوتيوب وX، فضلا عن مواقعها الإلكترونية الرسمية، اعتمادا على بيانات الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026، واختيرت هذه الفترة وفق الهيئة، بشكل متعمد لإجراء الرصد بعيدا عن ذروة الفترة الانتخابية والحد من تأثير الظرفية الانتخابية على النتائج والاستنتاجات.
وشملت العينة 12 حزبا سياسيا ورصدت الدراسة 2,651 منشورا على الصفحات الرئيسية للأحزاب على فيسبوك، إلى جانب 925 فيديو منشورا عبر حسابات ستة أحزاب على تيك توك، و507 فيديوهات عبر حسابات خمسة أحزاب على يوتيوب، فضلا عن 1,012 منشورا لأربعة أحزاب على منصة X، إلى جانب تحليل النشاط التحريري للمواقع الإلكترونية الحزبية.
وخلصت الدراسة على المستوى العام، إلى استمرار فيسبوك كفضاء محوري لتبادل الآراء والتقرب من المواطنين، مقابل صعود تيك توك كأداة للانتشار السريع والواسع، خصوصا وسط الشباب، في وقت اعتبرت فيه أن الإمكانات السردية والتفسيرية التي يوفرها يوتيوب ما تزال غير مستغلة بما يكفي.
أما منصة X فتتميز بحسب الدراسة، بسرعة التفاعل ونقل الرسائل داخل الفضاء الإعلامي بينما تحتفظ المواقع الحزبية أساساً بوظيفة مؤسساتية ورسمية، مع جاذبية محدودة لدى المواطنين.
وفي سياق أوسع، حذرت نرجس الرغاي من مخاطر ما وصفته بـ”الديمقراطية الخاضعة للخوارزميات” معتبرة أن غموض الخوارزميات وتركز السلطة لدى عمالقة الإنترنت يطرحان إشكالات مرتبطة بالشفافية والمراقبة المواطنة، وداعية إلى تعزيز شفافية التقنين والتربية على الإعلام الرقمي وتنوع مصادر الخبر.
وأكدت رئيسة مجموعة العمل في ختام الدراسة، أن التحدي المطروح أمام المغرب يتمثل في إرساء منظومة خاصة لتنظيم وضبط المجال الرقمي، وفق نموذج يوفق بين احترام الثوابت الوطنية ومتطلبات الانفتاح والابتكار وحماية الحقوق الفردية.











