في الوقت الذي تمر فيه العلاقات المغربية الإسبانية بمرحلة جديدة من التوتر السياسي على خلفية أزمة سبتة وما أعقبها من سجال بين الرباط ومدريد، كشفت أحدث الأرقام الرسمية الإسبانية عن وجه آخر للعلاقة بين البلدين تحكمه كثافة المصالح الاقتصادية والتجارية وتشابك حركة النقل البحري، بعدما صعد المغرب إلى المرتبة الثالثة ضمن أكبر الشركاء الخارجيين للموانئ الإسبانية خلال سنة 2025 بحجم مبادلات بلغ 26.3 مليون طن من البضائع.
وتكتسب هذه الأرقام دلالة خاصة بالنظر إلى الظرف السياسي الذي تُنشر فيه، إذ تأتي قبل أقل من أسبوعين من الزيارة المرتقبة للعاهل الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، وهي أول زيارة له إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش، في خطوة تأتي بعد أزمة حدودية غير مسبوقة شهدتها سبتة نهاية يوليوز الماضي، وأعادت ملف المدينتين إلى قلب التوتر بين الرباط ومدريد.
وحسب الحولية الإحصائية لسنة 2025، التي نشرتها المؤسسة العمومية الإسبانية “Puertos del Estado”، المكلفة بتنسيق منظومة الموانئ ذات المصلحة العامة، احتل المغرب المركز الثالث بين الشركاء الخارجيين للموانئ الإسبانية، خلف الولايات المتحدة والبرازيل وتضم هذه المنظومة 28 سلطة مينائية تشرف على 46 ميناء.
وتصدرت الولايات المتحدة الترتيب بـ42.6 مليون طن من البضائع المتبادلة مع الموانئ الإسبانية، شكلت الواردات الإسبانية منها 78.8 في المائة، فيما جاءت البرازيل ثانية بـ28 مليون طن، وحل المغرب ثالثا بـ26.3 مليون طن.
المغرب حالة استثنائية بين أكبر عشرة شركاء
ولا تكمن أهمية موقع المغرب في حجم المبادلات وحده، إذ تكشف الأرقام الإسبانية عن خصوصية لافتة في طبيعة حركة التجارة البحرية بين البلدين، فالمغرب هو البلد الوحيد بين أكبر عشرة شركاء خارجيين للموانئ الإسبانية الذي تفوق فيه البضائع المشحونة من إسبانيا على تلك القادمة منها بعدما بلغت الشحنات الإسبانية المتجهة إلى المملكة 15.6 مليون طن، مقابل 10.7 ملايين طن من البضائع الوافدة من المغرب إلى الموانئ الإسبانية.
وتعكس الأرقام أيضا الوزن المتزايد لشمال إفريقيا في النشاط المينائي الإسباني، فقد احتلت المنطقة المرتبة الثانية بين المجالات الجغرافية المرتبطة بالموانئ الإسبانية، بإجمالي 90.3 مليون طن، أي 16.7 في المائة من مجموع حركة البضائع، خلف الاتحاد الأوروبي الذي استحوذ على 196 مليون طن، بما يمثل 36.3 في المائة.
وجاءت أمريكا الشمالية ثالثة بـ63.1 مليون طن، أو 11.7 في المائة من الإجمالي، بينما بلغت حركة البضائع التي كان منشؤها ووجهتها موانئ إسبانية 103.8 ملايين طن، أي 19.2 في المائة من إجمالي الحركة المسجلة.
556 مليون طن تمر عبر الموانئ الإسبانية
وتظهر الحولية الحجم الكبير للمنظومة المينائية الإسبانية ككل، بعدما عالجت موانئ الدولة خلال 2025 ما مجموعه 556.2 مليون طن من البضائع، بانخفاض طفيف بلغ 0.3 في المائة مقارنة بسنة 2024.
وتعزو المؤسسة الإسبانية هذا التراجع المحدود إلى سنة طبعتها حالة من عدم الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي العالمي.
ولم ينسحب الانخفاض على حركة الحاويات، التي واصلت منحاها التصاعدي وبلغت 18.62 مليون حاوية مكافئة لعشرين قدما “TEU”، بارتفاع قدره 2.8 في المائة، وشكلت حاويات إعادة الشحن 51.6 في المائة منها؛ أي الحاويات التي يتم تحويلها من سفينة إلى أخرى من دون دخول البضائع إلى السوق الإسبانية أو خروجها منها.
وسجل نشاط نقل المسافرين بدوره رقما قياسيا جديدا، بعدما عبر الموانئ الإسبانية 42.49 مليون مسافر خلال السنة الماضية، بزيادة بلغت 4 في المائة مقارنة بـ2024.
الجزيرة الخضراء في الصدارة رغم فقدان 3.4 ملايين طن
وعلى مستوى ترتيب الموانئ، حافظ ميناء الجزيرة الخضراء، المقابل للسواحل المغربية والمشكل لإحدى أهم حلقات الربط البحري في غرب المتوسط، على المركز الأول من حيث حجم البضائع، بعدما سجل 100.69 مليون طن خلال 2025، بما يمثل 18.1 في المائة من مجموع حركة الموانئ الإسبانية.
غير أن هذه النتيجة جاءت بانخفاض نسبته 3.3 في المائة عن سنة 2024، حين سجل الميناء 104.13 ملايين طن، أي إنه فقد حوالي 3.4 ملايين طن في سنة واحدة، ليسجل بذلك أدنى مستوى سنوي له منذ 2016.
وجاء ميناء فالنسيا ثانيا بـ80.69 مليون طن، متراجعا بـ0.7 في المائة، ثم برشلونة بـ69.45 مليون طن، بانخفاض قدره 0.4 في المائة، فيما سجل ميناء لاس بالماس أداء معاكسا، بعدما ارتفعت حركته بـ14.9 في المائة إلى 36.51 مليون طن، محققا ثاني سنة متتالية من النمو.
أما عند احتساب حركة الحاويات، فيتغير ترتيب الصدارة، إذ حل فالنسيا أولا بـ5.66 ملايين حاوية مكافئة لعشرين قدما، بارتفاع 3.4 في المائة، مسجلا أعلى مستوى سنوي له منذ 2016، متبوعا بالجزيرة الخضراء بـ4.74 ملايين حاوية، بزيادة 0.6 في المائة، ثم برشلونة بـ3.73 ملايين حاوية.
وتكشف الأرقام اختلاف نموذج عمل الميناءين الرئيسيين، إذ شكلت عمليات إعادة الشحن 86.2 في المائة من الحاويات المتداولة في الجزيرة الخضراء، مقابل 45.1 في المائة في فالنسيا.
السياحة البحرية تدفع أرقام المسافرين إلى مستوى قياسي
وكانت الرحلات البحرية السياحية أحد المحركات الرئيسية لارتفاع حركة المسافرين، إذ بلغ عدد ركاب السفن السياحية 14.1 مليون شخص خلال 2025، بزيادة 9.9 في المائة، فيما نقلت الخطوط البحرية المنتظمة 28.4 مليون مسافر، أي حوالي ثلثي العدد الإجمالي. وتؤكد البيانات الرسمية الإسبانية بلوغ عدد ركاب الرحلات البحرية نحو 14.1 مليون شخص، مقابل 28.4 مليون مسافر عبر خدمات النقل المنتظمة.
وتصدرت جزر البليار حركة المسافرين بـ9.92 ملايين شخص، تلتها سانتا كروز دي تينيريفي بـ7.45 ملايين، ثم الجزيرة الخضراء بـ6.35 ملايين مسافر، مسجلة ارتفاعا بـ6.7 في المائة، مع احتساب حركة طريفة ولا لينيا ضمن هذا الرقم.
أما برشلونة، فاستقبلت وحدها قرابة أربعة ملايين من ركاب السفن السياحية، بارتفاع بلغ 9.4 في المائة.
النفط الخام في صدارة البضائع
وعند تفكيك حركة الموانئ بحسب طبيعة البضائع، جاء النفط الخام في المرتبة الأولى بـ60.8 مليون طن، مشكلا 11.2 في المائة من الحمولة المصنفة، تليه المنتجات الكيميائية بـ51.3 مليون طن، ثم الوزن الفارغ للحاويات بـ38.5 مليون طن.
أما السفن من نوع “Ro-Ro”المخصصة أساسا لنقل الشاحنات والمركبات والبضائع المدحرجة، فسجلت 80 ألفا و61 عملية رسو، أي 47.6 في المائة من مجموع تحركات السفن، ومثلت 33.7 في المائة من الحمولة الإجمالية للسفن.
في المقابل، لم تتجاوز سفن الرحلات السياحية 5288 عملية رسو، أي 3.1 في المائة من مجموع الحركة، لكنها مثلت 14.4 في المائة من الحمولة الإجمالية، وهو فارق يعكس الحجم المتوسط الأكبر لهذا الصنف من السفن.
وتتوفر الموانئ الـ46 ذات المصلحة العامة في إسبانيا على نحو 395 ألف متر طولي من الأرصفة، وما يقارب 100 مليون متر مربع من المساحات الأرضية ومناطق التخزين، فضلا عن 2145 وسيلة مساعدة على الملاحة تديرها السلطات المينائية، بينها 204 منارات وأضواء ملاحية رئيسية.
وتبرز أهمية هذه البنية التحتية بالنسبة إلى الاقتصاد الإسباني بالنظر إلى اعتماد التجارة الخارجية للبلاد بشكل كبير على البحر. فوفقا لبيانات الإدارة الضريبية الإسبانية التي تستند إليها “Puertos del Estado”، تمر عبر النقل البحري قرابة 71 في المائة من واردات إسبانيا و52 في المائة من صادراتها.
كما تظهر المؤشرات الأولية للسنة الجارية استمرار نمو النشاط؛ إذ بلغ الحجم التراكمي للبضائع المعالجة حتى نهاية غشت 2026 حوالي 373 مليون طن، بزيادة قدرها 1.1 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
الأرقام الاقتصادية في مواجهة سخونة السياسة
ويأتي الكشف عن هذه المعطيات في لحظة سياسية مختلفة جذريا عن السنة التي تغطيها الحولية، فالعلاقات بين الرباط ومدريد دخلت مرحلة توتر منذ أزمة سبتة في 30 و31 يوليوز الماضي، عندما شهدت المدينة تدفقا جماعيا غير مسبوق للمهاجرين ما فتح في إسبانيا نقاشا سياسيا حادا حول مسؤولية الرباط وطبيعة تدبير الحدود.
وفي 10 شتنبر، خرجت وزارة الشؤون الخارجية المغربية بموقف علني رافض لما اعتبرته توظيفا للمملكة في الصراعات السياسية الداخلية الإسبانية، مؤكدة أن المغرب يرفض أن يُستخدم “كبش فداء” في تصفية الحسابات السياسية، ومبدية أسفها لاستمرار بعض الدوائر السياسية والإعلامية الإسبانية في استغلال المملكة لأغراض سياسية داخلية.
وفي المقابل، صعّدت مدريد لهجتها بشأن سبتة ومليلية وقال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في 8 شتنبر، إن بلاده لن تقبل التشكيك في ما تعتبره وحدتها الترابية، معتبرا أن المطالب المغربية المتعلقة بالمدينتين “تُضعف” العلاقة الثنائية.
ولم تقف التحركات الإسبانية عند التصريحات، إذ أعلنت مدريد لاحقا حزمة خطوات ترمي إلى تعزيز ارتباط سبتة ومليلية بالاتحاد الأوروبي، تشمل العمل على تمثيل دائم للمدينتين في لجنة الجهات الأوروبية، وحضورا دائما لوكالة “فرونتكس”، إلى جانب حزمة سياسية ومالية والسعي نحو إدماجهما في الاتحاد الجمركي الأوروبي.
ويستعد هذا الملف لدخول محطة سياسية ورمزية إضافية، بعدما أفادت مصادر من القصر الملكي الإسباني بأن الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا سيزوران سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، في أول زيارة للملك إلى المدينتين خلال سنوات حكمه الاثنتي عشرة.
وتأتي الزيارة بعد أكثر من شهرين على أزمة الحدود، في وقت أشارت فيه وكالة رويترز إلى أنها قد تزيد الضغط على العلاقات المتوترة بين مدريد والرباط، بالنظر إلى حساسية وضع المدينتين في العلاقات الثنائية. ولم تكن وزارة الخارجية المغربية قد قدمت، عند نشر الخبر، تعليقا على الزيارة المرتقبة.
توتر بلا قطيعة
ومع ذلك، لا تعكس الأزمة السياسية الراهنة قطيعة بين البلدين، إذ ظلت قنوات التعاون مفتوحة في ملفات عملية وأمنية، وهو ما ظهر بوضوح خلال الأسابيع الأخيرة.
ففي 23 شتنبر، أعلن ألباريس أن السلطات المغربية قدمت ضمانات بالتعاون من أجل منع تكرار تدفق جماعي جديد نحو سبتة أو مليلية، مؤكدا وجود اتصالات مع نظيره المغربي ناصر بوريطة وعبر القنوات الدبلوماسية بين البلدين.
وبعد ذلك بيوم، التقى بوريطة وألباريس في نيويورك على هامش أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أول لقاء معلن بينهما بعد أكثر من خمسين يوما على أزمة سبتة.
وبحسب الخارجية الإسبانية، جدد المغرب خلال اللقاء استعداده لـ”التعاون الكامل” بشأن تدبير تداعيات الأزمة، فيما شدد ألباريس على رغبة مدريد في الحفاظ على علاقة جيدة مع المغرب تقوم، من وجهة النظر الإسبانية، على احترام السيادة والوحدة الترابية ومبادئ الإعلان المشترك لسنة 2022.
وحتى قبل الأزمة، أظهر مستوى التنسيق العملي بين البلدين عمق الاعتماد المتبادل، إذ عقدت اللجنة المختلطة المغربية الإسبانية في ماي الماضي اجتماعها السابع والثلاثين بطنجة للتحضير لعملية “مرحبا/عبور المضيق 2026″، التي كان متوقعا أن تدبر تنقل أكثر من 3.5 ملايين شخص، مع تعبئة إسبانية تجاوزت 31 ألفا و500 عنصر من مختلف الأجهزة والخدمات.











