في الوقت الذي تعيش فيه الحكومة الإسبانية وضعا سياسيا لا تحسد عليه، بعد حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة في 29 نونبر المقبل، تعود أزمة سبتة لتضيف عبئا جديدا إلى حسابات رئيسها بيدرو سانشيز، بعدما اتهم رئيس حكومة المدينة المحتلة، خوان خيسوس فيفاس، السلطات المركزية بالتقليل من خطورة التحذيرات التي سبقت الدخول الجماعي من المغرب، وعدم اتخاذ التدابير الوقائية التي طالب بها.
وأخذت اتهامات فيفاس لحكومة بيدرو سانشيز بالتقليل من خطورة التحذيرات التي سبقت الدخول الجماعي من المغرب أواخر يوليوز المنصرم، تطورا قضائيا جديدا، بعدما طلبت القاضية ماريا تاردون، أمس الثلاثاء، تقديم سجلات اتصالاته برئيس الحكومة الإسبانية أو مدير مكتبه بين 27 و30 يوليوز “على وجه الاستعجال”، تمهيدا لفحص الروايات المتعارضة بشأن طلبات المساعدة والاستجابة لها.
وكان فيفاس قد أدلى، في 30 شتنبر الماضي، بشهادة استمرت نحو ساعتين ونصف الساعة أمام المحكمة الإسبانية الوطنية، التي تحقق في دخول عشرات الآلاف من الأشخاص إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضي، معتبرا أن السلطات المركزية تعاملت مع مقدماته باعتبارها أزمة هجرة معتادة.
سبتة تدين مدريد
وقال إنه حاول التواصل مع رئاسة الحكومة نحو 10 مرات، عبر المكالمات والرسائل، ولم يتلقَّ ردا إلا في ثلاث مناسبات، وكانت عبر مدير مكتب سانشيز، دييغو روبيو، الذي أبلغه أولا بأن الحكومة تعمل على الموضوع وتحتاج إلى وقت للتنسيق مع الوزارات، ثم وجّهه إلى مندوبية الحكومة في سبتة باعتبارها قناة التواصل.
ووضع فيفاس غياب الإجراءات الوقائية في صلب اتهامه لحكومة سانشيز، مؤكدا أنه طلب إعلان حالة طوارئ وطنية، وإقامة قيادة موحدة، وتعزيزا ملموسا لقوات الأمن على الحدود، مشددا على أن طلبَي الطوارئ والقيادة الموحدة لم يتحققا، وأن أي تعزيزات أُرسلت لم تكن في المستوى الذي تقتضيه المخاطر التي كان يحذر منها.
وشملت اتصالاته وزارات الداخلية والخارجية والسياسة الترابية، ثم وزارة الدفاع يوم 30 يوليوز، أي يوم العبور الجماعي غير المسبوق الذي شهده الثغر المحتل.
وبحسب شهادة فيفاس التي نقلتها صحيفة “إل دياريو”، فقد أبلغه وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس بأن العلاقات مع المغرب ممتازة وسلسة، فيما أبلغه وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا بأن شروط إقامة قيادة موحدة غير متوافرة، فيما لم يتحدث مباشرة مع سانشيز إلا يوم بدء الدخول الجماعي، طالبا حضوره إلى المدينة؛ وزارها الأخير في اليوم التالي.
وكشف فيفاس أن حكومة المدينة لم تكن على اتصال مباشر بأجهزة الاستخبارات، معتقدا أن الحكومة المركزية كانت تتوفر على معلومات أكثر منها، مقرا في الوقت ذاته بأنه لم يكن يعلم أن دخولا بهذا الحجم سيقع؛ واستندت مطالباته بالتدخل إلى الزيادة الكبيرة وغير المعتادة في أعداد الوافدين في الأسابيع القليلة التي سبقت 30 يوليوز.
مدريد تفند الاتهامات
في المقابل، رفضت الحكومة الإسبانية رواية تجاهل التحذيرات، ونشرت في الأول من أكتوبر سجلا يتضمن تسعة اتصالات بين 27 و30 يوليوز، مؤكدة أن الطلبات التي وصلتها عولجت فورا أو بعد دقائق، مبرزة أن فيفاس لم يطلب الحديث مباشرة مع سانشيز إلا يوم 30 يوليوز، وإن المحادثة جرت في اليوم نفسه.
ويشمل العدد الذي قدمته الحكومة اتصالات بأغراض مختلفة، 6 مكالمات بين مديري المكتبين، أُجيب عن أربع منها، ومكالمتان من مدريد لم يجب عنهما الطرف المحلي؛ إضافة إلى اتصال بين سانشيز وفيفاس، واتصالين لترتيب الزيارة.
وتحدد الرواية الحكومية موعد الحديث المباشر بين الرئيسين في الساعة 12:55 من يوم 30 يوليوز، بعدما كان الدخول الجماعي قد بدأ.
ودافع سانشيز عن أداء حكومته عقب شهادة فيفاس، مؤكدا وجود “تواصل مستمر” مع رئيس حكومة سبتة وفريقه، وعقد اجتماعات بين الجهات المختصة قبل الأزمة، مشددا على ألا أحد توقع أن يقع الدخول الجماعي بذلك الحجم.
أما التسلسل الذي نشرته صحيفة “إل فارو دي سبتة”، استنادا إلى رواية السلطات المحلية، فيحصي أيضا 10 محاولات اتصال بين 27 و30 يوليوز، سبع منها بلا جواب، وثلاثا بلغ مجموع مدتها عشر دقائق.
القضاء يطلب توثيق الاتصالات
وأعلنت سلطات سبتة، مساء أمس الثلاثاء، أنها سترسل إلى القاضية توثيقا لدى موثّق للاتصالات من هاتف مدير مكتب فيفاس.
وتشمل الوثائق المكالمات والرسائل ومحاولات التواصل مع “مونكلوا”، مقر رئاسة الحكومة، ووزارات الداخلية والخارجية والدفاع والسياسة الترابية.
وفي هذا السياق، أكدت مصادر حكومية من سبتة لوكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” أن التوثيق أُنجز الجمعة الماضي، استعدادا لإرفاقه بملف التحقيق.
وتمنح الوثائق الاستخباراتية التي سبق نشرها خلفية ملموسة للنزاع، إذ كشفت المراسلات التي رُفعت عنها السرية، نقل المركز الوطني للاستخبارات، في 29 يوليوز، إلى مندوبية الحكومة والحرس المدني، مخاوف بشأن دعوات على شبكات التواصل لدخول سبتة بحرا وبرا في اليوم التالي.
ومع ذلك، قالت مصادر المركز إنه لم يتوقع حجم ما وقع وطبيعته؛ ما يبقي تقدير مستوى الخطر والاستجابة له جزءا أساسيا من الخلاف.
صكوك اتهام جديدة
تشير شهادة غونثالو سانث، المدير السابق لمكتب مندوب الحكومة، إلى أن طلبات التدخل لم تأت من حكومة فيفاس وحدها، فقد نقلت “إل باييس” أنه تحدث أمام القاضية عن تقريرين رفعا إلى السلطات المركزية يومي 16 و24 يوليوز، وعن طلب تعزيزات وتدابير لم تُلبَّ رغم التحذير من احتمال مرتفع لدخول جماعي.
وقال سانث أيضا إنه نقل تحذيرات الاستخبارات إلى المندوب السابق ميغيل أنخيل بيريث تريانو، الذي نفى علنا تلقي تلك المعلومات.
وكشف المدير السابق لمكتب مندوب الحكومة عن 19 رسالة إضافية ومكالمة هاتفية لم تشملها عملية رفع السرية، فيما طلبت القاضية إتاحة بيانات هاتفه لفحصها.
وفي موازاة ذلك، كشفت “أوروبا برس”، أمس الثلاثاء، عن قرار بفتح إجراءات تحقيق أولية تتعلق ببيريث تريانو، بعد شكوى نسبت إليه شبهات التعسف الإداري والإخلال بالنظام العام.
وطلبت المؤسسة المشتكية سماع سانشيز ومارلاسكا بصفة شاهدين، لتحديد مدى وصول الإنذارات إليهما والقرارات التي اتُّخذت بشأنها.











