كان كافيا أن تقترب سيارتها من أحد دروب حي “قبور الشو” بمراكش حتى تُفتح أبواب المنازل، وتتعالى الزغاريد، وتصدح إيقاعات الدقة المراكشية في الأرجاء، ويخرج الرجال والنساء والأطفال والشباب، من مختلف الأعمار، لاستقبال فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، ووكيلة لائحة الحزب بدائرة مراكش-سيدي يوسف بن علي، في جولة انتخابية تحولت إلى لقاء شعبي مفتوح، اختلطت فيه السياسة بحرارة الاستقبال وروح الدعابة المراكشية.
وسط الأزقة الضيقة والجدران الترابية، وتحت أشعة شمس مراكش اللاسعة، تحركت المنصوري بصعوبة، ورُفعت الهواتف والكاميرات لتوثيق اللحظة، فيما كانت الوجوه تتطلع من الأبواب والنوافذ لرؤية عمدة مراكش، التي استُقبلت بطقوس مغربية بالتمر والحليب والزغاريد، على وقع الدقة المراكشية التي منحت الجولة إيقاعا احتفاليا خاصا، يعكس طبيعة أحياء المدينة الحمراء الشعبية.
تنقلت المنصوري، صباح اليوم الجمعة، ببساطتها المراكشية، بين الدروب دون تكلف أو حواجز، تتبادل التحايا وتصافح الجميع، وتقترب من النساء والمسنين خاصة، لتستمع إلى مشاكلهم، وتتفاعل معها بنقاشات في تفاصيل انشغالاتهم وانتظاراتهم.

كل أبواب المنازل كانت مشرعة أمامها، الكل يدعوها إلى الدخول، وكلما وصلت منزلا، وجدت من يستقبلها ويدعوها إلى الجلوس والحديث، كما حرصت على ألا تمر أمام منزل فتح بابه لها إلا دخلته، لتتبادل الكلام مع أهله، وتناقشهم في قضايا الحي وما تحقق وما لا يزال ينتظر الإنجاز.
وما إن تدخل منزلا حتى يكتظ بالساكنة، فيتراجع الصخب والشعارات ويحضر الحوار المباشر والبسيط، فتشرح المنصوري التزاما أو التزامين من برنامج حزب الأصالة والمعاصرة بلغة قريبة من الناس، وتجيب عن الأسئلة بعفوية، مهما كانت بساطتها أو تعقيدها.
في حي “قبور الشو”، لا ينادون عمدة المدينة باسمها الرسمي، بل يطلقون عليها، بكثير من الحميمية، اسم “المنصورية”، إذا يتفاءلون باسم عائلتها لأنه، حسبهم، مستمد من النصر، مرددين الدعوات لها بالتوفيق.
لذلك، حرصت المنصوري على نقل النقاش إلى الفضاء اليومي للساكنة، “فراس الدرب”، حيث النقاش الحقيقي بلا بهارات ولا مساحيق تجميل، وداخل البيوت، حيث شرحت برنامج الحزب بلغة بسيطة وقريبة من الناس، بعيدا عن المصطلحات السياسية المعقدة، وربطت مقترحاته بالانشغالات التي عبّر عنها المواطنون.

وقالت إحدى ساكنات الحي مواجهة كلامها مباشرة إلى مرشحة “البام”: “إن شاء الله ستكونين أول رئيسة للحكومة، وسنساعدك بأصواتنا”، قبل أن تتعالى التصفيقات وعبارات الدعم والتأييد.
وقال أحد السكان من تجار أحد أسواق القرب مخاطبا المنصوري: “وفيتم بكلمتكم، والبام التزم بوعده لنا”، بينما أضاف آخر “لا نريد شيئا، لأنكم كنتم على قدر المسؤولية والوعد”، فيما ارتفعت من وسط الحشد عبارة “كلنا نؤمن بالتراكتور” رمز حزب الأصالة والمعاصرة.
وفي كلمة باسم جمعية ناشطة بالحي، عبّر رئيسها عن شكر الساكنة للمنصوري، قائلا: “قيمتك من قيمتنا، والوقائع وما أنجز على أرض الواقع فوق مستوى أي كلمة يمكن أن تقال اليوم، لذلك لا نريد أن نجحف في حق ما قدمتموه لنا بأي كلمة”.
وأضاف: “رئيسة المجلس الجماعي أوفت بالعهد الذي قطعته لنا، ولا يفي بالعهد إلا من كانت أصوله نبيلة مثلها”، لتتعالى الصيحات والتصفيقات من جديد.
ووصف المتحدث المنصوري بأنها “جوهرة مدينة النخيل”، مضيفا أن “النخل يعلو ويجود بالثمار حتى وإن رميته بالحاجرة، وهكذا هي المنصوري”، مشددا على أنها “بنت البلاد حرة، والتي فتحت باب الحوار، وجعلت التواصل مع الساكنة سلسا وسريعا حتى في أبسط المراسلات التي نوجهها لها”.
سيدة أخرى، قالت مخاطبة المنصوري: “شهادة حق، تحملين هم الصغير والكبير، والفقير والغني، والقوي والضعيف، وتبكين لبكائنا أيضا”، لتردد النساء المتحملاقات حولها “امرأة المعقول والكلمة والعمل”، فيما ارتفع هتاف مراكشي عفوي: “وا الحكومة ها حنى جايين”.

وقابلت المنصوري تلك العبارات بابتسامة وروح دعابة، لكنها عادت لتشدد على أهمية المشاركة السياسية، قائلة “نريد أصواتكم لنكمل الإصلاح الذي بدأناه”، موجهة حديثها خصوصا إلى الشباب: “عليكم المشاركة في الانتخابات، لا تقولوا إن صوتكم لا يهم أو إنه لا يغير شيئا؛ بالعكس، عبّروا عن صوتكم، فكل صوت يصنع الفارق”.
وأكدت المنصوري في كلمة اقتطعتها من وسط الهتافات والشعارات “اشتغلت من أجل مراكش لسنوات طويلة ومن قلبي، ولم أبخل عليها بشيء، وما زلت قادرة على إعطائها الكثير، لأننا دائما نريد الأفضل لمدينتنا ولبلادنا”.
وفي حديثها مع الساكنة، أبرزت القيادية الحزبية أن التزام “البام” مع المواطنين لا ينتهي بانتهاء المحطات الانتخابية، مؤكدة أننا “نقدم كلمة واحدة: المشاكل التي تعانون منها والملفات المتعثرة ستُحل، إن شاء الله كما فعلنا من قبل، فعملنا لا ينتهي ولا يرتبط بالمناصب، ونريد منكم فقط أن تجددوا ثقتكم في حزب الأصالة والمعاصرة”.
وخصت المنصوري ساكنة قبور الشو بالشكر قائلة “كنتم معنا دائما في الموعد، وأنتم تعرفون جيدا أن ابن المدينة من يخدم مدينته، وجدودنا من هنا، وأبناؤنا من هنا وربيناهم هنا، وحياتنا وجهدنا سنكرسهما لهذه المدينة”.

وعلى خلاف جولات انتخابية يطغى عليها تقديم المطالب، التف السكان حول المنصوري وهي تهم بمغادرة الحي، لكن لتجاذب أطراف الحديث، وتبادل النكت المراكشية، والتقاط الصور، وقبل ذلك التعبير عن دعمهم لها وعن أملهم في رؤيتها على رأس الحكومة.
وأمام إصرار ساكنة الحي على الاستمرار في تجاذب الحديث، غادرت المنصوري وهي تعدهم بالعودة في أقرب فرصة ممكنة، ليودعها حي “قبور الشو” على “ميزان” مراكشي والزغاريد والتصفيقات، كما استُقبلت.
ورغم أنها غادرت الحي، تركت المنصوري، التي لم توزع ولا ورقة دعائية انتخابية خلال جولتها صباح اليوم الجمعة، الثقة و”الكلمة” تعاقدا أخلاقيا وسياسية بين حزب الأصالة والمعاصرة وساكنة “قبور الشو”.











