كشف تحقيق ميداني أجرته منظمة العفو الدولية في سبتة المحتلة عن أوضاع شديدة الهشاشة يعيشها مئات القاصرين المهاجرين، بينهم أطفال غير مصحوبين بذويهم ما زالوا يقيمون في الشوارع، في وقت تواجه فيه مئات النساء، بعضهن برفقة أطفالهن، ظروفا مماثلة تفتقر إلى أبسط شروط الحماية والاستقبال.
وأجرت المنظمة تحقيقها في سبتة بين 10 و15 شتنبر، وزارت معظم المواقع التي قالت إن آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء يعيشون فيها في العراء، والتقت صحافيين ومنظمات تعمل ميدانيا وممثلين عن النيابة العامة وحكومة سبتة، وأجرت أكثر من 65 مقابلة، شملت 31 قاصرا تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاما، و26 امرأة، اثنتان منهن حاملان، إضافة إلى أشخاص قالوا إنهم تقدموا بطلبات لجوء أو يعتزمون ذلك.
مئات القاصرين في الشوارع
وضع تحقيق “أمنيستي” أوضاع الأطفال والقاصرين في مقدمة بواعث القلق التي سجلتها المنظمة ميدانيا، فبعد مرور شهرين على وصول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى سبتة، قالت المنظمة إن مئات الأطفال ما زالوا ينتظرون توفير أماكن إيواء طارئة، بينما يعيش بعضهم، ومن بينهم أطفال في الـ12 والـ13 من العمر، في الشارع من دون حماية كافية.
وبحسب الأرقام المؤسسية التي أوردتها المنظمة في تحقيقها، جرى التعرف إلى 2383 قاصرا مهاجرا غير مصحوب بذويه، بينما ظل ما بين 500 و700 قاصر في الشوارع من دون تغطية أو رعاية، مشيرة إلى أن 54 قاصرا أعيد جمع شملهم بأفراد من عائلاتهم في شبه الجزيرة الإسبانية.
وكشفت أن الأطفال الموجودين في الشارع يفتقرون إلى الغذاء المناسب، ويظلون معرضين للعنف، سواء من أفراد عسكريين أو من أشخاص مدنيين.
وتحدث قاصرون غير مصحوبين بذويهم إلى باحثي منظمة العفو الدولية عن محاولات متكررة للحصول على الحماية، إذ قال بعضهم إنهم يتوجهون بصورة شبه يومية إلى أجهزة الشرطة طلبا للرعاية، لكنهم يُرفضون باستمرار، فيما تُحال المسؤولية عمليا إلى منظمات محلية “تعمل أصلا في حدود قدراتها القصوى” حسب التقرير.
ضرب وإذلال
ولم يسلم القاصرون، بحسب التحقيق، من الانتهاكات التي قالت المنظمة إنها وثقتها بحق المهاجرين في المدينة، مسجلة شهادات عن تعرض شبان مغاربة للضرب، كما وثقت إصابات في الرأس قالت إنها تبدو متوافقة مع الضرب بأدوات تستخدمها السلطات المحلية، فيما أفاد أحد الشبان بأنه أُجبر على الركوع قبل ضربه.
وأكد شاب مغربي آخر قال لـ”أمنيستي” أنه لم يكن قادرا على المشي منذ 25 يوما عندما قابله الباحثون، بعد أن قال إنه دُفع من مكان مرتفع إثر إيقاظه ومجموعة من المهاجرين أثناء نومهم قرب كنيسة سان أنطونيو، في حين تحدث شابان، أحدهما مغربي والآخر جزائري، عن تعرضهما للضرب المتكرر بالهراوات واللكمات وهما مقيدان، وقالت المنظمة إنها تمكنت من معاينة آثار القيود على معصميهما.
وتضمنت الممارسات التي أبلغ عنها من قابلتهم المنظمة إجبار شبان على حلق شعرهم، ومنع المهاجرين من النوم ليلا أو التنقل نهارا، وضربهم على الرأس والظهر، فضلا عن إجبار أشخاص مسلمين على الركوع وتقبيل صليب مسيحي، وحرمان أشخاص من الطعام عندما يرفضون تنفيذ أوامر.
وجبة واحدة لا تراعي احتياجات الأطفال
رصدت “العفو الدولية” كذلك نقصا حادا في ظروف التغذية، مشيرة إلى أن توزيع الغذاء يجري مرة واحدة يوميا في طرف من شاطئ “إل ترامبولين”، حيث يحصل الأشخاص على كيس يضم خبزا ومياها وعلبة تونة وعصيرا وبسكويتا.
وسجل التحقيق أن النساء الموجودات مع أطفالهن في مناطق أخرى يضطررن إلى المشي لساعات ذهابا وإيابا للوصول إلى نقطة توزيع الغذاء.
وتؤكد منظمة العفو الدولية؛ نقلا عن شهادات لمهاجرين، أنه لا توجد ترتيبات تضمن للأطفال، بمن فيهم الأطفال الصغار الذين يعيشون مع ذويهم في الشارع، نظاما غذائيا مناسبا لاحتياجاتهم، وأن ما يتاح لهم هو الحصة الباردة نفسها التي توزع مرة واحدة يوميا.
نساء وأمهات يبتن في العراء
رسمت “أمنيسيتي” صورة مقلقة أيضا لوضع النساء، واللواتي قدر التحقيق عددهن في نحو 800 امرأة، بعضهن بصحبة أطفالهن، كن يعشن في الشارع.
وكشفت أنها عاينت أسرا تضم أطفالا ونساء أمضين أسابيع في العراء وفي تجمعات غير رسمية، مشيرة إلى أن النساء اللواتي يعشن بمفردهن مع أطفالهن، إلى جانب النساء والأطفال غير المصحوبين، يواجهون مستويات أعلى من المخاطر.
ومن بين الحالات التي وثقها التحقيق نحو 20 أسرة تعيلها أمهات بمفردهن، أقامت في خيمة قرب مسجد سيدي امبارك، في مبادرة هدفت إلى تجنيبهن النوم في الهواء الطلق، إلا أن المكان غير مناسب للإقامة الطويلة؛ إذ تنام النساء وأطفالهن على الأرض ولا تتوفر لهم حمامات أو مراحيض، وفق التحقيق.
وأشارت منظمة العفو الدولية إلى أن أسرا تتكون أساسا من نساء مع أطفالهن ظلت في الشارع على الرغم من شدة هشاشتها، مضيفة أن النساء أنفسهن اشتكين من غياب استجابة كافية من السلطات ومن المخاطر الأمنية والصحية المترتبة على ظروف إقامتهن.
عنف وإهانات جنسية
وكشفت منظمة العفو الدولية أن العنف الذي سجلته لم يقتصر على الرجال والقاصرين، بل طال نساء مغربيات أيضا، عبر الإهانات والإذلال وممارسات ذات طابع جنسي.
ومن الشهادات التي جمعتها المنظمة شهادة امرأة مغربية حامل قالت إن عسكريا سخر منها بتعليقات جنسية مرتبطة بحملها.
وأورد التحقيق معلومات بشأن حالات عنف جنسي ضد مهاجرات وقاصرات، مبرزا بهذا الصدد أنه فُتح 37 تحقيقا، وظل 28 منها مفتوحا، فيما أغلقت ثمانية بصورة مؤقتة، بينما بلغ عدد الضحايا الوارد في هذه المعطيات 39 شخصا؛ 38 امرأة ورجل واحد، بينهم 14 قاصرا.
وأبرزت منظمة العفو الدولية أن جانبا آخر من معاناة النساء والقاصرين يمتد إلى الوصول إلى الرعاية الصحية، إذ كشفت أنها تلقت شهادات تتحدث عن ممارسات تمييزية وتعليقات عنصرية تجاه مهاجرين توجهوا إلى مستشفى سبتة الجامعي، وإن بعضهم اضطر إلى الانتظار خارج المستشفى بدلا من قاعة انتظار الطوارئ، بما في ذلك قاصرون.
وأوردت حالة امرأة مغربية توجهت ليلا إلى المستشفى مع ابنتها البالغة 16 عاما بسبب مشكلات في المسالك البولية، لكن طُلب من الفتاة الجلوس على مقاعد خارج المستشفى، بينما لم يسمح للأم بالبقاء معها واضطرت إلى الانتظار قرب الطريق، قبل أن تقررا بعد أربع ساعات المغادرة من دون تلقي العلاج، واتجهتا لاحقا إلى صيدلية للحصول على ما يخفف الألم.
السلطات في قفص الاتهام
وبشكل عام، جمعت منظمة العفو الدولية خلال مهمتها 22 شهادة مباشرة نسبت إلى أفراد عسكريين يمارسون دوريات في المدينة الضرب والمضايقة والإهانة وسرقة الأموال ومصادرة الهواتف المحمولة أو تحطيمها، من دون تمييز بحسب العمر أو الوضع أو الجنس.
وترى المنظمة أن بعض الأفعال الموصوفة في الشهادات، بالنظر إلى شدتها، يمكن أن ترقى إلى التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وأكدت أنها اطلعت على تسجيلات تظهر أفرادا عسكريين يعملون ليلا وهم ملثمون، ويتعرضون لمهاجرين بالضرب أو باستخدام مادة مهيجة تُرش على الوجه والجسم، قبل تنفيذ عمليات طرد عبر سياج تاراخال.
وشددت العفو الدولية على أنها وثقت أيضا نقص المياه الصالحة للشرب والحمامات ومستلزمات النظافة والملابس النظيفة والرعاية الصحية في عدد من أماكن تجمع المهاجرين، فيما يبيت أشخاص في خيام أو تحت أغطية بلاستيكية أو مباشرة في الهواء الطلق.
وبحسب التحقيق، يتزامن تقديم الرعاية الصحية في شاطئ “إل ترامبولين” مع توقيت توزيع الطعام ولكن في نقطة أخرى، ما يضع بعض المهاجرين أمام الاختيار بين الانتظار للحصول على الطعام أو التوجه للحصول على علاج لجروح وأمراض يعانون منها.
طالبو اللجوء ومواطن الضعف
أعلنت منظمة العفو الدولية أن 12 شخصا قالوا إنهم تقدموا بطلب لجوء أو يعتزمون ذلك، وكان الأشخاص الذين شملتهم المقابلات من المغرب والجزائر والصومال واليمن.
وأوضحت أنها التقت طالبي لجوء قدم بعضهم من الصومال واليمن، ولم تكن ملفاتهم قد بدأت رغم دخول بعضهم سبتة قبل 30 يوليوز، كما لم يخضعوا لمقابلات للكشف عن حالات الضعف ولم يحصلوا على معلومات كافية عن إجراءات طلب الحماية.
ووضع التحقيق هذه الحالات، إلى جانب أوضاع القاصرين والنساء، ضمن صورة وصفها بأنها “تتسم بنقص الحماية الإنسانية والرعاية الصحية، وبممارسات تمييزية ومضايقات على أساس المظهر أو لون البشرة أو اللباس”.
مطالب عاجلة
على ضوء ما وثقته، طالبت منظمة العفو الدولية بتوفير مساعدة إنسانية فورية وظروف استقبال لائقة، بما يشمل الغذاء الكافي والمياه والرعاية الصحية والنظافة، وإعطاء اهتمام خاص للاختلافات المرتبطة بالعمر والجنس.
وفي ما يتعلق بالقاصرين تحديدا، دعت المنظمة إلى التعرف إلى جميع الأطفال غير المصحوبين بذويهم الموجودين في سبتة وحمايتهم وإيوائهم بصورة لائقة، والنظر في نقلهم إلى مناطق أخرى لضمان استقبالهم.
ودعت إلى نقل الأشخاص الأكثر عرضة للمخاطر وطالبي اللجوء إلى شبه الجزيرة، ووقف الاعتداءات والمضايقات، والتحقيق بصورة سريعة ومستقلة ومحايدة وشاملة في الادعاءات المتعلقة بالانتهاكات، وضمان وصول من يطلبون الحماية الدولية إلى إجراءات اللجوء.











