تسابق السلطات الإسبانية الزمن لإفراغ مخيمات المهاجرين في سبتة المحتلة، واضعة مئات منهم أمام مسار يدفع عمليا نحو العودة إلى المغرب، قبل أيام قليلة من الزيارة المرتقبة للملك الإسباني فيليبي السادس وزوجته ليتيثيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، في أول زيارة لهما إلى المدينتين منذ اعتلاء فيليبي العرش سنة 2014.
وربطت وكالة “رويترز” للأنباء عملية تفكيك مخيم “إل ترامبولين” مباشرة بالاستعدادات السابقة للزيارة الملكية، إذ بدأت الشرطة الوطنية الإسبانية، صباح اليوم الأحد، عملية واسعة لتفكيك جزء من المخيم الذي يعد آخر التجمعات الكبيرة للمهاجرين فوق شواطئ سبتة، حيث يعيش نحو 3 آلاف شخص، غالبيتهم من أصول مغاربية، في خيام ومساكن عشوائية منذ أزمة العبور الجماعي نهاية يوليوز الماضي.
وانطلقت العملية قبل الثامنة صباحا، بعدما وصلت أولى عربات وحدة التدخل التابعة للشرطة الإسبانية إلى المنطقة في الظلام، قبل أن تحلق طائرة مسيرة فوق المخيم.

وبعد دقائق، حاصرت الموقع نحو 50 عربة للشرطة وثلاث مدرعات لمكافحة الشغب، فضلا عن حوالي عشر آليات ثقيلة تابعة للجيش، في عملية شارك فيها أكثر من 350 عنصرا، فيما انتشرت 3 زوارق للحرس المدني قبالة الساحل لمنع محاولات الفرار عبر البحر.
وبعد إخراج المهاجرين من الخيام وتجميعهم، نقلتهم السلطات في حافلات تحت الحراسة إلى منطقة معبر تاراخال الحدودي مع المغرب، حيث وُضعوا أمام خيارين؛ إما الإدلاء ببياناتهم والخضوع لإجراءات تحديد الهوية في مركز الاستقبال المؤقت للأجانب، قبل إعادة إيوائهم في منشآت خصصتها السلطات الإسبانية للأزمة، أو العودة إلى المغرب بما تسميه السلطات “عودة طوعية”، من دون تسجيل بياناتهم.
عشرات المهاجرين يفضلون العودة للمغرب
وبحسب صحيفة “إل باييس”، فقد اختار عشرات المهاجرين الخيار الثاني وعبروا الحدود سيرا نحو المغرب، مشيرة إلى أن الطبيعة القانونية للخيارين تجعل “العودة الطوعية” أقل كلفة من البقاء، إذ إن تسجيل الهوية يمثل الخطوة الأولى في مسطرة يمكن أن تنتهي بقرار رفض الحماية ثم أمر بالإبعاد أو الإرجاع، وهو ما قد يصعب عليهم أي محاولة جديدة لدخول إسبانيا مستقبلا.
وكشفت الصحيفة الإسبانية أن معرفة المهاجرين بهذه التداعيات تدفع عددا منهم إلى اختيار العودة من دون فتح ملف إداري في حقهم، إذ يزداد الضغط مع إدراج المغرب، منذ دخول قواعد اللجوء الأوروبية الجديدة حيز التطبيق في يونيو الماضي، ضمن القائمة الأوروبية المشتركة لـ”بلدان المنشأ الآمنة”، والتي لا تقبل طلبات اللجوء منها إلا في الحالات الاستثنائية.
وأبرزت أن عملية الأحد أظهرت رفض بعض المهاجرين العودة إلى المغرب، إذ شهد المخيم لحظة توتر بعدما وقف عدد منهم رافضين تفكيك المخيم، قبل أن تتدخل قوات مكافحة الشغب وتطالبهم بالجلوس من جديد.
وتأتي العملية بعد أيام فقط من تفكيك مخيم مماثل في شاطئ بنيتيز، حيث أثارت طريقة إعادة مهاجرين مغاربة جدلا بشأن مدى “طوعية” العودة، إذ قال شابان مغربيان، يبلغان 22 و25 عاما، لـ”إل باييس” إنهما أُعيدا إلى المغرب رغما عنهما، وإن مترجما أخبرهما بأن قرار إرجاعهما قد اتخذ بالفعل، مؤكدين أنه لم تتح لهما فرصة طلب الحماية الدولية.

في المقابل، نفت وزارة الداخلية الإسبانية ذلك، وقالت إن الأشخاص الذين غادروا إلى المغرب فعلوا ذلك “بمحض إرادتهم”.
وأظهرت بيانات أوردتها الصحيفة أن أكثر من 400 شخص غادروا سبتة بهذه الصيغة في يوم واحد خلال عملية شاطئ بنيتيز، فيما بلغ عدد من صنفتهم السلطات ضمن “العائدين طوعا” 7794 شخصا حتى الثلاثاء الماضي.
سبتة تستعد لزيارة فيليبي
وتأخذ عمليات الإخلاء بعدا سياسيا إضافيا مع اقتراب وصول فيليبي السادس إلى سبتة في 13 أكتوبر، قبل انتقاله إلى مليلية في اليوم الموالي.
وكانت السلطات الإسبانية قد حددت 15 أكتوبر كأقصى أجل لإخلاء شاطئ “إل ترامبولين” بالكامل، وهو موعد أعلنه المسؤول عن القيادة الموحدة في سبتة، أنخيل فيكتور توريس، قبل الإعلان الرسمي عن تاريخ الزيارة الملكية، غير أن عمليات الإخلاء باتت فعليا تجري في الأيام القليلة التي تسبق وصول الملك الإسباني، ما يؤكد رغبة السلطات المحلية في تفكيك المخيمات قبل الزيارة الملكية.
وأكدت وكالة الأنباء “رويترز” أن عملية الأحد تعد إخلاء لمخيم المهاجرين “قبيل الزيارة الملكية”، مشيرة إلى أن نحو 3 آلاف مهاجر كانوا يقيمون في “إل ترامبولين”، وأن السلطات تنقلهم إلى أماكن إقامة مؤقتة حيث يخضعون للإجراءات أو يمكنهم العودة إلى المغرب
وتواجه سبتة ضغطا كبيرا منذ أحداث نهاية يوليوز الفارط، عندما عبر عشرات الآلاف نحو المدينة، تقدرهم السلطات الإسبانية في نحو 80 ألفا، عاد أغلبهم إلى المغرب، بينما تشير تقديرات حديثة إلى بقاء ما لا يقل عن 10 آلاف مهاجر، وهو ما رافقته احتجاجات داخل المدينة ومطالب بإخراجهم.
وتكتسي زيارة فيليبي السادس وليتيثيا حساسية خاصة من زاوية مغربية، باعتبار أن الرباط تتمسك بمطلب السيادة على سبتة ومليلية، اللتين تعتبرهما مدينتين محتلتين، بينما تصنفهما مدريد ضمن “المدن ذاتية الحكم” التابعة لإسبانيا.
وكانت آخر زيارة لرأس الدولة الإسبانية إلى المدينتين قد جرت سنة 2007، عندما زارهما الملك السابق خوان كارلوس الأول، ورد المغرب حينها بإدانة الزيارة واستدعاء سفيره في مدريد للتشاور.

جبهة برلمانية تعيد فتح “أزمة سبتة”
وبالتوازي مع تسريع إخلاء مخيمات المهاجرين في سبتة قبل زيارة فيليبي السادس، تتجه الأزمة التي شهدتها المدينة نهاية يوليوز إلى فتح جبهة سياسية جديدة داخل إسبانيا، إذ يستعد مجلس الشيوخ، يوم الأربعاء المقبل، للتصديق على إحداث لجنة تحقيق في الدخول الجماعي للمهاجرين يومي 30 و31 يوليوز، بمبادرة من الحزب الشعبي الذي يمتلك الأغلبية المطلقة في الغرفة الثانية للبرلمان.
ويريد الحزب الشعبي، وفق تقارير إسبانية، أن تمتد التحقيقات من ظروف بداية الأزمة إلى كيفية تدبيرها والقرارات التي اتخذتها الحكومة الإسبانية لإنهائها، مع تحديد المسؤوليات السياسية والإدارية عما جرى.
ويضع الحزب الشعبي العلاقة مع الرباط في صلب الأسئلة التي يريد طرحها داخل مجلس الشيوخ، إذ تشمل خطته البرلمانية استدعاء ثلاثة من أبرز وزراء حكومة بيدرو سانشيز للكشف عن ظروف تعامل مدريد مع الأزمة، وما إذا كانت السلطات قد تلقت إنذارات مسبقة، فضلا عن طبيعة الاتصالات التي جرت مع المغرب قبل تدفق المهاجرين وخلاله وبعده.
ومن المنتظر أن يمثل وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، يوم الخميس 8 أكتوبر، أمام لجنة الداخلية بمجلس الشيوخ، حيث سيطالبه الحزب الشعبي بتوضيح مستوى الاستعداد الأمني على الحدود خلال يومي الدخول الجماعي، وأسباب عدم تعزيز قوات الأمن بالمزيد من العناصر والوسائل، خصوصا في ضوء ما يقول الحزب إنها تحذيرات سابقة صدرت عن المركز الوطني للاستخبارات الإسباني.

وسينتقل الضغط لاحقا إلى الجانب الدبلوماسي والعسكري، إذ طلب الحزب الشعبي مثول وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس أمام لجنة الخارجية في 22 أكتوبر، ووزيرة الدفاع مارغاريتا روبليس أمام لجنة الدفاع في اليوم الموالي، إذ يريد الحزب منهما كشف السياسة التي اتبعتها مدريد تجاه المغرب، والتحركات الدبلوماسية التي جرت مع الرباط في الأيام التي سبقت أزمة سبتة وأثناءها وبعدها، فضلا عن الاتصالات التي أجرتها الحكومة الإسبانية مع الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء.
وقالت المتحدثة باسم الحزب الشعبي في مجلس الشيوخ، أليسيا غارسيا، إن حزبها يريد أن يعرف الإسبان “الحقيقة” بشأن ما وقع في سبتة، وأن تحدد اللجنة كيفية حدوث الأزمة وكيف أديرت والمسؤولين عنها، بينما يحمل الحزب حكومة سانشيز مسؤولية عدم الاستعداد بالشكل الكافي لموجة العبور الجماعي.
وليست هذه أول مواجهة بين المعارضة والحكومة الإسبانية بشأن أزمة سبتة، إذ سبق لمجلس الشيوخ، في شتنبر، أن أقر مبادرة تقدم بها الحزب الشعبي تنتقد تدبير الحكومة للأزمة، كما فتح الحزب نزاعا مؤسساتيا بسبب عدم حضور وزراء الداخلية والخارجية والدفاع جلسات كان قد طلب عقدها في غشت لمساءلتهم بشأن ما جرى.
كما انتقل الملف إلى القضاء الإسباني، بعدما قررت المحكمة الوطنية تولي التحقيق في ظروف الدخول الجماعي إلى سبتة، في ملف تناول أيضا احتمال وجود “تساهل” من الجانب المغربي، وهي اتهامات نفتها الحكومة الإسبانية عبر رئيسها بيدرو سانشيز أكثر من مرة.











